
المعلقات هي أفضل وأشهر القصائد التي نعرفها من العصر الجاهلي، أي عصر ما قبل الإسلام. وكان للشعر المكانة العليا عند العرب القدماء، فيه بثوا قصصهم وسجلوا تاريخهم ومشاعرهم ببلاغة وجمال لا مثيل له. وظلت المعلقات أفضل ما يمثل الشعر في تلك الفترة ومصدرا مهما لمعرفة التاريخ واللغة العربية.
والشعر العربي كثير لكن تميزت منها هذه المجموعة التي أجمع نقاد الأدب على تفوقها في اللغة والمعاني الجميلة. وهي التي ندعوها: المعلقات، أو القصائد الطوال، أو السَّمُوط.
تميزت هذه المجموعة بشكل خاص بين قصائد العرب الكثيرة. لأنها تفوقت في الجمال والبلاغة. ولأن أصحابها هم الأكثر شهرة، ولأنها قصائد طويلة، وحافظت على قوتها في كل أبياتها، وهو أمر بالغ الصعوبة، ولا يقدر على ذلك إلا كبار الشعراء، وهي الأجمل في المعاني والصور، والأبعد في الخيال والتصاوير، وأصدقها تعبيرا عن شؤون العرب، اختصارا هذه القصائد هي صفوة الصفوة، وهي المعيار ونقطة الارتكاز لغيرها.
شهرة المعلقات عند العرب.
كانت المعلقات شديدة الشهرة بين أجيال العرب وكانوا ييحرصون على حفظها وتعليمها حتى للصبيان الصغار.
1- قال أبو الفضل أحمد ابن طاهر وهو يعلق على قصة أمر معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه عندنا أمر بجمع القصائد لتعليم ابنه، أنهم جمعوا اثنتي عشرة قصيدة منها السبع المشهورات، وعلق قائلا: ولولا شهرة هذه القصائد، وكثرتها على أفواه الرواة وأسماع الناس، وأنها أول ما يتعلم في الكتاب لذكرناها، أي أن هذه القصائد شهيرة جدا ويعرفها حتى الأطفال في عصره، لدرجة أن الكاتب لا يجد حاجة لكتابة اسمها مرة أخرى.
2- في كتاب (الزهرة) ذكر أبو بكر محمد بن داوود الأصفهاني، بعد أن أورد أبياتا للحارث بن حلزة، قال: وهذه القصيدة وإن كانت من السبع الجارية على ألسنة الصبيان والمبتدئين
ماذا تعني كلمة المُعلقات؟
اشتق اسم المعلقات من التَعلق القلبي، وهو شدة الحب، فهي القصائد التي تعلق بها العرب ورددوها أكثر من غيرها. وكانت لها تسميات أخرى في الكتب التي شرحتها، كالقصائد الطوال الجاهلية، والسموط، لكن لفظة المعلقات هي التي اشتهرت في النهاية.
ويشيع بين الناس أن اسمها مشتق من التعليق على الكعبة، لكن هذا غير صحيح، وقد أفردنا له موضوعا خاصا، يمكنك أن تطلع عليه من هنا.
كيف اختيرت المعلقات؟
المعلقات هي اختيارات انتقاها العلماء العرب من القصائد الجاهلية ليعيدوا الاهتمام بها. وجعلوا لها معايير فنية، كما أنها تخضع أحيانا للذوق الشخصي، لهذا سنرى بعض الاختلاف في اختياراتها.
أولاً: حَمَّاد الراوية يختار المعلقات.
أول من جمع هذه المجموعة هو عالم يسمى حماد الراوية. وهو عالم ثقة وكان نديما مقربا من خلفاء بني أمية، ووفد أيضا على أبي جعفر المنصور في زمن الدولة العباسية. أراد حفظ الشعر العربي وخاف عليه الضياع بسبب تطاول الزمن. وضياع كثير منه. فاختار سبعة من أشهر الشعراء الجاهليين المعروفين. واختار لكل واحد منهم أفضل قصيدة من شعره. وهكذا جمع حسب ذوقه سبع قصائد لسبعة شعراء.واهتم بروايتها وتوثيقها وشرحها، وحث الناس على حفظها، فانتشرت حتى يومنا هذا.
