
سيبويه واحد من أكثر العلماء تأثيرا في تاريخ اللغة العربية. هو الرجل الذي جمع علم سابقيه وقدم أول عمل مكتوب في اللغة العربية بعد أن كان العلماء يتناقلون العلم شفويا. فجمع علمهم ورتبه بين دفتي كتاب واحد أصبح في ما بعد المرجع والأساس لعلوم اللغة العربية بنحوها وصرفها. فعل كل ذلك في وقت قصير، فلم يكن من المعمرين. فقد درس وكتب ثم مات وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة. فرحمه الله وغفر له.
التعريف بسيبويه – اسمه وتاريخ ميلاده
اسمه عمرو ابن عثمان بن قنبر. ولد ونشأ في بلاد فارس، ثم وفد مع أسرته إلى البصرة. أما (سيبويه) فلقب فارسي يعني: رائحه التفاح. قالوا لقب به بسبب العطر الذي كان ينبعث منه أو بسبب جمال وجهه واحمراره.
والأسماء التي تمر علينا وتنتهي بمقطع (ويه) هي أسماء لعلماء من بلاد فارس، نذكر منهم: نفطويه، وخمارويه، وابن درستويه، وغيرهم.
قال عنه ابن عائشة: كان شابا جميلا نظيفا. قد تعلق من كل علم بسبب وضرب في كل أدب بسهم مع حداثه سنه وبراعته في النحو.
ولد في عام غير محدد وعاش حتى بلغ الرابعة عشر من عمره في قرية تسمى البيضاء في شيراز في إقليم فارس، وفيها طلب العلم أولا. ثم رحلت أسرته وهو صبي صغير الى البصرة كما كان يرحل إليها الكثير لأنها كانت واحد من حواضر المسلمين الكبيرة. مدينة عامرة موفورة الخيرات وفيها كان العلماء الكبار وحلقات العلم .
بداية طلبه للعلم مع حماد بن سَلمة.
من المفارقات أن الرجل الذي أصبح فيما بعد أشهر رجال العربية واقترن اسمه بها. لم يكن يطلب دراسه اللغة العربية في الأساس ولكنه كان طالبا في علم الحديث، طلب سيبويه الحديث على يد حماد بن سلمة بن دينار وهو راوية حديث معروف ونحوي.
وتروى قصص مشهورة عن الأخطاء اللغوية التي وقع فيها سيبويه وهو يقرأ على شيخه حماد. لأنه ليس عربيا أصلا. فأشار حماد بن سلمة إلى أخطائه في اللغة والتي تعيقه عن فهم أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم.
جاء في كتاب مجالس العلم للزجاجي: أن سيبويه جاء مع قوم يكتبون شيئا من الحديث. فكان فيما أمليت ذكر الصفا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: ((صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفا)) وهو الذي كان يستملي فقال: ((صعد النبي صلى الله عليه وسلم الصفاء)) . فقلت: يا فارسي لا تقل الصفاء؛ لأن الصفا مقصور. والكلمة فيها نوع من الإشارة إلى أعجميته، فلما فرغ من مجلسه كسر القلم وقال: لا أكتب شيئا حتى أحكم العربية!
وفيه أيضا: أن سيبويه كان مستمليا لحماد بن سلمة، وكان حماد فصيحا. فاستملاه يوما قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليس من أصحابي أحدٌ إلا ولو شئت لأخذت عليه ليس أبا الدرداء)) . فقال سيبويه: ليس أبو الدرداء. فصاح به حماد: لحنت يا سيبويه، ليس هذا حيث ذهبت، إنما هو استثناء. فقال سيبويه: لا جرم والله، لأطلبن علما لا تلحنني معه. فمضى ولزم مجلس الأخفش مع يعقوب الحضرمي والخليل وسائر النحويين.
وهكذا عزم عزما أكيدا على تعلم اللغة العربية. وقال لا أكتب شيئا حتى أحكم العربية وعلى قول آخر إنه قال ردا على حماد بن سلمة: لأطلبن علما لا تلحنني معه.
ملازمة سيبويه للنحويين.
ومضى إلى حلقات اللغويين فجلس الى الأخفش الأكبر. ويونس بن حبيب وعيسى بن عمر وغيرهم. لكن الذي لازمه حقا والعالم الذي التصق به هو الخليل ابن أحمد الفراهيدي الذي أحب سيبويه ولم يكن يمل من صحبته وكان يعتبره تلميذه المفضل. ويرحب به وبأسئلته الكثيرة وفضوله الذي لا ينتهي. وبلغ من محبة الخليل لسيبويه أنه كان يقول له مرحبا بزائر لا يُمَل. ولم يكن يقول هذه الكلمة لغيره.
ولم يكن سيبويه يجلس في الحلقات متفرجا بل كان طالبا مجدا. لا يتوقف عن تدوين الملاحظات وطرح الأسئلة وتدوين حجج كل فريق. فكان يدون ما يسمعه ويحلل ويناقش. ثم بدأ بجمع كل هذا في كتاب واحد.
لا يعلم بالضبط متى بدأ سيبويه في تدوين كتابه ولكنه أشار أكثر من مره للخليل بلفظه رحمه الله وهكذا فقد كتب كتابه بعد وفاه معلمه الأول على أرجح الأقوال.
ثناء العلماء عليه
لا يحتاج الحديث عن سيبويه إلى التوسع في ذكر ثناء العلماء عليه، فإنه علم اللغة العربية. يعرف قدره كل من درس النحو والصرف وقرأ عن نشاة العلم، حتى أن الرجل عندما يبرع في النحو يقال له أنحى من سيبويه، وهي مبالغة وضرب للمثل، لأن أصبح معيار العلم وعلمه.
وتفيض أقوال العلماء بالثناء على سيبويه وعلى قيمه كتابه. قال عنه أبو الطيب اللغوي: هو أعلم الناس بالنحو بعد الخليل وألف كتابه الذي سماه الناس قرآن النحو. ورغم ان هذه الكلمة فيها مبالغة الا أنها توحي بأهمية هذا الكتاب ومركزيته لعلم النحو.
قال عنه الامام الذهبي هو إمام النحو حجه العرب الفارسي ثم البصري، قد طلب الفقه والحديث مده ثم أقبل على العربية فبرع وساد أهل العصر وألف فيها كتابه الكبير. وقيل فيه مع فرط ذكائه حبسه في عبارته وانطلاق في قلمه.
ويرى شيخ الإسلام ابن تيمية أن “كتاب سيبويه مما لا يقدر على مثله عامة الخلق، وليس بمعجز؛ إذ كان ليس مـختصًّا بالأنبياء. بل هو موجود لغيرهم”[6]، ويرى – أيضًا – أن “نـحو سيبويه لا نظير له… وإن أتى الواحد بما لا يقدر غيره على نظيره، فليس مختصًّا بالأنبياء، بل معروف أن هذا تعلَّم بعضه من غيره، واستخرج سائره بنظره… فإن ما يقوله الواحد من هؤلاء قد علمه بسماع، أو تجربة، أو قياس”
شيوخ سيبويه
شيخه الأول زمانيا هو حماد بن سلمة ابن دينار وهو أول من ارتبط باسم سيبويه عندما كان يقرئه الحديث، وهو أيضا عالم باللغة. أما بالطبع شيخه الأهم وصاحب التأثير الأكبر عليه فهو الخليل بن أحمد الفراهيدي الذي نقل عنه سيبويه اكثر من 500 مرة. وكان في بعض المرات يقول قال الخليل رحمه الله وهذا يدل أنه كتب هذه الفقرات على الأقل بعد وفاه الخليل.
والخليل هو أكثر أستاذ تأثر به سيبويه على الإطلاق في أسلوبه وعقليته ومنهجيته. حتى أن كتابه يعتبر إلى درجة ما تدوينا لفكر الخليل. ومع ذلك فقد كان سيبويه حرا في التفكير العلمي وكان ينقل لغيره. ولم يكن يتفق مع أستاذه في كل المسائل.
وروى سيبويه أيضا عن يونس بن حبيب العالم البصري المعروف أكثر من 200 مرة في كتابه. وأكثر نقوله عنه هي شواهد ولكنه لم يكن يأخذ بأرائه كثيرا.
كذلك روى عن الأخفش الأكبر 47 مرة وروى 44 مره عن أبي عمرو بن العلاء مع أنه لم يقابله مباشرة وانما نقل من طريق الخليل بن أحمد ويونس بن حبيب، وروى كذلك عن عيسى بن عمر 22 مرة. وعن أبي زيد الانصاري وغيرهم.
وكثرة هذه النقول في كتاب سيبويه من الأمور التي أكسبته ثقلا كبيرا وموثوقية. كما تدل على أمانته العلمية لأنه يعطي كل عالم منهم حقه.
مصادر كتاب سيبويه
إذا تكلمنا عن مصادر الكتاب يجب أن نتوقع أنه سيكون مثل أستاذه الخليل. فالقرآن الكريم هو المصدر الأول لأنه أوثق وأفصح نص عربي. ثم كلام العرب القديم شعرا ونثرا، ثم ما سمع من العرب الفصحاء.
ولم يذكر أن سيبويه خرج الى الباديه يسمع من الأعراب، ولكنه كان يقول سمعنا من العرب يقولون كذا وكذا. ومثل الخليل أيضا لم يتخذ سيبويه الحديث الشريف مصدرا للغة. لأن بعض رواته من غير العرب والحديث الشريف نقل بالمعنى ولم ينقل بالنص. وهو في هذا يتبع أستاذه الخليل، وهذا ما سار عليه علماء اللغة في القرون الأولى.
تلاميذ سيبويه وسبب قلة عددهم
هؤلاء تلاميذه الذين جلسوا عليه وأخذوا منه مباشرة في حياته. أما من استفادوا من كتابه بعد وفاته فلا يعلم عددهم إلا الله.
الأخفش الأوسط سعيد بن مسعدة. وهو الذي أذاع للناس الكتاب بعد وفاهته. لأن سيبويه كما سنرى في المقال القادم لم ينشر الكتاب في حياته فلم يكن قد انتهى منه، فنشره الأخفش الأوسط، مع أنه خالفه كثيرا في مسائل علمية كثيرة. وهي نقطة تستحق التوقف عندها.
أما الثاني فهو محمد المستنير المعروف بقطرب. وإليه تنسب مثلثات قطرب الشهيرة في اللغة.
ولعل قله عدد تلاميذ سيبويه في حياته ترجع الى عدة عوامل:
أولا وفاته المبكره جدا. وهي العامل الأكبر فقد تعلم سيبويه وصال وجال وكتب كتابه المشهور ثم توفي وهو في الثلاثينيات فقط من عمره. أو في أوائل الأربعينيات في أقوال أخرى.
السبب الثاني متعلق بالأول، وهو أن كتابه قد اشتهر بعدما توفي لا في حياته. فلم يكن قد انتهى منه بعد، ونشر الأخفش الأوسط أوراقه بعدما مات. ويبدو أن الكتاب كان يحتاج إعادة ترتيب وضبط، لكن لم تكتب له الحياة ليفعل ذلك.
لماذا اشتهر كتاب سيبويه إلى هذه الدرجة؟
أولا: لأن كتابه هو أول وأقدم كتاب جامع وصل الينا في اللغة العربية، وكان العلم قبله شفويا غير مدون. فجمع فيه سيبويه كل علم السابقين مكتوبا في بين دفتي كتاب واحد.
وهو أقرب كتاب الى المصدر، وإلى العلماء الأوائل الذين سمعوا من العرب مباشره وكانوا يشتهرون بالفصاحة. ولعل هذا يوضح قول ثعلب أنه جمع فيه علم اثنين وأربعين رجلا.
وهذه الكلمة تستعمل أحيانا للانتقاص منه كأن الناس شاركوه التأليف، وهذا غير صحيح تماما لأن شخصيه سيبويه ظاهرة في الكتاب بوضوح.
واشتهر الكتاب أيضا لأنه كتاب جامع وليس مجرد محادثات أو اقوال منسوبه كما نعرف عن سابقيه، فقد حوى كل مواد النحو والصرف، وتكلم عنها بإسهاب. بالإضافة الى حديثه عن الأصوات ولهجات العرب وغير ذلك من المواضيع المتعلقه.
ثانيا: المتانة العلمية البالغة التي كان سيبويه يكتب بها كتابه وكثرة التوثيق والإحالة على أقوال العلماء كما مر بنا، وهو ما أكسبه موثوقية هائلة. فهو ينسب كل قول نقله إلى صاحبه، وينقل بأمانة شديدة وهذا أكسبه المصداقية لأنه يستند بالتأكيد على وزن العلماء الذين ينقل عنهم. وهذا أيضا من حسن أدبه البالغ ومما أعطى كتابه بركة وقبولا بين الناس
ثالثا: لأن مدينة البصرة اتخذته مرجعا أساسيا لها، وتقوت به في صراعها العلمي مع مدينة الكوفة. فتشبثوا بكتاب سيبويه واتخذوه مرجعا لا شك فيه، وغالى بعضهم فيه لدرجة التعصب المذموم.
يونس بن حبيب يختبر صدق الكتاب.
من أمثله الأمانة في نقول سيبويه. ما نقل عن شيخه يونس بن حبيب قيل له بعد وفاه سيبويه أنه كتب كتابا يبلغ نحو ألف ورقة في علم الخليل. فقال يونس ومتى سمع سيبويه من الخليل هذا كله إيتوني بالكتاب. ففحص يونس الكتاب. ولما قرأه ورأى صدق ما نقل سيبويه عنه هو نفسه. قال يجب أن يكون ما حكاه عن الخليل صحيحا كما صدق فيما حكى عني. فقد رأى يونس ما نقله عنه تلميذه سيبويه بأمانه جعلت يونس بن حبيب يثق في كل مرويات الكتاب الأخرى.
الحديث عن ثقل لسان سيبويه.
ومع كل مزايا سيبويه، فإن الكمال لله وحده. فقد كان ثقيل اللسان وله لكنة أثناء التكلم. روي عن معاوية بن بكر العليمي: قال قد سمعته يتكلم ويناظر في النحو وكانت في لسانه حبسه ونظرت في كتابه، فقلمه أحسن من لسانه. المصدر كتاب المذاهب النحويه للدكتور السنجرجي. أي أن سيبويه رحمه الله لم يكن من النوع المتحدث والمنطلق في الكلام أمام الناس في المناظرات، وبسبب ذلك خسر المسألة الزنبورية الشهيرة. وخسر مناظرة أمام الأصمعي كان هو صاح الحق فيها.
قال أبو عبد الملك: قال العباس بن الفرج: سمعت عمرو بن مرزوق قال: رأيت سيبويه والأصمعي يتناظران، قال: يقول يونس: الحق مع سيبويه، وقد غلب ذا -يعني الأصمعي- بلسانِه. وقيل أن الأصمعي اعترف لاحقا أنه تعمد ذلك لما يعلمه من لكنة سيبويه. المصدر.
فهذه الهبات من عند الله وقد يكون الشخص في غايه الذكاء ولكنه يرتبك عندما يتكلم أمام حشد كبير. وربما لأنه لم يكن عربيا في الأصل. فقد كان فارسيا وتكلم الفارسية أولا في بدايه حياته وكانت لغته الأولى قبل تعلم العربية.
وربما يكون صغر السن سببا، لأنه مات شابا في أوائل الثلاثينيات. ولم يعش كثيرا حتى ينطلق لسانه في الكلام بالعربية. ويتكسب الثقة في مكانته وعلمه.
وبسبب مكانة اسم سيبويه وشهرة كتابه. يغضب بعض اللغوين عند الإشارة لهذه الحقيقة، ويعتبرونها إهانة للعلم، ويتكلفون من الدلائل لينفوا عنه هذه الصفة, وهو من التعصب المذموم الذي ينشأ من المبالغة في مدح القديم. رغم أنه الصفة ثابتة عنه في التاريخ وملاحظة بين ثنايا الكتاب، في أسلوبه الذي يحتاج أحيانا إلى جهد مضاعف ليفهم عنه المعنى، والكمال لله وحده.