
لا شك أن نصوص الشعر الجاهلي غامضة علينا إلى حد ما. وربما يحتاج فهمها مجهودا إضافيا من أجل الوصول إلى معانيه الدقيقة ثم الاستمتاع به.
ولا يختلف الشعر في ذلك عن أي نص تاريخي آخر. ولذلك أسباب نحاول تحليلها كي نفهمها ثم نتجاوزها. ففهم أي مشكلة هو الخطوة الأولى لحلها.
تصطبغ القصائد القديمة بقشرة من لغة ذلك العصر وطبيعته، فإذا كشفنا هذه القشرة كشفنا معها عن أوجه من الجمال لا تخطر على البال. وسنرى أن هذا الغموض الأول يتلاشى بسرعة لأنها صعوبات مؤقتة لها أسباب عارضة. وتزول بمعالجتها ومداومة القراءة والاستزادة من ثقافة العرب وتاريخهم.
بعد ذلك نستمع بهذا الفن الرفيع المليء بالمشاعر الإنسانية والتجربة الكاملة شديدة المتعة. والذي يعبر عن نفس جوانب الحياة ومشاكلها وعن الأسئلة التي يطرحها الإنسان على نفسه في كل عصر ومكان.
أسباب صعوبة فهم الشعر الجاهلي:
هذه الأسباب هي:
1- اختلافات اللغة بيننا وبين الأقدمين.
2- تغير البيئة ودلالات عناصرها.
3- ملامح ثقافية محددة.
4- طريقة تركيب القصيدة.
5- طبيعة التشبيهات الجاهلية.
نركز اليوم على الخطوة الأولى على أن نكمل في المقالات التالية.
– اللغة والألفاظ في الشعر الجاهلي.
الحاجز الأول الذي يفصل بيننا وبين فهم الشعر الجاهلي هو غموض كثير من ألفاظه. فقد تقابلنا عدة كلمات في البيت الواحد لا نعرف معناها.
ومن الجدير بالقول أن هذه الألفاظ كانت مفهومة تماما للمستمعين في ذلك العصر. فقد كانت هذه كلمات لغتهم اليومية، ولولا ذلك ما فهموها من الشاعر ولا انتشرت بينهم. ولهذا الاختلاف أسباب كثيرة أذكر بعضها باختصار.
طبيعة تغير اللغات مع الوقت.
من ظواهر االغات أنها تتغير بشكل طفيف مع الوقت، نتيجة تراكمات صغيرة في نطق الكلمات أو دلالات تكتسبها، ثم تتراكم التغيرات البسيطة حتى تصبح اختلافات كبيرة. وقد أثبتت الدراسات الكثيرة التي أجريت على كل لغات البشر تغيرها الدائم، فاللغة أشبه بكائن حي ينمو ويتغير طوال الوقت.
فإذا وجد شعب واحد يتحدث لغة واحدة فإن طريقة الكلام بين مجموعاته ستختلف قليلا مع الوقت رغم أنهم ينتمون لنفس الشعب أو القبيلة. وقد تنعزل مجموعة في بقعة فتكتسب عادات كلامية لا تعرفها بقية القبيلة. أو تجاور أناسا جددا ينقلون عنهم كلمات. وقد تحدث هجرات أو انتقال لأعداد كبيرة نتيجة الحروب، كل سبب من هذه الأسباب ينتج عنها كلمات لا يعرفها بقية هذا الشعب، ومع الوقت تنقسم اللغة الواحدة إلى لهجات ذات كلمات مختلفة.
ولهذا السبب انقسمت لغات البشر القديمة بشدة وتغيرت إلى لغات أخرى تماما، كما تغيرت اللغة اللتينية وانقسمت إلى اللغات الرومانسية الحديثة، وهي الإسبانية والفرنسية والبرتغالية والإيطالية وغيرها، فكلها لغات متقاربة لأنها كان لغة واحدة ذات مرة. ويحدث هذا في كل اللغات الأخرى.
يقدر العلماء أن هذه التغيرات الصغيرة تتراكم حتى تتحول إلى لغة جديدة تمام خلال 300 أو 400 عام، ولهذا لا يفهم متحدث الإنجليزية أو الفرنسية وكل اللغات الاخرى تقريبا كلام أجداده قبل 400 عام فقط، وهذا موضوع يمكن أن تبحث فيه، لكنني جلبته لصلته بما أريد قوله.
تغير اللغات ملاحظ في الحياة اليومية.
ونرى هذه الظاهرة واضحة في حياتنا في بعض الكلمات التي تسمعها من كبار السن. فربما لا تفهم بعض كلمات أجدادك، وتسمع كلمات جديدة في كلام أولادك ولا تعرفها أنت أو لم تكن تستعملها بهذا المعنى. كما تختلف اللهجات بوضوح بين أقاليم البلد الواحد وداخل القرى في كل إقليم وهذا مشاهد بوضوح.
كل هذا يحدث في نطاق خمسين سنة فقط، وفي رقعة جغرافية صغيرة. فما بالك ببلاد العرب الشاسعة و1500 عام تقريبا تفصلنا عن هذه القصائد؟ لا شك أن اختلاف الألفاظ أمر مفهوم ومتوقع. وعموما فاختلاف اللغات من المواضيع التي يدرسها اللغويون باستفاضة، وذكرتها هنا لعلاقتها باختلاف ألفاظ الشعر الجاهلي.
لَم يتغير أساس اللغة العربية رغم هذه الاختلافات.
هناك نقطة مهمة تتفرع من هذا النقاش لكنها ضرورية. وهي أنه رغم هذه الاختلافات الطبيعية في اللغة العربية، فهي تندرج داخل إطار قواعد اللغة العربية التي لم تتغير في أبنيتها وقواعدها وترتيب الكلمات فيها. فلم تتحول اللغة العربية إلى لغة أخرى ولا تبدلت قواعدها.
ويسهل علينا تمييز مكونات الجملة من الفعل والفاعل ووظيفة كل كلمة في النصوص القديمة. ثم يكفي البحث في القاموس عن اللفظ لفهم المعنى، لأن أساس اللغة ثابت لم يتغير.
وهذا ما لا يحدث في لغات أخرى اختلف فيها بناء الجملة من الأساس. فاختفت أحرف وأصوات قديمة وظهر غيرها، وتغيرت قواعد اللغة نفسها وترتيب الكلمات فيها.
الاختلاف في اللغات الأخرى التي لها نفس عمر العربية بل نصفه يشمل كل شيء. بحيث أن قراءة نص قصيدة (بيوولف) الإنجليزية عمره 750عام (وهو نصف عمر المعلقات) يستلزم فك شفرات ومقابلة نصية وترجمة كاملة لا يقدر عليها إلا متخصصون وهبوا أنفسهم لهذا الأمر.
اختلاف دلالات نفس الكلمات بيننا وبينهم
من أنواع الاختلافات التي حدثت، دلالة بعض الكلمات التي كان القدماء يقصدون بها معانٍ معينة ثم اختلفت الآن، وعندما ترد في شعر فقد يلتبس علينا المعنى بسبب ذلك.
ومع الوقت كانت المرأة السيئة تقحب أو تسعل لكي تعطي إشارة لعشيقها أو نحو ذلك، فأصبحت دلالة الكلمة سلبية وأصبحت تطلق على النساء ذوات الخلق السيء.
وكثير من الكلمات تغيرت دلالتها مع الزمن لنفس هذا السبب. تبدأ كلمة طبيعية ثم تستعمل للدلالة عن شيء غير أخلاقي حتى يلتصق بها ويعدها الناس كلمة خارجة، ولم تكن خارجة في كلام الأقدمين.
كلمات العبادات والشرائع.
أيضا الكلمات التي كان يتكلم بها العرب ثم ارتبطت بعد ذلك بشعائر أو مصطلحات دينية محددة: مثل: كَفَر – سُنة – الدين.
فقد وردت كفر بمعنى التغطية، مثل قول لبيد: في ليلة كَفَر النجومَ غمامها
وكلمة سنة بمعنى عادة وردت مثلا في شعر لبيد أيضا: ولكل قوم سنة وإمامُها
وكلمة دين، بمعنى العادة الدائمة الملازمة: مثل قول امرئ القيس: كدينك من أم الحويرث قبلها … وجارتها أم الرباب بمأسلِ
أي كما اعتدت منهما.
وقول عمرو بن كلثوم: خلطن بميسم حسبا ودينا، أي جمعت هذه النساء أرفع الأنساب وأشرف العادات.
وعندما قام الإسلام تغيرت دلالات هذه الكلمات فأصبحت تعني مصطلحا محددا، ولم تكن تعني هذا المصطلح بالتحديد سابقا.
ومن ذلك أيضا: غياب دلالات كثير من الكلمات بسبب التكرار، مثل عبقر وعبقري، التي كانت تعني المكان الذي يظنه العرب موطن شياطين الشعر، ثم أصبحنا نعني به الذكي المختلف الذي يبدع من ذهنه ولا يقلد.
حل معضلة تغير الألفاظ في اللغة العربية.
عدم الفهم الجزئي لألفاظ القصائد العربية القديمة أمر متوقع وطبيعي وله حل بالبحث في المعاجم. ومعاجمنا العربية شديدة الغنى والتفصيل وقد ذكرت فيها كل هذه الالفاظ واشتقاقاتها.
وهنا أنا لا أشير إلى البحث السريع، بل أدعوك للنظر في اشتقاق الكلمة وقراءة معاني مشتقاتها أيضا.
فالمعاجم العربية مرتبة حسب الجذور أو المواد، فإذا أردت معرفة كلمة تبحث عن جذرها اللغوية أولا، مثلا كلمة: (القرين)، تبحث عن جذرها قَرَن، فيظهر معناها ومعنى كل الكلمات المشتقة من نفس الجذر.
إذا اكتشاف معاني الكلمات هو الخطوة الأولى ولها حل واضح مباشر، وهو البحث الدقيق المتأمل في المعاجم العربية، وهذا ما أحاول فعله في كتابة الحلقات التي أعرضها على القناة والموقع. وستكتشف أن هذا البحث رحلة بالغة المتعة وستحقق فيها فوائد ومتعة هائلة بينما تصل إلى الكلمة التي تستهدفها.
البحث في المعجم يكشف عن معانٍ أجمل.
هناك كلمات تظن أنك تعرف معناها، لكن تكتشف بالبحث أن وراءها صورا وأخيلة أجمل: مثل (جنة). التي نعرفها بأنها الحديقة الجميلة بلا تحديد، لكن عند البحث في مادة (جنن) سنجد كلمات كثيرة مشتقة وكلها تتشارك في معنى الاختفاء:
ف(الجنة) هي الحديقة المخفية وراء سوء فلا نرى ما بداخلها، ومنها الجنة الي وعدها الله للمؤمنين لأنها مخفية عنا في الحياة الدنيا، ونستعمل في لهجتنا التصغير (جنينة) إشارة للحدائق.
ومنها كلمة (مجنون) التي تشير إلى الرجل الذي اختفى عقله وحجب.
و(الجن) هم الكائنات التي لا نراها.
و(الجنين) هو الطفل المختفي داخل بطن أمه فلا نراه حتى يخرج.
و(يجن) الليل أي يخفي ما فيه، وكلُّ شيء سُتر عنك فقد جُنَّ عنك.
فكما ترى كثير من هذه الكلمات معروفة لنا. لكن الارتباطات والدلالة الأعمق لا تظهر لنا إلا بعد البحث في القاموس والتأمل فيها. فنعرف منها وجها جديدا لجمال الاشتقاق العربي.
الألفاظ الجاهلية تتكرر.
ومما يسهل الأمر علينا أن الألفاظ القديمة تعاد وتتكرر كثيرا بين القصائد،. كلمات مثل الصادر والوارد والمنية والكشح والبكر والعاذل، وتعبيرات محددة في طرائق الكلام. لا يلبث القارئ أن يعتاد عليها بعد فترة من معايشة الشعر القديم فيسهل فهمه.
قراءة الشعر القديم في رأيي أشبه بالسفر إلى بلد عربي آخر. في البداية يشعر المرء بالارتباك من أساليب التعبير والكلمات المختلفة لكنه يعتاد لهجة المنطقة الأخرى سريعا. لأن الفارق بينهما أقل مما يبدو للوهلة الأولى.