والقصائد التي جمعها هي:
1- قصيدة امرؤ القيس التي أولها: قِفا نَبكِ من ذِكرى حبيبٍ ومنزل.
2- قصيدة طَرفَة بن العبد التي أَولها: لخَولة أطلالٌ بِبُرقةِ ثَهْمَدِ.
3- قصيدة زُهير بن أبي سُلمى التي أولها: أَمن أم أوفى دِمْنةٌ لَم تَكلمِ؟
4- قصيدة لَبيدُ بن ربيعة التي أولها: عَفَت الدِّيار مَحلُّها فَمُقامها.
5- قصيدة عمرو بن كلثوم التي أولها: أَلا هُبي بِصحنك فَاصبحينا.
6- قصيدة عنترة بن شداد التي أولها: هل غَادر الشعراء من مُتَردَّمِ؟
7- قصيدة الحارث بن حلزة التي أولها: آذنتنا برحلها أسماء.
سماها القصائد الطوال، لأن نظم القصيدة الطويلة معيار يدل على تمكن الشاعر وهكذا كانت تعرف لوقت طويل.
اختيارات أخرى.
وبما أن اختيارات الأدب شخصية، ولا تخضع لقوانين ثابتة كالفيزياء، فربما يفضل أديب ما لا يفضله غيره، فقد أتى راوية آخر من كبار رواة الأدب، هو المفضل الضبي، صاحب مجموعة المفضليات الشهيرة، اتفق مع حماد الرواية في خمس اختيارات، لكنه أسقط قصيدة عنترة بن شداد وقصيدة الحارث بن حلزة، واختار بدلا منهما قصيدتين، هما:
8- قصيدة الأعشى التي أولها: ودِّع هُريرةَ إِن الرَّكب مُرتحل.
9- وقصيدة النابغة الذُّبياني التي أولها: يا دار مَيَّةَ بالعلياء فالسند.
دافع المفضل عن اختياراته في قول منسوب له بعد أن غير اختيارات حماد، فقال أن هؤلاء هم أصحاب السبعة الطوال الذين تسميهم العرب السَّموط، فمن زعم أن في السبعة شيئا لأحد غيرهم فقد أخطأ، وخالف ما أجمع عليه أهل العلم والمعرفة، يريد أن اختياراته أدق مما اختار حماد، ويمكن فهم كلمته في إطار المنافسة بين الأقران واختلاف الرؤى والأذواق بين العلماء، وربما كان المفضل ينفر من حماد الراوية بسبب اتصاله بالأمويين ثم بالمنصور، وكان المفضل كوفيا مناصرا لمحمد النفس الزكية التي ثار على المنصور وكان يؤوي أخاه إبراهيم، وعلى كل حال فاختلافهما لا يعني أن اختيار أحدهما باطل، فكلاهما من أهل العلم المشهود لهم، والأمر يخضع لاختلاف الأذواق، والقصائد جميعا تستحق.
ونلاحظ أيضا أنه أسماها السَّموط، من السِّمط وهي القلادة النفيسة، تشبيها لها بالقلائد النفسية والجواهر، وقد سماها حماد بالطوال، فلم يكن لفظ المعلقات قد اقترن بالقصائد بعد، وأغلب الظن أنه لم يعرف في هذه المرحلة، وهذا دليل أنها لم تعلق على الكعبة، كما سأبين في موضع لاحق، فلمَ تطلق عليها تسميات كثيرة إذا كان الجميع يعلم أنها معلقة؟
أبو جعفر النحاس يجعل المعلقات تسعة.
ثم جاء أبو جعفر النحاس، بعدهم بنحو مئة وخمسين عاما، كان عالما صاحب تصانيف منوعة، وقد درس في مصر ثم ارتحل إلى عاصمة الخلافة بغداد، وأخذ من علمائها، واتخذ المعلقات مادة لشرح اللغة وشواهدها، فوضع كتابه (شرح القصائد التسع المشهورات) ضم فيه قصائد حماد السبعة مع القصدتين اللتين أضافهما المفضل الضبي منوها بمكانة الأعشى والنابغة، فضم كتابه اختيارات حماد والمفضل جميعا، وبهذا صارت تسعة.
وكتابه متوفر مطبوع الآن، وهو من أهم مصادر شرح المعلقات التي بين أيدينا، وفيه يهتم أبو جعفر بالشواهد النحوية وبإعراب القصائد، فيطغى الجانب النحوي على الأدبي في هذا الكتاب.
التبريزي يضيف اختيارا غريبا للمعلقات.
جمع الخطيب التبريزي (المتوفى سنة 502) شرح القصائد التسع المعلقات من الكتب السابقة وأضاف لها من اختياره قصيدة عجيبة جدا، وهي قصيدة عبيد بن الأبرص، التي أولها أفقر من أهله ملحوب، وهي اختيار بالغ الغرابة لأنها مكسورة الوزن جدا لدرجة أنه لا يعرف لها وزن محدد، ولا تتماشى مع بنية القصائد ولا تبدو كالشعر المعتاد، كما أنها ليست مبهرة من ناحية المعاني أيضا.
وهذا الاختيار العجيب جعل لهذه القصيدة وزنا وألحقها بنخبة القصائد عن غير استحقاق، وفي القصائد العربية ما يفوقها، بل في شعر عبيد بن الأبرص ما يفضلها، لكن هكذا كان رأي التبريزي رحمه الله، وهو من العلماء المتأخرين، ويمكن اعتبار اختياره مجرد رأي غير ملزم، وهكذا اقترن اسم هذه القصيدة بعد ذلك مع هذه الصفوة المميزة وهي لا تستحق ذلك، والله أعلم.
اختيارات الخليفة عبد الملك بن مروان.
وممن كانت لهم اختيارات الخليفة الأموي عبد الملك بن مراون، ورغم أنه معروف بسبب خلافته، إلا أنه كان عالما قبل أن يكون خليفة، وأخباره في العلم كثيرة، وكان يجالس العلماء ويناظرهم ويجالس الأدباء، واشتهر في بلاطه جرير والفرزدق والأخطل.
وفي كتاب المنثور والمنظوم: يروي المؤلف أن عبد الملك بن مروان (ت. 86 هـ) كانت له مجموعة شعرية خاصة اختار فيها قصيدة واحدة لكل من: عمرو بن كلثوم، والحارث بن حلزة، وسويد بن أبي كاهل، وأبي ذؤيب الهذلي، وعبيد بن الأبرص، وعنترة، وأوس بن مغراء. وقيل إنه عدَّل في المجموعة فطرح شعر أربعة منهم وأثبت مكانهم أربعة آخرين، لكن المهم هنا أنها كانت مجموعة سباعية.
.
وذكر في كتاب خزانة الأدب للبغدادي: الجزء الأول صفحة 124، أن الخليفة “عبد الملك بن مروان” أمر فطرح شعر أربعة من أصحاب المعلقات، وأثبت مكانهم أربعة.
وهناك أبو زيد القرشي صاحب كتاب جمهرة أشعار العرب، الذي كانت له اختياراته المخلتفة قليلا والذي اختار للقصائد مسمى آخر يدل أيضا على القيمة، وهو السموط، وعموما فقد استقرت أغلب الآراء على تفضيل قصائد بعينها، وهذا لا ينفي كثرة الجيد المستحسن من شعر العرب.
إذا هذه هي المعلقات: اختيارات لأفضل القصائد الجاهلية، انتقاها الأدباء والحفاظ العرب من تراثنا القديم، وقد اختلفت اختياراتهم قليلا، واختلف الناس في ترتيبها وإن كان هناك شبه إجماع أن معلقة امرئ القيس تتفوق على غيرها، وتحدث الاختلافات حسب ما يوافق ذوق كل إنسان، وهذا معتاد في الأدب.
في المقال القادم، نناقش فكرة مهمة تكاثر حولها الكلام، هل علقت هذه القصائد فعلا على الكعبة؟

