
تدور بين محبي الأدب نقاشات دورية حول الشعر الجاهلي ومقارنته بشعر العصور الأخرى، خاصة الشعر العباسي. في هذا المقال، أذكر لك لم أفضل الشعر الجاهلي على غيره وأراه ذروة الأدب العربي العالي.
أقول: كانت حياة العرب في العصر الجاهلي قبل الإسلام بيئة مثالية لازدهار الشعر، ووفرت له ظروفا قد لا تتوفر مرة أخرى. فعصر ما قبل الإسلام هو العصر الذهبي للشعر العربي. ويرجع ذلك إلى عدة أسباب.
نقاء اللغة العربية بين الجاهلي والعباسي:
لاشك أن شعراء ما قبل الإسلام هم المتحدثون الأصليون باللغة العربية وأصحابها يتكلمونها سليقة كما يتنفسون، وعنهم نأخذ هذه اللغة. فكلامهم مصدر للمعاني والنحو والصرف والبلاغة وعلوم العربية كلها. وهم أصحاب العصور التي يطلق عليها علماء اللغة: عصور الفصاحة والاحتجاج اللغوي. فكان كلام العربي في ذلك الوقت حجة يؤخذ بها وكان يتكلم اللغة سليقة على طبعه بغير تكلف، ولا شك أن من يتكلم على طبيعته دون بذل جهد أقدر على الوصول للمعنى، وأدق اختيارا للألفاظ.
أما الشعراء في العصر العباسي وما بعده، فقد عاشوا بعدما اختلفت اللغة واختلط العرب بأقوام غيرهم، فلم يعودوا ضمن عصور الاحتجاج. بل كان لزاما عليهم أن يدرسوها دراسة كما نفعل، وكل حسب ذكاءه واجتهاده، وعلى الشاعر أن يراجع اللغة في نصه قبل نطقه. ولذا لا يعد قول المتنبي ومعاصروه دليلا لغويا. ولا شك أن هذا يختلف عن امرئ القيس الذي لا يحتاج أن يفكر في لفظ قبل نطقه. بل يكفيه أن يضع ذهنه فيما يريد قوله.
لذا فأنا أرى أن اللغة العربية أكثر عذوبة على لسان الأقدمين وتخرج منهم منسابة مطواعة. وما يقال عن وحشية ألفاظ بعضهم هو من باب تغير الألفاظ مع الزمن، وقد تحدثت عنه في موضعه عندما تكلمنا عن طبيعة الألفاظ القديمة، وربما يكون بعضه من قبيل كلام الشعبويين الذي أرادوا الانتقاص من شعر العرب القدماء، بينما هو في النهاية طبيعي، وما لا نعرفه حقا هو ما لم نعد نعيشه.
موقع الشعر من حياة القدماء.
كان الشعر ذروة علوم العرب قبل الإسلام، لأنهم لم يكونوا أهل تدوين وحفظ للعلوم. فلم تكن لهم مدارس وكتب تحفظ فيها العلوم، فكانوا يحفظون أيامهم في القصائد. ويعرض الرجل حاجات قومه الملحة في قصيدة كما وقف الحارث بن حلزة وعمرو بن كلثوم أمام الملك كل منهما يدافع عن قبيلته، وكما كان يفعل النابغة الذبياني في عرض حاجات قبيلته أمام الملوك، وكما سجل عنترة بطولاته وانتصارات قومه. وكما توج زهير الصلح الذي أنهى داحس والغبراء بقصيدة تقوم مكان الوثيقة. ونرى في هذه القصائد عرضا للحجج والتاريخ والمواقع، لأنها وسيلة تدوينها. وهذه الأمثلة غيض من فيض.
وحتى في الشعر الذاتي الذي يقوله الرجل لحاجة في نفسه كشعر امرئ القيس وعنترة، لم توجد كتب للسير ولا كاتب يسجل التاريخ، فلا يمكن إخراج هذه الأفكار إلا في قصائد. لهذا كان الشعر يحتل مكانة أساسية في تسيير شؤون المجتمع وحفظ عاداتهم، كما تقوم به الكتب في عصور لاحقة.
وهذا تفسير قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (إن الشعر علم قوم لم يكن عندهم أصح منه) لم يكن لهم كتب ولا فلاسفة ولا علماء ولا مكتبات، فوضعوا فيه هذا الشعر كل ما يعرفون وكان الشعراء هم المعبرون والناقلون لكل ذلك.
وينعكس هذا أهمية المعاني التي يضعونها فيه، فهو أمور تتعلق بمصلحة القبيلة وحياتها أو موتها، ونفهم منه ما حدث في أيامهم.
دور الشعر في العصر العباسي.
أما في العصور اللاحقة، العباسي وغيره، فقد سُحب البساط من الشعر بسبب انتشار الكتابة والعلم. فبجانب الملوك هناك كتبة ودواوين يسجلون الاخبار، وأصبح للتاريخ كتبه وللسير كتبها، ولم يعد الشاعر رجل القبيلة الأول، بل العالم. وتراجعت المواضيع التي يستأثر بها الشاعر إلى شعر ذاتي أو منازعات في البلاط للنيل بجائزة من الملك أو فن لغوي بالأساس يظهر فيه الشاعر قدرته أمام أقرانه لينال جائزة أو مكانة بلغته لا بمعانيه. وباختصار، تفرق دم الشعر بين العلوم وتبقى له الفن اللغوي وأصبح ترفيها بعدما كان عمدة.
والخلاصة أن الشعر قبل الإسلام كان ديوانهم وعلمهم الكامل. فيه يدونون تاريخ أيامهم ويحاججون به امام الملوك كما فعل الحارث ديوان العرب ثم سحب منه البساط، فأصبح فنا ترفيهيا.
وقد تكلم المرزوقي عن تأخر رتبة الشعراء في عصره مقارنة بالكتاب. ربما يكون لأن العلوم الجديدة أخذت معظم وظائف الشعر.
بساطة التعبير ومباشرة اللغة عند العرب القدماء.
سبب آخر أراه في تفضيل الشعر الأقدم، أن طبيعة حياتهم البسيطة تجعلهم يقولون ما في أنفسهم ببساطة دون مداراة ولا تكلف، وبعاطفة أصدق. وهذا حال أهل الريف أو الأعراب ساكني البر، يقول الرجل ما فيه قلبه و ما يريد قوله مباشرة دون تنميق للكلام.
أما أهل المدينة والحضارة في العصر العباسي فيخفون بعض المعاني على سبيل اللياقة وأداب المجالس ومجاملات القصور. فيعمدون إلى الحيل الكلامية وطريقة كلام ملتوية ذات تلميحات لا نجدها عند الأقدمين الذي يتكلمون ببساطة دون تنميق للكلام. وقد ترى هذا عيبا، لكنني أراه أصدق في التعبير عما في النفس، حيث يخرج الرجل مشاعره وما يريد قوله كما خلقها الله في قلبه.
كما أن بساطة حياة الجاهليين تجعلهم أقرب للطبيعة، فيصفون الجبال والسماء والصحراء والوديان والمياة. ووصف الطبيعة أساس في أي أدب قوي معتبر ومحبب كثيرا إلى الإنسان.
الطبيعة العنيفة لحياة العرب الأقدمين.
خلقت الحروب الكثيرة التي خاضها العرب الجاهليون مآسٍ ومواضيع كثيرة للشعر. الشعر والأدب أولاد الحرب والمعاناة والحياة القاسية. الحرب وحدها هي التي تضغط الإنسان وتشحنه بكل هذه المشاعر التي ربما لا تقدر الأيام العادية عليه. فحروبهم الكثيرة والمآسي التي تنتج عنها هي المادة الخام التي قالها الشعراء في القصائد، وهو ما نراه واضحا في المعلقات، التي تتعلق قصة كل منها بحرب أو أزمة عنيفة هزت صاحبها وألهمته قول الشعر.
أما الحياة العباسية فكانت أكثر استقرارا، ولم يكن الإنسان مهددا كل يوم مثل الحياة الجاهلية. وهذا يخلق نوعا من التراخي الذهني لعدم وجود موقع قوي يتكلم الإنسان حوله، ولهذا نرى مواضيع الشعر العباسي يغلب عليها الخصومات بين الشعراء واستعراض قدراتهم اللغوية. وغير ذلك من المواضيع الجاهلية التي تخاطب صلب الوجود البشري.
طبيعة بناء القصيدة العربية الجاهلية.
كان للأقدمين تراث وأسلوب يبنون به القصة، من بدايتها بغزل مجازي ذي معنى مزدوج يعبر به عن مشاعره في القصيدة. والانتقل بأغراض القصيدة وتمهيد للغرض الأساسي لتجهيز ذهن السامع. وطريقة في وصف الأشياء لم تعد موجودة كثيرا فيما بعد. والذي يعتاد الشعر القديم يعرف أن أسلوبهم عبقري خالص يأخذ بمجامع السامع ويصل به صاحب القصيدة إلى غرضه ويؤثر فيه كما يريد.
التقسيم إلى فصول ذات الدلالات، المقدمات، الصور الحياتية، الإضمار في المعاني التي تكتشفها بين ثنايا القصص، كل ما يكسب المعاني العميقة لا وجود له عند المتأخرين، لأنهم فقدوا الاتصال بجوهر هذا الفن ولم يروا إلا هيكله
أجرؤ على القول أن شعر ما قبل الإسلام حتى الدولة الأموية تقريبا فن لا علاقة له بشعر ما بعده إلا في الاسم والشكل الخارجي، كالفارق بين الثوب، وبين القميص والبنطال. يجمعهما أنهما ملابس تغطي الإنسان، ويختلفان في كل شيء آخر.
الكلام عن تفضيل الشعر الجاهلي بسبب قضايا الإعجاز اللغوي.
بعض من يفضل الشعر الجاهلي ينظر للمسألة من باب البلاغة ومقارنته مع القران وتحديه للعرب أن يأتوا بمثله. فالموضوع يبدأ وينتهي بهذه المسألة، وهي المسلمة الأولى وهدف النقاش النهائي. وهذه مسألة تمتزج فيها العقيدة باللغة والفلسفة، ويحاول صاحبها إثبات علو الشعر الجاهلي لتحقيق هذا الغرض في نفسه.
أما أنا فلا أتعاطى مع الشعر من هذه الجهة ولي فيها وجهة نظر، حيث أراها أقرب للفلسفة من الأدب. وتفضيلي للشعر الجاهلي هو لأسباب جمالية بحتة ذكرتها في هذا المقال.
الخلاصة بين الشعر الجاهلي والعباسي.
كما ترى بوضوح، فأنا منحاز لشعر ما قبل الإسلام، وأرى أنه العصر الذهبي للشعر، وقد توافرت له ظروف لن تتوافر له نفس الظروف مرة أخرى، ففيه المعاني والصور الجاهلية وجزالة الألفاظ وسمو العاطفة لا يدانيها شعر أي عصر بصفة جمعية. لا يعني هذا أنني أكره العباسي، فليست مقارنة بين أبيض وأسود، لكنني أحب الجاهلي أكثر وأستمتع به وأستفيد منه، وأحب أن أتعرف على الآراء المختلفة في التعليقات.
وهذا مقطع قديم سجلته على قناة يوتيوب أتحدث فيه عن نفس الموضوع.

