
تذكر اللغة الإسبانية دائما بقربها وتأثرها باللغة العربية في كثير من ألفاظها. حيث تأخذ منها أربعة آلاف كلمة تقريبا ذات أصل عربي يمكن تتبعها.
والواقع أن الشعب الإسباني أحد أقرب الشعوب للعرب وأكثرهم مودة. لكن التاريخ يحمل صورة أخرى، حيث سادت العدواة فترة من التاريخ. ونتج عن ذلك تغير في اللغة وابتعادها عن أصلها العربي يجعل التصور الحالي عن العلاقة بين اللغتين عاطفيا ومغلوطا. كما أنه مختزل جدا بشكل لا يصف حقيقة ما حدث.
أنتونيو دي نيبريخا ووضع اللغة الإسبانية الحديثة.
سنة 1492م. وهو نفس عام سقوط غرناطة، قدم أنتونيو دي نبريخا (Antonio de de Nebreja) كتابه: قواعد اللغة القشتالية (Gramatica De la lingua Castellana) إلى الملوك الجدد، فيرديناند وإيزابيلا. ليكون أول كتاب يضع قواعد مكتوبة للغة أوروبية حديثة.
وكان لللكتاب هدف آخر بسيطة وفعال، وهو توحيد قواعد الكلام وفرضها بالقوة في المملكة الجديدة حسب لهجة قشتالة لأنها موطن الملك. وأخبر الملك أن اللغة كانت دائما رفيقة للإمبراطورية، وسيلة لتثبيت دعائمها. بمعنى أن الملك سيقدر على حكم الناس وتشكيل حياتهم بناء على اللغة. ولهذا أراد توحيد اللغة لفرض السيطرة.
استبعد نبريخا بشكل منهجي الكلمات العربية من اللغة اليومية الدارجة في الأندلس، واستبدلها بكلمات ذات أصل روماني وفقا للهجة مقاطعة قشتالة. لفصل لغة الناس عن المشرق والعرب وتقريبها من أوروبا خاصة روما الكاثوليكية. في عملية تعرف باسم Cultisoms أي كلمة مزروعة من أصل روماني أو يوناني قديم دون أن تمر بالتطور الصوتي والتاريخي الطويل للكلمات الطبيعية، أي أنها مفروضة فرضا.
أمثلة على ال (Cultimos) في اللغة الإسبانية.
هذا المصطلح يعني الكلمات الدخيلة من اللغات الكلاسيكية مباشرة. وكان الناس في الاندلس يتكلمون بكلمات ذات أصل عربي، فسعى نيبريخا إلى استبدالها بكلمات لاتينية الأصل، وهذه بعض الأمثلة:
1- الربض إشارة للحي، كان الناس يستعملون كلمة الرّبض Arrabal، إشارة للحي أو الضاحية، فسعى نيبريخا لفرض كلمة Suburbio (من اللاتينية Suburbium)
2- الكلمة ذات الأصل العربي Albañil، بمعنى البناء، سعى لاستبدالها بكلمة Arquitecto (من الأصول اللاتينية اليونانية)
لماذا فعل نيبريخا ما فعل وحاول تغيير اللغة؟
فعل ذلك لأن العربية كما رآها هي لغة العدو. ويجب تطهير الأرض منها وقطع سبل التواصل بين إسبانيا الجديدة التي يريدونها وبين العرب، كي لا تقوم أي حركة للاسترداد وعودة العرب. فسعى بشكل ممنهج لتغيير الكلمات العربية ونجح في ذلك إلى حد كبير. فاختفت مئات من الكلمات العربية من شؤون التجارة والقضاء والحياة اليومية في الأندلس التي تحولت إلى أسبانيا.
ولنفس الأسباب السياسية. لا يرضى بعض الإسبان حتى الآن مثل أهل كاتالونيا وجاليقيا تسمية اللغة الحالية باللغة الإسبانية لأنها فرضت فرضا، ويعتبرونها مجرد لهجة يسمونها اللغة القشتالية.
الأكاديمية الملكية الإسبانية.
واستمر هذا النهج بعد زمن نيبريخا وتبنته الأكاديمية الملكية الإسبانية تحت شعار: نظف وثبت وامنحها الرونق (Limpia, Fija y da esplendor) واعتمدها الملك فيليبي الخامس شعارا رسميا.
وإجمالا لولا هذا العمل المنظم لكانت اللغة الإسبانية أقرب كثيرا للعربية مما هي عليه الآن. مثل اللغة المالطية مثلا وقريبة من لهجة المغرب الدارجة، فالكلمات الحالية هي التي نجت من المذبحة اللغوية التي أقامها نيبريخا ومن بعده. ولهذا لا أحب التفاخر بقرب اللغة الإسبانية من العربية لأنه يخفي وقائع مرة.

