مقالات

قصيدة عبيد بن الأبرص ليست معلقة.

معلقة عبيد بن الأبرص

يشيع في عصرنا الحديث عن قصيدة عبيد بن الأبرص التي أولها: (أفقر من اهله ملحوب) على أنها المعلقة العاشرة. وتكتسب القصيدة مكانة عالية بضمها لهذه المجموعة المميزة. 

لكن من يتأمل القصيدة يصاب بالحيرة لهذا الاختيار. لأنها أقل كثيرا بوضوح من بقية المعلقات بل من عامة الشعر العربي. ولعبيد بن الأبرص قصائد مفضلية أجود منها، فهي ركيكة الوزن مففكة الأسلوب، حتى قالوا أنها تكاد تكون نثرا، وحتى أنها بلا وزن يمكن تحديده، وفيها أبيات بلا نظام حتى أن بعض أشطرها تتكون من نحو كلمتين او ثلاثة، فهي تفتقد لأي وزن يضمها للشعر.

ويدافع عنها البعض أنها اختيارات القدماء ولهم نظر وأنها احتوت قدرا من المعاني والحكم. لكن هذا ليس صحيحا بإطلاق وقابل للنقد والمناقشة ولا يجعلها ضمن صفوة القصائد العربية. فقد سقط منها الجانب الفني والنظم، وأما جانب المعنى فمختلف فيه ولا يتفوق على كثير غيره.

أقوال العلماء السابقين في القصيدة.

قد رأيت من المدافعين عنها من يقول: كيف تعترضون على علماء العربية القدماء، ظانا أنها اختيار قديم اتفق عليه العلماء. وهي ليست كذلك، فهذه بعض أقوال العلماء فيها:

قال الخالديان: وهما عالمان أخوان، توفي أحدهما سنة 371 للهجرة، والآخر سنة 380: (يجفو عنها السّمع وتضطرب في الذوق).

وقال ابن رشيق: توفي سنة 456 للهجرة: ومنه(أي الشعر) قبيح مردود لا تقبل النفس عليه، كقبح الخلق واختلاف الأعضاء في الناس وسوء التركيب، مثله قصيدة عبيد المشهورة: (أقفر من أهله ملحوب) فإنها كادت تكون كلاماً غير موزون بعلة ولا غيرها. حتى قال بعض الناس: إنها خطبة ارتجلها فاتزن له أكثرها. وقال أبو العلاء المعري (وزنها مختلف وليست موافقة لمذهب الخليل في العروض.

وقال الأخفش الأوسط، صاحب سيبويه ، والمتوفى سنة 215 للهجرة: (وفي الشعر الرّمل، وهو عند العرب عيبٌ. وهو ممّا تسمّي العرب. وهو كلّ شعر مهزول ليس بمؤلّف البناء. ولا يحدّون في ذلك شيئاً. وهو نحو قول عبيد: (أقفرَ من أهلهِ ملحوبُ فالقطّبيّاتُ فالذَّنوبَ).

وقال ابن سنان الخفاجي: توفي سنة 466 للهجرة (ومن المناسبة أيضاً: التناسب في المقدار وهذا في الشعر محفوظ بالوزن فلا يمكن اختلاف الأبيات في الطول والقصر فإن زاحف بعض الأبيات أو جعل الشعر كله مزاحفاً حتى مال إلى الانكسار وخرج من باب الشعر في الذوق كان قبيحاً ناقص الطلاوة، كقصيدة عبيد بن الأبرص: (أقفر من أهله ملحوب).

وقال ابن سلام الجمحي: توفي عام 231 للهجرة: (وعبيد بن الأبرص، قديم، عظيم الذكر، عظيم الشهرة، وشعره مضطرب ذاهب. لا أعرف له إلا قوله: (أقفر من أهله ملحُوبُ فالقُطَبِيَّاتُ فالذنوبُ) ولا أدري ما بعد ذلك)

وإذا تأملنا هذه الأقوال وغيرها لوجدناها صحيحة تنطبق على القصيدة، كما لم يمحدها أحد من القدماء ولم يضعوها مع أشعار الجاهللين الكبار مثلما يفعل المتأخرون في عصرنا.

كيف ضمت قصيدة عبيد بن الأبرص إلى المعلقات؟ 

ولو تتبعنا سبب ضمها للمعلقات لزال منا العجب، فهي ليست من اختيار أي عالم من القرون المتقدمة، بل اختيار أضافه الخطيب التبريزي المتوفى سنة 502 للهجرة، أي في زمن متأخر عن كل رواة الشعر القديم وعلمائه، ضمها في رسالة وضعها لتعليم الطلاب في المدرسة النظامية في بغداد.

أما شرح الخطيب التبريزي فقد تحدثنا عنه في موضع آخر. وذكرنا أن عمله في هذه الرسالة لا يسير على نهج العلماء بل على نهج المدرسين. فهو يجمع مادة يدرسها لطلابه، وهذا مقبول في ذاته لكنه ليس تصنيفا علميا. ولم يكن الخطيب التبريزي قادرا على شرح القصائد بنفسه فكان ينسخ نسخا من شرحي ابن الأنباري والنحاس دون إضافة منه بل كان يخطئ النسخ أحيانا.

فلما أراد أن يجعل عدد القصائد في الكتاب عشرة اختار هذه القصيدة دون أن يبين أي سبب لاختياره. وهذا عيب في ذاته. فإن الإنسان إذا أتى برأي جديد عليه أن يشرح اختياره كما فعل النحاس حين اختار ضم قصيدتي النابغة والأعشى وعلل لذلك. أما التبريزي فقد أضاف القصيدة وترك القارئ دون تعليل، ثم لم يقدر على شرحها على بساطتها، فكان يترك أبيات كاملة دون تعليق.

وربما يكون سبب اختياره هو شهرة الشاعر نفسه لأنه قديم و قد اقترن في التاريخ بامرئ القيس وأخبار الملك النعمان. وله في ذلك قصص مروية، لكن هذا لا يعني أن القصيدة بالمعايير الفنية تستحق أن توضع مع المعلقات. فشهرة الإنسان أمر وتقييم قصيدته أمر آخر.

 

هل هي في قوة بقية المعلقات؟ 

وبالنظر المجرد في القصيدة يتضح أنها لا تسير على وزن، فهي مضطربة اضطرابا عروضيا بالغا، يجعلها شيئا آخر غير الشعر. ولو كتب شاعر معاصر قصيدة مثلها لقامت عليه الدنيا. ولو تقدم بمثلها في مسابقة أو اختبار لرفضت. ولو أقرت هذه القصيدة لفتحت بابا كبيرا من القصائد التي لا وزن لها وتكاد تكون نثرا مقفى.

أما ورود أبواب من الحكمة والتشبيهات فيها، فهذا لم تنفرد به دونا عن كثير من قصائد الجاهليين. كما لا يعوض المعيار الفني بغياب الوزن الشعري ونغمته.

إذن فالرأي السليم المجرد من الانحيزات هو أن هذه القصيدة لا تضم أبدا إلى صفوة القصائد العربية. وهذا أمر يراه ويشعر به قارئ الشعر لكنه يؤثر الصمت خوفا من الانتقاد.

التمسك بجعلها معلقة يدل على ضعف النقد. 

والحق أن التمسك باعتبار هذه القصيدة معلقة هو عرض من أعراض غياب النقد في عصورنا الحالية. وأن المجتمع العلمي يقدس القديم مهما كان دون مناقشة وينخذ موقفا دفاعيا متصلبا فيبحث له عن أي تبرير، ظنا منه أنه بهذا يوقر التراث ويحميه من الدخلاء. ويسارع باتهام من يبدي رأيا ناقدا صحيحا بأنه لا يحترم التراث العربي ويهين العلماء. وقد توسع الناس في هذه المفاهيم حتى وصلنا إلى جمود علمي بالغ.

المجتمع العلمي يركن للثوابت ويبرر لها ويكمل نقصها من تغافله، وفاقد للثقة يحقر نفسه بدعوى التأدب. وهذا يعطل الحركة الأدبية، ولو قيمت القصيدة فنيا دون هذه الحسابات المسبقة مع مراعاة ظروف اختيارها لما كان هناك حاجة للتعصب في مثل هذه المسألة.

لقراءة مقالات أخرى عن هذه القصيدة: يرجى زيارة هذا الرابط المنشور في جريدة الرياض السعودية: جناية التبريزي على الأدب.

 

محمد صالح

مدون وكاتب عربي، أهتم باللغة العربية وشرح الشعر والأدب العربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي