شرح القصائد

كتاب شَمِر بن حَمْدَوَيه، أفضل شرح قديم للمعلقات.

شرح المعلقات شمر بن حمدويه.

 كتاب شمر بن حمدويه هو أقدم شرح للمعلقات يصلنا كاملا، وأكثر الشروح القديمة فائدة في نفس الوقت. لم يعرف في عصرنا إلا منذ وقت قريب عندما كشف عنه الدكتور صالح الجسار من المخطوطة التي حققها ونشرها. وربما يكون تأخر طبعه في عصرنا هو سبب قلة انتشاره حتى الآن.

واضعو الكتاب. 

الكتاب من تدوين كتبه شمر بن حمدويه الهروي، نسبة إلى هراة في بلاد أفغانسان الحالية. المتوفى سنة 255 للهجرة  نقلا عن شيوخه أبي سعيد الضرير الذي يمكن اعتباره الشارح الرئيس وأبي جابر الأسدي الذي يعتبر الشارح المكمل ثم غيرهما، فشمر بن حمدويه لا يشرح ولا يؤلف لكنه ينقل عن مجموعة من العلماء. وإن كان الغالب هو أبو سعيد وأبو جابر. فكأنه أراد أن يرتب شرحا للقصائد مما توافر تحت يده.

الغالب أن شمر بن حمدويه قد دون الكتاب في مدينة نيسابور. ولعل هذا هو سبب غيابه عن علماء بغداد ومصر وبقية الأقطار. وما حد من انتشاره في العصر الحديث، حتى أخرجت هذه الطبعة.

وقد نقل عنه كتابان آخران، هما (شرح القصائد السبع المعلقات للكموني)، نقل عنه في ثمانية وعشرين موضعا. وكتاب (مصائد الطبع للقصائد السبع) نقل عد في أحد عشر موضعا.

أما أبو سعيد الضرير، فهو عالم من بغداد لا يعرف الكثير عن نشأته. لكن ورد في ترجمته صفحة 18 من الكتاب الذي نشره الدكتور صالح الجسار، أنه أخذ مباشرة من أبي عمرو الشيباني وابن الأعرابي وابن الكلبي والأصمعي. وهؤلاء هم أساس رواية الشعر، وتوفي سنة 233 تقريبا.

والشارح الآخر أبو جابر. لا يعرف عنه الكثير إلا أنه روى مباشرة عن أبي عمرو الدوري صاحب القراءت المعروف. وروى عنه الأزهري كثيرا وتتلمذ له أبو شمر الذين دون هذا الكتاب. 

وقد دون شمر بن حمدويه أقوالا متفرقة لبعض العلماء الآخرين لكنها لا تشكل أساس الكتاب. فالاعتماد الأساس هو ما قاله أبو سعيد وأبو جابر، فأما أبو سعيد فيتوسع في اللغة والمعاني التي يجيد شرحها ويوفق إلى ذلك. وأما أبو جابر فيكمل الشرح ويضيف الصرف والنحو. ويكمل بقية الشراح وقد يأخذ منهم شيئا مما فات الشارحين الأولين من التاريخ والأخبار. فيتكامل الشرح ويخرج القارئ بفائدة عظيمة. 

وكما نرى، فهؤلاء العلماء من الأجيال الأولى الذي تتلمذوا وقرؤوا على علماء القرون الأولى الذين أسسوا العلوم وعاشوا في عصور الفصاحة مباشرة. وهو ما يظهر في شروحهم ويكسب الكتاب قيمته.

خواص كتاب شمر بن حمدويه في شرح المعلقات.

– انفرد الشرح ببعض الأبيات التي لم ترد في غيره من النسخ وباختلافات في ترتيب الأبيات داخل القصائد، حتى كأنه رواية مستقلة للأبيات. وهذا معتاد في ما نقل من شعر ما قبل الإسلام. كما أن ترتيب القصائد يختلف قليلا عن كتب الشرح الاخرى..

احتوى الكتاب على المعلقات السبع المشهورة التي تتناولها الكتب الأخرى إضافة لمعلقة النابغة الذبياني. التي أضافها دون أي يبرر اختياره. لأن الكتاب كما سأذكر بعد قليل لا يقدم للشاعر بأي تعريف، وهذا مما يؤخذ عليه.

وقد جاءت القصائد في شرح شمر بن حمدويه على هذا الترتيب: 1- قصيدة امرؤ القيس، 2- قصيدة لبيد بن ربيعة، 3- قصيدة طرفة بن العبد، 4- قصيدة عنترة بن شداد ، 5- قصيدة زهير بن أبي سلمى ، 6- قصيدة الحارث بن حلزة ، 7- قصيدة عمرو بن كلثوم، 8- قصيدة النابغة الذبياني. 

– الاسم الأصلي للكتاب هو (شرح القصائد) فقط دون إضافة. لكن المحقق هو الذي أضاف كلمة المعلقات. وذكر في صفحة 35 من مقدمة الكتاب أنه فعل ذلك إزالة للإبهام. ربما لأننا في عصرنا قد أصبحنا نعرفها بهذا الاسم.

 لكن ربما كان من الأفضل ترك الاسم كما هو. ولا ينبغي لنا أن نغير اسم الكتب القديمة وأن نتركها كما وضعها أصحابها لأنها الدلالة تختلف. فإضافة كلمة المعلقات التي ثبتت الىن بيم الجمهور توحي أن الناس في عصرهم قد اتفقوا على هذه الكلمة كما نعرفها الآن،.بينما كل الكت القديمة بما فيها ما ظهر بعد هذا الكتاب لا تذكرها من الأساس ولم تلتصق فكرة التعليق في أذهان الناس إلا في وقت متأخر.

– يبدو أن أبا سعيد وأنا جابر الذين ينقل عنهما صاحب الكتاب يعرفان بعضهما. فنراهما يردان على بعض في نفس المواقع.

ففي بيت عنترة رقم 25 – تأوي له قلص النعام، أورد الكاتب قول أبي جابر، ثم قول أبي سعيد هذا باطل، وأتى بشرح آخر، فكأن أبا سعيد يجلس بجانب أبي جابر أو وصله شرحه فيرد عليه برأي آخر. 

مميزات كتاب شمر بن حمدويه. 

فأولى ميزاته أنه أول شرح كامل يصل لنا عن المعلقات. وقد وردت كتب قبله كالسكيت أو ابن كيسان، لكنها لم تصل لنا كاملة، وأما هذا الشرح فكامل.

يتميز الشرح بتفصيل ووضوح لا نراه في الشروح القديمة الأخرى، التي تكتفي أحيانا بتعليقات قصيرة. ويظهر هذا من ناحية اللغة والقصة المتعلقة بالكتاب وقواعد الصرف والنحو المتعلقة بالكلمات. فيخرج القارئ بفائدة حقيقية بعد قراءته.

 نقل الكتاب عن رواة الشعر وعلمائه في القرون الأولى مشافهة، وهو ما لم يتوفر في غيره. فنقل من الأصمعي وأبي عمرو الشيباني وأبي عبيدة وابن الأعرابي وغيره شفاهة دون واسطة. بينما كل الشروح الأخرى تنقل عن واسطة أقلها عالمان ( المقدمة صفحة 28).  

ويتميز الكتاب بحسن ترتيبه وغنى مادته. فيورد الشرح لأبي سعيد ثم أبي جابر، وأحيانا لغيرهما. كما أن للشارحين ذوقا واختيارات عند تفسير الأبيات، خاصة أبو سعيد. وفيه استقلالية في تحرير المعاني التي يراها، وهو ما يرفع قيمة الكتاب. فيتأملان الأقوال المنقولة ويستدركان أحيانا على الأقوال المنقولة ليدليا برأي مستقل. وقد ينفرد ببعض الأراء في تفسير الأبيات. وهي سمة صحية تميز التأليف في العصور الأولى، فليس مجرد ناسخ ولا ناقل.

– فهم (أبو جابر) أن أسماء النساء هي أمثال وغزل رمزي، وليست أسماء نساء محددة. ولهذا نراه يشرح معانيها، فيقول أن فاطمة في معلقة امرئ القيس من الفطام، ونوار في معلقة لبيد هي المرأة النفور. وذكر قول الأصمعي في تفسير اسم خولة في أول معلقة طرفة.

ما يؤخذ على الشرح.

رغم أنني أراه أوسع الشروح القديمة وأكثرها فائدة إلا أنه يؤخذ عليه بعض الأمور، فمنها:

1- أنه لم يترجم للشعراء أصحاب القصائد أي كلمة على الإطلاق. فيبدأ مباشرة بقال قال الشاعر كذا دون التقديم له بأي كلمة، حتى عندما أضاف معلقة النابغة لم يذكر السبب، ولا شك أن كثيرا من القراء حتى في عصره كانوا يحتاجون معرفة الشعراء وشيء من أخبارهم قبل قراءة القصيدة.

2- لم يذكر الشارح سبب إضافته لقصيدة النابغة الذبياني إلى المجموعة واكتفى بإيرادها. وكان من الأفضل أن يذكر السبب مع علو مكانة النابغة المعروفة. لأن المعلقات المتعارف عليها سبعة ليس من ضمنها قصيدة النابغة. (وقد أضاف النحاس في كتابه قصيدتي النابغة والأعشى بعد ذلك وذكر سبب إضافته لهما) 

– ورغم أنه أكثر الشروح القديمة تفصيلا وبيانا للمعاني إلا أنه مثلها أيضا شرح لغوي في الأساس. يهتم بالصرف والنحو واللغة ولا نجد اهتماما كبيرا بتأمل معاني القصيدة وربط أجزائها وتذوقها من ناحية فنية. وهذا مطلب عند القارئ الحديث الباحث عن المتعة الأدبية أيضا. أما القدماء فلا ينظرون لها إلا مادة لاستخرج شواهد اللغة وقواعدها.

– ومثل كل الكتب الأخرى أيضا، يهمل الشراح بعض الأبيات فيتركونها تماما دون أي تعليق. ويظهر هذا مباشرة في البيتين الثالث والرابع من معلقة امرئ القيس. حيث يتجاوزهما الكتب دون أي تعليق إلى البيت الخامس. ويتكرر الامر في أبيات أخرى كاالبيت الحادي والثلاثين من معلقة عنترة. مكتوب لكن دون أي تعليق.

طبعات الكتاب المنشورة. 

يتوفر الكتاب في عصرنا من تحقيق الدكتور صالح الجسار حفظه الله في طبعة فاخرة. وهو الذي قام عليه واعتنى به حتى أخرجه في هذه الصورة. 

محمد صالح

مدون وكاتب عربي، أهتم باللغة العربية وشرح الشعر والأدب العربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي