النحو

أسباب الانطباع السائد بصعوبة النحو

صعوبة علم النحو وفهم الأسباب

يشيع اليوم بين الناس اليوم أن علم النحو صعب الدراسة. ونسمع كثيرين يقولون أنهم بدؤوا الدراسة ثم توقفوا لأسباب مختلفة. وأصبح هذا الحديث متكررا كأن صعوبة النحو حقيقة طبيعية. اليوم نحلل هذه الظاهرة لإيجاد حل لها ونطرح هذا السؤال، هل علم النحو صعب فعلا؟ وإن كان كذلك فما هي أسباب هذه الصعوبة؟ 

الصعوبة نسبية في أي علم.

بداية لا يمكن التسليم بصعوبة النحو بإطلاق، أي أن يكون متهما دائما بالصعوبة دونا عن كل العلوم. فمثل أي علم آخر يحتاج الطالب التزاما وبذل مجهود صادق أولا. وقد تستمر الدراسة فترة كحال العلوم المتقدمة. فلا نريد الانجرار وراء الاتهامات وأن نثبت حكما متسرعا على علم النحو قبل أن نعطيه حقه في الدراسة. لهذا من الأفضل أن ندعو المسألة: مناقشة الانطباع السائد بصعوبة النحو. 

وهذه الأسباب إجمالا هي: 

1- عدم ممارسة الفصحى في حياتنا اليومية.
2- تأثير اللغات الأجنبية وعدم الاهتمام. 
3 – ارتباط دراسة النحو بالتعليل المنطقي.
4- ممارسات خاطئة في أساليب التدريس. 

1- عدم ممارسة الفصحى في حياتنا اليومية. 

السبب الحقيقي للسؤال الأبدي عن صعوبة علم النحو في رأيي الشخصي ليس صعوبة المناهج ولا المدرسين، بل هو أننا لا نتكلم اللغة العربية الفصحى في حياتنا اليومية ولا نمارسها. ولو كنا نتكلمها بشكل يومي لأصبح النحو أسهل بكثير.

يشغلني هذا الأمر كثيرا وحاولت فهم أسبابه قد المستطاع. وما أراه باختصار أن هناك سببا طبيعيا يتعلق بطبيعة اللغات نفسها وخصوصية وضع اللغة العربية بسبب ارتباطها بالقرآن الكريم.

فالنحو مثل بقية علوم العربية مختص بدراسة العربية الفصحى على طريقة كلام العرب القدماء، المرتبطة بمركزية القرآن الكريم. فهو لا يدرس اللهجات المحلية التي نتكلمها في حياتنا اليومية، ويجب أن نفهم سبب انتشار اللهجات العربية أولا لندرك ما يحدث.

سبب وجود لهجات في اللغة العربية. 

عدم كلامنا للفصحى في حياتنا اليومية ليس عيبا كما يقول البعض. بل هو ظاهرة طبيعية لأن وجود اللهجات المختلفة ظاهرة طبيعية في كل اللغات. وحتى العرب أيام البعثة النبوية كانت لهم لهجات مختلفة.

تتغير اللغات بشكل طبيعي مع الوقت بفعل تراكم الاختلافات الصغيرة والانعزال الجغرافي بين الجماعات وتطاول الزمن. وبهذا تظهر لهجات تزداد اختلافا حتى تصبح لغات جديدة في فترة 400 عام تقريبا على نحو ما يدرس الآن في علم اللسانيات.

وهذا القانون يسري على اللغة العربية كما يسري على غيرها، فظهرت اللهجات التي نعرفها. هذه لكن اللهجات لم تنفصل إلى لغات جديدة بفعل وجود القرآن الكريم كمركزية لغوية لا تتغير. لأننا دائما نعود للقرآن الكريم كما هو دون تغيير. ولولا هذا لاختفت اللغة العربية كما اختفت اللغات التي كانت معاصرة لها، فاللغة العربية أصلا طويلة العمر بشكل غير طبيعي.

يحفظ القرآن الكريم بنصه ولغته ولا يترجم ويجب على المسلمين قراءته كما هو، وهذا ما حفظ اللغة من التبدل. ولولا هذا لجرى على اللغة العربية ما يجري على غيرها وكانت ستنفصل إلى لغات.

ومحصلة هذا أننا نتكلم لهجات متنوعة في حياتنا اليومية ولا بأس في هذا، لكننا نحتاج العودة للغة الرسمية الفصحى من أجل القرآن والعبادات والمعاملات الرسمية. وهذا وضع فريد فاللهجات موجودة بوضوح لأنها كانت التطور الطبيعي للغات، والفصحى تفرض نفسها في العبادات والمعاملات الرسمية، وهذا وضع مزدوج خاص للغة العربية لا يوجد في لغة أخرى، علينا فهمه وقبوله، لكنه يجعلنا بعيدين عن ممارسة اللغة بشكل يومي.

الممارسة بشكل يومي هي ما يجعل بعضنا قادرا على تعلم اللغة بسهولة تامة. لأنه يجد القواعد تصف ما يتقنه بالفعل وما اعتادت عليه أذنه. وهو ما يلاحظ في طلبة المدارس الشرعية والأزهرية وبعض الجنسيات العربية كأهل الشام. فهم أقدر على تعلم اللغة وأسرع في إتقان قواعدها لأنهم اعتادوا على سماع الفصحى وممارستها بقدر معقول في حياتهم اليومية.

2- تأثير اللغات الأجنبية على إتقان اللغة العربية.  

ومن أسباب قلة كلامنا بالفصحى وصعوبة النحو أيضا طغيان اللغات الأجنبية على مجتمعاتنا العربية. واهتمام كثير من العرب بدراسة اللغات الأجنبية على حساب اللغة العربية.

ففي مجتمعاتنا تكتب اللوحات الإعلانية بحروف أجنبية. وتسمى المحال التجارية والشركات أيضا باللغات الأجنبية وتنتشر اللغات الأجنبية في شتى مناحي الحياة العملية والترفيهية على شاشات التلفاز ومواقع التواصل. ولا شك أن التعرض لكل هذا القدر من اللغات الأجنبية يبعدنا عن أصل اللغة العربية ويضعف قدرتنا على دراستها.

ويظهر هذا جليا على أطفال المدارس الأجنبية الذين يكادون أجانب عن لغتهم الأم. وهذا يوضح أهمية الممارسة اليومية في إتقان اللغة، وأن الأمر لا يتعلق بصعوبة خاصة في اللغة العربية.

ونتيجة لهذا لا يكون للنحو الأولوية في الدراسة وبذل المجهود. فلا يتعب فيه الطالب مثلما يفعل في حصص اللغة الإنجليزية والرياضيات، ولا يهتم الآباء لأداء الأولاد فيه. 

3- ارتباط دراسة النحو بالتعليل المنطقي القديم.

 

السبب المهم التالي لصعوبة النحو هو ارتباط تدريسه بتقاليد قديمة من أيام وضعه مبنية على المنطق العقلي اليوناني. الذي يميل للبحث في أسئلة غير عملية. مثل البحث عن الغاية وراء الظواهر الملموسة، فلا يكتفون بمعرفة أن الفاعل مرفوع والمبتدأ مرفوع كما هو ملاحظ من صفة كلام العرب المرصودة. بل يطرحون أسئلة عن سبب رفع هذه الأسماء وعدم نصبها، ومن منهما أكثر تحقيقا لصفة الرفع. ونحو هذه من الأسئلة التي لا تقف على أساس لغوي ملموس وليس لها غاية تطبيقية. ويبررونها على عادة أهل المنطق بالبحث العقلي عن حقيقة الأشياء.

هذه التقاليد ليست مقدسة وليست من صلب اللغة نفسها. بل كانت ابنة عصرها وهي وسائل قابلة لإعادة الفحص، لكن تطاول الزمن جعلها تبدو في عين الناس مقدسة ومن صلب اللغة. ويصر الآخذون بهذه الطريقة على نسب كل الفضائل العلمية لها. وربما يكون اختلاف المدارس الفكرية وتراكم الحساسيات بينها ما جعل البعض يتشيث بها أكثر. ومع وعي كثيرين قديما وحديثا للتعقيد والصعوبة التي تضيفها لدراسة اللغة. وسوف أتكلم عن هذه الجزئية بتفصيل أكثر في منهجية وضع الكتاب، لكنني سأطرح مثالا آخر لتتضح الفكرة.

– البحث عن سبب لبناء بعض الأسماء. 

من المعلوم أن الأسماء في اللغة العربية معربة. أي تتغير أواخرها حسب العوامل المؤثرة عليها وموقعها في الجملة. أما الحروف فهي مبنية أي لا تتغير أواخرها ولا تتأثر بشئ، هكذا تكلم العرب وهكذا رصدت لغتهم.

بعض الكلمات التي وضعها النحويون في قسم الأسماء لا تعرب فهي أسماء مبنية. وهي محموعة محددة معروفة، ودور النحوي هو أن يرصد مواقع الإعراب ومواقع البناء وأن يصفها بدقة لعين الطالب على تحديدها.

لكن النحويين يوغلون في محاولة تفسير لم بنيت هذه الأسماء ولم تعرب حسب القاعدة التي وضعوها. فيقولون إنها تشبه الحروف في بعض الصفات، ولكي تطرد القاعدة يتكلفون في إيجاد الأسباب التي تربطها بالحروف رغم أننا لا نحتاج أن نعرف الأسباب أصلا، فيكفينا تحديد مواقع البناء.

وإذا أكملنا معهم في تعديد الأسباب نجد أنها متكلفة جدا ومتناقضة ولا تسير على قاعدة مطردة. فمرة يقولون لأن بعضها يتكون من حروف قليلة فتبنى، رغم أننا نجد أسماء مكونة من حروف قليلة وتعرب كالأسماء الخمسة. وأحيانا يقولون لأنها تشبه بعض الحروف في معانيها. 

وإذا سلمنا بهذا التكلف والتناقض تبقى كلمات لا تقبل أي تفسير. كسبب بناء الأسماء الموصولة، وهنا كان على النحوي أن يراجع نظريته ويعترف بأنها لم تفسر الظواهر اللغوية التي وضعت من أجلها. لكننا وياللعجب نجدهم ينحازون لنظريتهم ويخطؤون اللغة العربية نفسها. فيقولون أنه يشبه حرفا كان ينبغي أن يقوله العرب في لغتهم لكنهم لم يقولوه، وهذا مثال صارخ على انحياز الإنسان لفرضيته وعدم تخطئته لنفسه.

هل هناك سبب للتعليل المنطقي من الأساس؟ 

كان من الأولى ألا نبحث أصلا عن سبب لبناء هذه الأسماء، بل يكفينا مجرد رصدها وتحديدها. فهي معلومات تثقل كاهل الطالب بحفظها ولا تضيف أي شيء للتطبيق اللغوي. وحتى إن كانت غير متناقضة ولا ناقصة فهي لا تضيف شيئا. وهذا مثال للتعقيد الذي يصعب دراسة النحو، وسوف أرصد أمثلة أخرى في الفصول التالية.

ومن الملاحظ أنه لا توجد لغة حية فيما أعلم يدرسها أهلها بهذه الطريقة المنفرة. فقد درست الإنجليزية وتعرفت على الإسبانية وغيرها ولا أجد أحدا يبحث في تفسير ظواهر اللغة بهذه الطريقة العتيقة. فاللغات الآن تدرس برصد ظواهرها كما هي ويستطيع الدارس إتقانها والتكلم كأهلها والعيش معهم والتعمق في أدبها إن أراد دون تفسير الكلمات منطقيا، فهي تسمع كما هي ولا تفسر.

ويزداد التعليل اللغوي تعقيدا كلما توسعت الحواشي والشروح المتعلقة بها. وتزداد الصفحات وتكثر النقاشات في جدال فلسفي ليس من أصل اللغة نفسها. فقد كان الجدل المنطقي ميدانا للتنافس وشكل هوية النحو العربي فترة طويلة، لكن حان الوقت لتنقية النحو من هذه الزيادات لأنها لم تفعل شيئا إلا التعقيد الكبير بلا فائدة.  

4- ممارسات خاطئة في أسلوب تدريس النحو نفسه 

الممارسات الخاطئة إحدى أسباب صعوبة النحو، لكنه سبب جانبي. بمعنى أن كثيرا من الناس يلقون المسؤولية على المدرسين ويظلمونهم بوعي أو غير وعي. لكن هناك بعض الممارسات التي ربما تعزز الصورة السلبية.

– منها الحرص على الأمثلة الشاذة والغريبة إظهارا لتميز المدرس على أقرانه.
– تدريس النحو باللهجات المحلية.
– تدريس النحو بالتعقيدات المنطقية والتعليل.

– التنقل بين عدة كتب في نفس الوقت.
– قلة التمرينات العملية.

ويجب على المدرسين تعلم كيف يوصلون المعلومة للطلاب بالأساليب التربوية الحديثة، فإن التعليم ذاته علم كامل له ممارسات وأسس نفسية حديثة ومعارف اكتسبها الإنسان بالتجارب الكثيرة.

محمد صالح

مدون وكاتب عربي، أهتم باللغة العربية وشرح الشعر والأدب العربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي