مقالات

هل نحتاج إلى تعليل مسائل النحو؟

العلة الثانية وتعقيد النحو.

 تدور في أوساط النحو نقاشات متكررة حول تعليل المسائل اللغوية والبحث في أسبابها. ومنها تعليل رفع المبتدأ، أي لماذا هو مرفوع؟

ما هي العلة الأولى والثانية؟

رفع المبتدأ هو ما يسميه النحاة (العِلة الأُولى)، أو (القاعدة) أي السبب والعامل الذي تنسب له قاعدة النحو. كقولنا: لم رفعت هذه الكلمة؟ فتكون العلة أو القاعدة: لأنها وقعت مبتدأ. أو لأنها فاعل، على نحو ما ندرسه في النحو.

أما العلة الثانية فهي محاولة تعليل سبب الرفع والبحث في أسبابه. وفيه أسئلة كثيرة نحو، لم يرفع المبتدأ؟ ولم يكون الرفع بالضمة؟ ونحو ذلك من الأسئلة.

ومما يذكرون في التعليل أو سبب إعراب المبتدأ. أنه رُفِع بالابتداء أي بسبب موضعه في أول الجملة، أو الخبر هو الذي رفعه، أو رفعهما الابتداء معا، أو أنهما رفعا بعضهما، أو بسبب التجرد للإسناد، إلى آخر هذه الأقوال الكثيرة التي يتجادل حولها النحويون طويلا منذ نحو ألف عام. ويعتبرها البعض العلم الحقيقي في النحو، علم المنتهين من الفن. بينما نحن ندرس علما صناعيا تدريسيا للمبتدئين.

وبالطبع لا يمكن الجزم بصحة أحد هذه الأقوال على غيره بطريقة قاطعة يمكن قياسها، لأن اللغة ليست كالفيزياء والرياضيات. والأسلوب الذي يدار به النقاش هو المنطق والتفلسف الكلامي. يفوز فيه الأقدر على الجدال والأطول نفسا فيه. أو ينتهي النقاش إلى عدم ترجيح أي قول. ويكفي الاطلاع على مثل النقاشات الطويلة في صفحات المطولات كشرح الأشموني.

 

والسؤال الحقيقي، ما فائدة كل هذا؟ لماذا نريد أن نعرف سبب الرفع أصلا؟ ألا يكفينا فقط أنه مرفوع؟

طريقة التفكير المنطقية القديمة. 

طريقة الجدال اليوناني جعلت النحويين يختلفون بعدد الاحتمالات العقلية لكل مسئلة. فإذا احتمل الكلام أحد الأقوال عقليا فثق أن أحد النحويين قد أخذ به في مرحلة ما وجادل حوله. ويأتي النحاة بكل الأسباب التي يتيحها الخيال ثم يختلفون حولها ولا يمكن لأحدهم القطع بسلامة رأيه لعدم وجود معيار. وينتهي النقاش في الكتب بعدم حسم الخلاف. أما في جدالات المعاصرين فينتهي بالنزاع أو اتهام بعضهم بعضا بعدم فهم الأصول، أو قلة البضاعة في العلم وعدم دقة النقل، أو عدم فهم كلام العالم الفلاني على وجهه وما لا آخر له من أسباب الجدال.

أقول أن الجدل الكلامي بالمنطق اليوناني كان طريقة تفكير سابقة. كان الأقدمون يظنون أننا إذا فهمنا الأسباب التي تكون ظاهرة فإننا نفهم بها فهما. وكانوا ويظنون أن بإمكانهم تحديدها بالعقل المجرد. لهذا يستمرون في البحث عن سبب الرفع وسبب النصب. ويبحثون في كل الاحتمالات والأسباب العقلية وينظرون فيها. وكانوا يرون أن العقل البشري قادر على فهم الأسباب وتفسير الظواهر دون وجود آلية لقياسها. والآن وبعد نحو ألف عام ما زلنا في النقطة الأولى. لم تصل هذه الجدالات إلى نتيجة قاطعة، ولن تصل.

الطريقة العلمية الحديثة.

تختلف طرق تفكير الناس وتتطور عبر العصور. وقد قطعت البشرية شوطا كبيرا في العلوم وفهمها بالتراكم والتعلم من أخطائها. فالعلم الآن مبني على الرصد الدقيق لتحديد تكرار ظاهرة ما، ثم وضع القواعد الضابطة والتي يمكنها تفسير الظاهرة وتكرارها كل مرة. وأحيانا دون حاجة لبيان السبب لأنه لا يؤدي لنتيجة في حالة دراسة اللغات. لأن اللغات علم إنساني لا يمكن قياس ظواهرها بالأرقام، وإنما هي وسيلة تواصل.

تدرس كل اللغات الآن بالرصد الدقيق لخواصها. ثم وضع القواعد التي تساعد المتعلم على استخدامها في موضعها الصحيح. ثم التدريب والممارسة المطولة. هكذا تدرس اللغات حول العالم ويتقنها الطلبة. ولا يمكن تعليل ألفاظ اللغات وظواهرها لأنها اتفاقية لم يضعها أهلها وضعا كما توضع على أساس رياضي أو هندسي.

الاكتفاء بالعلة الأولى أو القاعدة.

علينا أن نكتفي بمعرفة العلة الأولى أو القاعدة في النحو وهي هنا: أن المبتدأ مرفوع بعلامات محددة. والسبب الوحيد الذي يكفي هو أن هذا ما سمع عن العرب وما نحتاجه لإتقان اللغة. ويهمنا تذكر القواعد كي نطبقها في مواضعها. أما لماذا هو مرفوع وما الذي رفعه؟ نحن لا نحتاج أصلا أن نعرف ولن يفيدنا في أي شيء، فالمبتدأ مرفوع لأنه سماع عن الفصحاء. ولو كانوا نصبوه لنصبناه وانتهينا.

مبررات المدافعين عن تعليل النحو والعلل الثانية.
 

يقول المدافعون عن التعليل النحوي أنه زيادة في الفهم. وأن هذا الباب ليس خاصا بالمبتدئين الذين قد تكفيهم القاعدة. وأن العلة الثانية قد لا يمكن إثابتها فعلا لكن هذه الدراسة تفيد في معرفة طريقة تفكير العلماء. فهي تنمية للعقل على التفكير.والحقيقة أنني أرى هذا نوعا من الكلام العاطفي المرتبط بالحنين إلى الماضي. وأن الاختلاف عن طرق العلم القديمة لا يعني عدم احترام العلماء لأن العلم يتطور إلى الأمام. وأن المتمسكين بهذه الأقوال هم من المنتمين إلى مذاهب فكرية محددة بعينها.

تضخمت مطولات النحو بسبب هذه الجدالات. 

لم تؤد المحاولات الكثيرة عبر الزمن لتعليل العلل الثانية إلا لتعقيد النحو وزيادة حجمه وتضخم كتبه بلا نتيجة. وهذه حقيقة لابد أن نفكر فيها. فكتب مثل شرح الأشموني والتذييل والتكميل لابن حيان تمتلئ بكثير من هذه الجدالات شديدة الإرهاق على الطالب. حيث تفرد لكل مسألة صفحات متطاولة من عرض الآراء المتباينة التي لا تؤدي لأي نتيجة ولا تضيف شيئا للغة الطالب.

نحتاج إلى إعادة التفكير في دراسة النحو. 

ربما نحتاح أن نغير نظرتنا. كتير من الحشو في الكتب القديمة يمكن حذفه من النحو لإعداد منهج أسهل دون تأثير على المادة الأصلية. وبالعكس سيكون ألطف كثيرا وينصب فيه التركيز على الأمور العملية المهمة. فهذه الطريقة القديمة في التدريس منفرة بلا شك.

سيعتبر البعض هذا الكلام جهلا وطعنا في العلماء أو هجوما على التراث. ولن أعدم من يقول أن الجاهل يتجرأ بسبب جهله، أو بمثلها من المقولات المنقولة. وسيحاول البعض أن يأتي بالمقدمات الطويلة وأن يشرح لي الأصول وأصول الأصول، لكنني أدعوهم فقط لإعادة التفكير.

الخلاصة في تعليل النحو.

التفكير النحوي القديم هو مجرد طريقة تفكير كان يُظن أنها تفسر اللغة. لكن بعد مرور نحو ألف عام علمنا أن هناك طرقا أفضل في استقاء المعلومات المهمة من النص وحذف ما لا فائدة فيه. كما أن اللغة نفسها لا تتغير، ولكن نظرتنا للقواعد خاضعة لأسلوب التفكير في كل عصر.

اللغة العربية لا تحتاج إلى التعليل والعلة الثانية في النحو، لم يرفع المبتدأ؟ لا نحتاج أن نعرف ويكفي أنه مرفوع.
ومثل ذلك كثير، لم تُبنى بعض الأسماء؟ لم الرفع بالضمة لا بالكسرة أو الفتحة؟ لم ينصب المفعول؟ لم تفتح نون النسوة؟ كل هذا حمل زائد لا نحتاجه في الحقيقة وقد أثبت الزمن ذلك. 

محمد صالح

مدون وكاتب عربي، أهتم باللغة العربية وشرح الشعر والأدب العربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي