شرح القصائد

شرح معلقة عنترة بن شداد – هل غادر الشعراء من متردم

شرح المعلقات. معلقة عنترة بن شداد.

غرض المعلقة وموضوعها: يذكر فيها مفاخره وبطولاته في المعارك وعلو همته، ويلوم القبيلة على الافتراق وعدم تقديره كما يستحق، وفيها وصف مهيب للشجاعة والمعارك ممتزج بالحب العفيف والاعتزاز بالكرامة ومشاهد دموية تظهر بطشه في مزيج يظهر جوانب شخصيته المختلفة.

و في أحد المجلس خاصمه رجل من عبس فذكر سواده وأمه إخوته وعيره بذلك، فرد عليه عنترة بشرفه المعروف وبأسه وأنه لا يرى هذا الرجل في الخيل المغيرة وأنه لا يحضر اللبس وليس له ولا لأهله رأي في خطة فصل، فقال الآخر أنا أشعر منك وأصبح وجها وأزكى منك حسبا.

ولم يكن عنترة حتى ذلك الوقت يقول إلا البيت والبيتين، ولم يكن يحسن قول القصائد الكبيرة لكن التحدي استفزه فقال: ستعلم ذلك، وقال هذه القصيدة.

الفصل الأول: وقوف على الأطلال وذكرى الحبيبة.

 

1- هَلْ غَادَرَ الشُّعَرَاءُ مِنْ مُتَرَدَّمِ … أَمْ هَلْ عَرَفْتَ الدَّارَ بَعْدَ تَوَهُّمِ

غادر: أي ترك.
متردم: معناها المستصلح، المُرقع، الذي حدث فيه خلل ثم أصلح فهو مرقع،
عرفتَ: الضمير فيها للمتكلم يعود إلى نفسه. فالشاعر هنا يخاطب نفسه.
الدار: هو المكان الذي ينزل فيه الناس ويسكنون.
توهم: شك وإنكار.

هذا البيت مما أكثر الناس في شرحه واختلفوا.

في الشطر الأول يقول: هل ترك الشعراء معنى من المعاني يحتاج المعالجة إلا تطرقوا إليه وتحدثوا فيه؟ استفهام غرضه الاستنكار، كأنه يقول ما فائدة الكلام وهل يغني شيئا؟  فكل ما سيقوله من الشكوى قد قيل من قبل. لكنه مع ذلك سيقول ما في نفسه تنفيسا عنها.

ثم التفت في الشطر الثاني إلى سؤال نفسه، هل ميز المكان الذي يقف فيه وعرفه، بعد إنكار وشك؟ والسبب هو مرور فترة على هذه الذكريات فتغيرت ملامح المكان، والمعنى أه وقف على هذا المكان بعد مرور زمن طويل فشك فيه بسبب نغير تضاريسه ثم تعرف عليه.

أَعْيَاكَ رَسْمُ الدَّارِ لَمْ يَتكَلمِ … حَتَّى تَكَلَّمَ كَالأَصَمِّ الأَعْجَمِ

أعياك: أعجزك وأتعبك.
رسم الدار: الرسم هي العلامات غير البارزة، ومنها الرسوم وهي الصور التي ليس لها جسم، كالتي نضعها على الورق.
الأصم: هو فاقد السمع، وفاقد السمع يكون فاقدا للكلام أيضا وهو معنى يقصده الشاعر.
الأعجم: الذي ينطق كلاما غير مفهوما، من العُجمة، وهي الإبهام وعدم وضوح الكلام، ولهذا سمي غير العرب أعاجم.
في القرآن الكريم: ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته، أي ولو جعلناه غير مفهوم.

معنى البيت: يواصل حديثه لنفسه، فقد وقف كثيرا يكلم الدار ويلح عليها في السؤال عن أصحابها ليفهم منها ما حدث، ثم تعب من صمتها المتواصل، ولما أجابته نطقت كأنها رجل أخرس، والأخرس لا يسمع سؤالك من الأساس، وعندما يتكلم تخرج منه أصوات مبهمة لا تفهم كالأعجمي، فلم يفهم عنترة منها شيئا.

والآثار لا تتكلم لكنها صورة فنية وتشبيه، وحاصل المعنى أنه وقف أمام الدار حائرا يتساءل ولا يعرف أين ذهب أهلها.  

وقد عبر الشعراء عن الوقوف أمام الديار الخرساء بصور مختلفة.

فقد سبقه امرؤ القيس متحدثا عن دار حبيبته سلمى قائلا: صَمَّ صداها وعفى رسمها … واستعجمت عن منطق السائل. ومر علينا قول لبيد: صما خوالد ما يبين كلامها

لم يرد هذا البيت في كثير من نسخ المعلقة، ولهذا أكتبه بخط مائل.

وَلَقَدْ حَبَسْتُ بِهَا طَوِيلًا نَاقِتِي … أَشْكُو إِلَى سُفْعٍ رَوَاكِدَ جُثَّمِ

حبست: أي أوقفها في المكان ومنعها من الحركة، والحبس يدل على طول المدة.
سُفْع: أي الأحجار المسودة التي عليها سواد الاحتراق جراء احتراق الوقود.
الرواكد: جمع راكدة أي الصخور الثابتة التي لم تتحرك من المكان ولم تغادره.
جثم: المفرد: جاثمة، باقية في المكان،  لاصقة في الأرض ولن تتحرك. في القرآن الكريم: فأصبحوا في ديارهم جاثمين.

الرواكد وجثم من باب عطف المترادفات للتأكيد، وهو كما سنرى أسلوب يكثر عنترة من استخدامه. تدل على السكون التام في المكان كأنه مقبرة

يقول أنه أوقف ناقته في هذا المكان وقتا طويلا يشكو إلى الأحجار التي كانوا يوقدون عليها نيرانهم وعليها آثار السواد والاحتراق، وهذه علامات وجود بشر في المكان حيث كانوا يحرقون للطبخ، وقف طويلا حتى يخرج كل ما في قلبه أمام الأحجار الثابتة التي لا تتحرك، يشكو إلى هذه الحجارة بالذات لأنها كانت موجودة مع حبيبته، وربما هي من أشعلت النار التي سودتها.

أكد عنترة على طول الوقت الذي أمضاه ينظر إلى الديار ويستنطق أحجارها، لفظ الحبس يفيد طول المدة، ثم أكد بكلمة طويلا، بما يتناسب مع حجم الانفعال في قلبه.

وهذا البيت أيضا مما لم يرد في كل نسخ المعلقة.

2- يَا دَارَ عَبْلَةَ بِالجِوَاءِ تَكَلَّمِي … وَعِمِي صَبَاحًا دَارَ عَبْلَةَ وَاسْلَمِي

عبلة: اسم حبيبته.
الجواء: هي الأرض المنخفضة الواسعة وهي الفسحة بين البيوت، وفيها دلالة على السهولة والراحة. ، وقد وردت الكلمة في معلقة امرئ القيس: كأن مكاكي الجواء غدية، وقال البعض أنه يقصد مكانا محددا بهذا الاسم.

عِمي صباحا: وانعمي صباحا، كانت تحية العرب قبل الإسلام، بمعنى لتأتي عليك النعم صباحا، وكانوا في المساء يقول عم مساءا أو انعم مساء، وقال أبو سعيد أن هذا أصل الكلمة وقد قالها عمي بسبب وزن الشعر.

بعدما وقف طويلا أمام الدار ولم يسمع إجابة، ضاق صدره فانفجر فيها يأمرها بالحديث، خاطب الدار كأنها عاقل لتخبره أين ذهبت عبلة وقومها، ثم تمنى لها النعم والسلامة لأنه يحب قومه على أي حال.

وفي البيت فائدة هي تكرار اسم عبلة مرتين، وهذا من باب التلذذ بذكر اسم الحبيبة، وهذا من صفة المحب الذي ينتهز أي فرصة لينطق اسم حبيبته، بسبب وغير سبب.  

3- فَوَقَفْتُ فِيهَا نَاقَتِي وَكَأَنَّهَا … فَدَنٌ لِأَقْضِي حَاجَةَ المُتَلَوِّمِ

وقفت ناقتي: أي أوقفت ناقتي في المكان.
فدن: هو القصر، يقصد أنها ضخمة وظاهرة.
أقضي الحاجة: أي يتم ما يريد من أمر، وحاجته هنا هي التأمل والعشق.
المتلوم: الذي يلوم نفسه، الذي يفكر ويحمل نفسه تبعات الخسارة، ويقصد نفسه.

وقف عنترة على هذه الدار فوق ناقته الكبيرة كأنها قصر، يقصد أنه وقف ظاهرا يعلن نفسه غير مستخف ولا خجل من أحد، ويقصد طول الوقوف حتى بدت الناقة بضخامتها من مكونات المكان، وقف يلوم نفسه ويتفكر في الخطأ الذي حدث، أو يلوم أصحاب الدار على إنكارهم له.

وهكذا هو العاشق المتعلق بشدة، يجد بعض الراحة في الوقوف في مواضع كانت بها حبيبته، ويلوم نفسه بشدة على سبب الافتراق وقد يحمل نفسه الذنب ولو لم يخطئ في شيء، لكن شدة العشق تفعل به هذا. قضى وقتا طويلا أمام الديار على هذه الحال حتى يقضي حاجة نفسه ويخرج كل ما في قلبه.

وإذا فهمنا الغزل على أنه مجازي وأنه يقصد قبيلته، فهو يفكر كثيرا لماذا لا يقبلون به واحدا منهم، ولم يستمرون في الابتعاد عنه مهما فعل؟ وهذا ما يشغل باله ويؤرقه.

4- وَتَحُلُّ عَبْلَةُ بِالجِوَاءِ وَأَهْلُنَا … بِالحَزْنِ فَالصَّمَانِ فَالمُتَثَلَّمِ

تحل: حل بالمكان أي نزل به، وحل أربطة الرحل ليقيم الخيمة.
الجواء: الأرض الواسعة المنخفضة، كناية على السهولة.
الحزن: الأرض الخشنة المرتفعة، كناية عن المشقة.
الصمان: الأرض الصمانة الأرض الصلبة ذات الحجارة بجانب الرمل، أي تختلط فيها الحجارة بالرمل.
المتثلم: تثلم بمعنى تشقق، تثلم السيف أي انكسر حده، فيعني موضع الأرض المشققة.

الجواء الذي ذكره في هذا البيت مختلف عن السابق عندما قال: يا دار عبلة بالجواء، فكل أرض سهلة منبسطة هي جواء، كانت دارها في جواء ثم انتقلت إلى جواء آخر.

بعدما وقف وعلم غيابها، تحدث عن عبلة فيقول أنها الآن في الأرض السهلة المنبسطة كناية عن الراحة التي هي فيها، أما هو وأهله فقد باتوا في الصعوبة وضنك والمشقة، عبر عنها بالأرض العالية الخشنة وذات الحصى والحجارة المشققة عبورها صعب ولا خير فيها، كلما خرج من أرض غير مواتية ذهب في أختها. كناية عن سوء أحواله وتقلبه من مشقة إلى أختها

وحاصل المعنى أن عبلة في راحة من حياتها بينما يعيش هو في مشقة العيش في حياة الفروسية الصعبة، وهذا المعنى يتكرر في شعره ووسوف يكرره في قصائد وأبيات أخرى.

كأنه يلوم عبلة، فهي دائما تنزل في الأرض اللينة وتختار السهل بينما هو في المشقة.

وتذهب كثير من الشروح أن هذه أسماء مواقع محددة، وقد يكون كذلك، لكنني أراها أوصافا مقصودة لصفات المواقع، ولها دلالة على حاله وحال حبيبته، والله أعلم.

وكعادة الشعر العربي فإن أسماء المواضع المتتالية معطوفة بحرف الفاء الذي يفيد سرعة التعقيب. يذكرها سريعة متتابعة، وهذا في قوله: بالحزن فالصمان فالمتثلم. 


5- حُيِّيتَ مِنْ طَلَلٍ تَقَادَمَ عَهْدُهُ … أٌقْوَى وَأَقْفَرَ بَعْدَ أُمِّ الهَيْثِمْ

طلل: قلنا هو ما يظهر من آثار الدار، أي البقايا الظاهرة من البنيان، فإذا انمحى المبنى وبقيت علاماته فقط فحينها يسمى رسما.
عهده: زمنه وإدراكه.
أقوى: خلا من سكانه. والإقواء هو الافتقار: أقوى الجرل: نفد طعامه وفني زاده: في القرآن الكريم: ومتاعا للمقوين، الذين لا زاد لهم.
أقفر: أصبح كالقفر، بنفس المعنى أيضا.
أم الهيثم: الهيثم هو الصقر الصغير، وأم الهيثم كنية تبدو لعبلة نفسها، وهي كنية تدل على التكريم، كأنه يعظمها ويرفع مقامها، ويشببها بالصقر الشامخ الذي يذهب بعيدا.

ولا يختلط عليك الاسم بأم الهيثم الأعرابية الفصيحة، وهي امرأة كان يؤخذ منها شواهد النحو، فإنها أتت في عصر لاحق.

المعنى:

يلقي التحية على الطلل الذي تقادم عليه الزمن وآل إلى الخراب بعدما رحلت عنه حبيبته الكريمة، كأنه كان حيا وعزيزا بوجودها وهي التي كانت تهبه الحياة والجمال فلما ذهبت أصبح خرابا بلا قيمة.

وفي البيت أسلوب بلاغي هو عطف المترادفين، يجمع المتكلم لفظين لهما نفس المعنى أو معنى متقارب جدا وعادة ما يكون بحرف الواو،  ويدل على المبالغة في التأكيد وتثبيت المعنى، نراه عندما جمع عنترة كلمتي أقوى وأقفر وهما بنفس المعنى تقريبا، أي أنه خرب خرابا تاما، وسوف يكرر عنترة الأسلوب ثانية في القصيدة.


6- حَلَّتْ بِأَرْضِ الزَّائِرِينَ فَأَصْبَحَتْ … عَسِرًا عَلَيَّ طِلَابُكِ ابْنَةَ مَخْرَمِ

حلت: أي نزلت بما معها.
الزائرون: يقصد بهم الأعداء شبههم في قوتهم بالأسود التي تزأر.
عسرا: العسر هو الضيق والشدة والصعوبة.
طلابكِ: فيها التفات، فبعدما كان يتكلم عنها بصيغة الغائب تحول لمخاطبتها.
ابنة مخرم: المخرم: هذا نداء، يناديها بهذه الكنية ابنة مخرم، والمخرم في اللغة هو الطريق الضيق في الجبل أو الرمل، يقصد العبور بمشقة من طريق ضيق، مخارم الطرق: هي الطرق الضيقة الملتفة التي لا يعلمها إلا الأدلاء.
وفي حديث الهجرة: حديث شريف مَرَّا بأَسلَمَ الأشجعيِّ، فحملَهما على جمل وبعثَ معهما دليلاً، وقال: اسلكْ بهما حيثُ تَعلم من مَخارم الطُّرق

أم مخرم ليست اسما ولا لقبا لها، فكأنها كناية وضعها على سبيل التشبيه ليدل على صعوبة الوصول لها كأنه طريق صعب من خرم في جبل، وهذا من باب اللوم بين المحبين، كأنه يعاتبها على جعل الوصول لها صعبا وتعذيبه، لكنه ما زال يحبها رغم ذلك.  

معنى البيت: أن حبيبته نزلت بأرض أعداء خطرين شبهمم بالأسود التي تزأر، فأصبح منالها صعبا ومتعسرا، وأصبح الطريق إليها ضيقا كدرب يقع بين الجبال.

وفي البيت التفات، حيث كان ييتكلم عنها بصيغة الغائب ثم انتقل للحديث لها مباشرة فقال طلابكِ (
ويروى البيت أيضا، شطت مزار العاشقين وهو بنفس المعنى.

7- عُلِّقْتُهَا عَرَضًا وَأَقْتُلُ قَوْمَهَا … زَعْمًا لَعْمْرُ أَبِيكِ لَيْسَ بِمَزْعَمِ

علقتها: تعلقت بها وأحببتها، وهو ذاته اللفظ الذي أطلق على القصائد المعلقة، نظرا للتعلق بها وترديدها، وهو لفظ شائع في الشعر الجاهلي.
عرضا: بطريق صدفة، بغير قصد.
زعما: الزعم هو القول بلا دليل، والخبر يغلب عليه الكذب.
وعَمْرُ أبيك: العَمر صيغة قسم عند العرب بالحياة والعُمر، يحلف لها بحياة أبيها.
ليس بمزعم: يقصد هذا كلام غير معقول، ولا يقال مثل هذا الكلام. 

تحرير المعنى: يزعمون أنني تعلقت بها صدفة وأقتل قومها؟ تساؤل بمعنى هل يزعمون أنني تعلقت بها صدفة بينما أحارب قومها وأخاصمهم؟

والشطر الثاني إجابة، يقول أن هذا قول كاذب أحلف بحياة أبيك أنه باطل وأنه ليس قولا يقال، فأنا أحبها صدقا ولا أقتل قومها ولا أعاديهم.

والمعنى أنه لا يعادي قومها ولا يريد قتلهم كما يتهمه البعض، فهذا غير صحيح بل هو محلب لهم محبة راسخة لا تعلقا أتى بمحض الصدفة.  

وهذا تصديق لكلام عنترة في قصائد أخرى، فهو يؤكد دائما أنه لا يحارب عبس ولا يبغضها رغم أنهم لا يعطونه ما يستحق من شكر، وهذه هي عقدة عنترة في الحياة، أنه مهما فعل لا يلقى التقدير الذي يستحقه من قبيلته لأنه موصوم منذ قبل ولادته بعار أنه ابن أمة.
 
ويؤكد المعنى في البيت التالي:

8- وَلَقَدْ نَزْلْتِ فَلَا تَظُنِّي غَيْرَهُ … مِنِّي بِمَنْزِلَةِ المُحَبِّ المُكْرَمِ

نزلتِ: شبه حضورها في قلبه، بقالفلة التي تنزل موضعا.
منزلة: موضع ومكانة.
المُحَب: صيغة مفعول من (أحبَّ) أي وقع عليه الحب
المُكرَم: صيغة مفعول أيضا، أي وقع عليه الإكرام.

البيت فيه تقديم وتأخير، وعند إعادة ترتيبه يظهر: ولقد نزلت مني بمنزلة المحب المكرم، ولا تظني غير ذلك، وقد يساعدك هذا التريب في تخيل معناه.

يقول مخاطبا عبلة، أنك نزلت قلبي بمنزلة من يقع له الحب والإكرام، فأنا أحبك وأكرمك، فلا تظني غير ذلك، ولا تصدقي من يوقع بيننا. 

9- كَيْفَ المَزَارُ وَكَيْفَ تَرَبَّعَ أَهْلُهَا … بِعُنَيْزَتَيْنِ وَأَهْلُنَا بِالغَيْلَمِ

كيف المزار: أي كيف أزورها.
تربع: الأصل أنها نزلوا وقت الربيع، أي حلوا على خير بالمكان، وفيه دلالة على العزة وأنهم نزلوا بخير وعافية.
عنيزتين: اسم موضع حيث نزلت عبلة واهلها.
الغيلم: اسم موضع، وهو أيضا مكان نبع الماء

عاد ليحدث نفسه بسؤال استنكاري، يقول كيف أزورها الآن وقد نزل قومها في موضع يمسى عنيزتين بينما أنا في موضع آخر هو الغيلم؟

 ونحن لا نعرف هذه المواضع الأن لكننا نفهم بعد المسافة بينهما ووجود أعداء في الطريق يمنعون زيارته.
 

10- إِنْ كُنْتِ أَزْمَعْتِ الفِرَاقَ فَإِنَّمَا … زُمَّتْ رِكَابُكُمُ بِلَيْلٍ مُظْلِمِ

أزمعت: قرر الأمر وأظهر ثباتا في تنفيذه.
زمت: زَمَّ الحقيبة أو الأغراض: شدها وربطها لتثبت.
ركاب: هي الإبل المركوبة، أو المحمل عليها الأغراض.

في البيت أسلوب شرط بإن والفاء الرابطة في (فإنما). إن هي حرف للشرط، وأزمعت هو فعل الشرط، فإنما جواب الشرط، فيها الفاء الرابطة ثم جواب الشرط، مثال إن تعفُ، فإنما تعف نفسك. والمعنى أن يربط حدوث نتيجة الشرط بحدوث فعل الشرط نتيجة له، إن حدث الأول سيحدث الثاني وسيكون الأول سببا له.

يقول إن كنت قررت الفراق فجأة ودون إخباري فهذا سبب ما أراه من التجهيز المفاجئ للأحمال في ظلام الليل، فالرحيل هو نتيجة القرار الذي دبر بليل، وفعلوها ليلا دلالة على التخفي منه، يتخفون ويريدون أن يتركوه فجأة ودون إخباره، وهذا ما سبب له الضيق، فلم يكن قبل ذلك يدري أنها راحلة. ثم يشرح ما حدث في البيتين التاليين

11- مَا رَاعَنِي إِلَّا حَمُولَةُ أَهْلِهَا … وَسْطَ الدِّيَارِ تَسُفُّ حَبَّ الخِمْخِمِ

راعني: أدخل في قلبي الروع، أي أفزعني. لأنه علم أنه عبلة ستغادر.
حمولة: الدواب التي يُحملُ عليها. (القرآان الكريم: ومن الأنعام حمولة) أي يحمل عليها.
وسط الديار: أي أتي بها من مكانها الطبيعي في المراعي إلى البيوت. لأن الجمل مكانها خارج الديار بجانب المرعى، فإذا أتي بها فهناك سبب.
تسف: السف هو أكل الشيء اليابس من وجه التراب دليلا على الجفاف.

حب الخمخم: قالوا هو نوع من البقول، يظهر في المرعى آخر الربيع، وتأكله الإبل والغنم عند جفاف المرعى، أي أنه قليل القيمة ويؤكل اضطرارا في آخر الموسم.

وربما اشتقت الخمخم من (وَخَم) الذي يعني فسد، وخم الطعام أي تعفن وفسد، ووخم الهواء أي تفعن برائحة منتنة، ووخم اللحم أي أنتن، وعلى هذا يقصد أن الجمال تأكل حبا فاسدا رديئا لا يغني من جوع.

في البيت أسلوب يسمى الحصر، وهو الاستثناء المنفي، وهو يفيد حصر حدوث الأمر في شيء واحد. والمعنى أن الشيئ الوحيد الذي سبب ارتياع عنترة وخوفه هو رؤية الجمال فجأة في غير موضعها و وهي تتجهز للتحميل. فعنترة الذي لا يخاف الحروب ويقتحمها اقتحاما يرتاع و يضعف امام الحب ويرتاع قلبه. قال في موضع آخر: بكيت  من الهول  المشت وإنني .. صبور على طعن القنا لو علمتموا، كما عبر في بيت ينسب له.

المعنى أنه فزع أشد الفزع عندما فوجي بالجمال في غير موضعها تجهز للرحيل وعلم أنهم راحلون ومعهم عبلة، عندما رأى جمالهم تأكل هذا الحب الرديء عن التراب وهو الذي لا يؤكل إلا اضطرارا، وهكذا عبر عن مشهد الرحيل.

هذا البيت مثال على أهمية فهم البيئة والسياق ليفهم مقصود الشاعر، فيجب أن نعلم أن وجود الجمال وسط الديار له دلالة يعرفها أهلها، لأن هذا ليس موضعها ولا يؤتى بها إلا لغرض تحميلها ونحو ذلك، وفهم عنترة هذا لأنه عربي وكان يرعى الجمال، ولأنه راع فهم أيضا دلالة حب الخمخم وعبر به عن سرعة الرحيل، فهذه النبتة قليلة القيمة وتعطى للحيوان عندما لا يجدون غيرها.

وكذلك دلالة كلمة تسف، التي تعني الأكل من فوق التراب أو ممزوجا بالتراب، فيه دلالة عن قلة الزاد وحالة من الجفاف التي توجب التحرك.
 

12- فِها اثْنَتَانِ وَأَرْبَعُونَ حَلُوبَةً … سُودًا كَخَافِيَةِ الغُرَابِ الأَسْحَمِ

حلوبة: الناقة أو الشاة التي تُحلب.
خافية الغراب: الخافية هي الريشات الداخلية في جناح الطائر إذا ضم جناحه اختفت، وعند الغراب تكون هذه الريشات شديدة السواد.
الغراب: هو الطائر المعروف، وكانت العرب تتشاءم به
الأسحم: هو الأسود ، والسُحمة هي السواد، والسحاب الأسحم هو الثقيل المسود.

يشير إلى عدد الجمال السوداء في القافلة ويؤكد على سوادها الذي يشبهه بالريش الأسود في باطن جناح الغراب، والغراب كله أسود، لكن هذه الريشات أشد سوادا، يذكره تشاؤما لأنه مما يتشاءم منه العرب، لأنه في ضيق من مغادرتهم.

ودلالة ذكر الرقم بهذا التحديد أنه وقف طويلا أمام القافلة حتى عد جمالها جميعا، كما يحدث من العشاق ينتبهون لاقل التفاصيل عند محبوباتهم، فبعضهم يعرف كل جيرانها وبعضهم يعد الأشجار امام منزلها، والدلالة الأخرى كثرتهم اي أنهم يرحلون بحيواناتهم كلها، رحيلا نهائيا لا عودة فيه.

ورأيت من يقول أن النوق السود هي الأغلى وأنني لم أفهم ذلك لأنني ابن المدينة، وذكر أن عددها يدل على الغنى فهو يتفاخر بغناهم.

وقد تجوز هذه المعاني من جهة اللغة لكن سياق الأبيات ليس تفاخرا بالغنى والكثرة، بل هو غضب ولوم وضيق بسبب الفراق المفاجئ، ويؤيد ذلك الحديث عن الفراق في الأبيات السابقة وأنه ذكر الغراب الذي تتشاءم منه العرب، وركز على صفة سواد ريشه، والأسود لون كئيب مما يتشاءم منه أيضا، فنقول هذا يوم أسود دلالة على المصيبة، وذكر حب الخمخم الذي يؤكل في أوقات الجدب، وأنها تسفه من التراب. كل هذه التشبيهات والدلالات والسياقات مجتمعة تدل على الضيق والتشاؤهم لا الغنى.

 

فصل: تغزل في جمال فم حبيبته.

 

لما ذكر رحيل حبيبته راح يتذكر صفاتها ويتغزل فيها، ويذكر بالتحديد جمال فمها الذي أسر قلبه واستحوذ عليه، ويبدو أن هذه هي الصفة التي تجذب عنترة أكثر من غيرها. فيطيل وصفه ويركز على صفة جمال الرائحة تحديدا بعدة تشبيهات لطيفة، مرة بعطور التاجر ومرة أخرى بالروضة ذات الزهر.

13- إِذْ تَسْتَبِيكَ بِذِي غُرُوبٍ وَاضِحٍ … عَذْبٍ مُقَبَّلُهَ لَذِيذِ المَطْعَمِ

تستبيك: السبي هو الأسر. تستبيه أي تأخذه أسيرا وتذهب عقله بجمال فمها.  
ذي غروب: يقصد فمها، غرب كل شيء هو حده وطرف، يقصد أطراف فمها أي استدارته وحوافه.
عذب: حلو الطعم.
مقبله: موضوع التقبيل منه.
المطعم: أراد به طعم فمها، جعله على وزن مفعل، كأنه موضع يطعم منه.

يقول أن هذه الفتاة تأسره بجمال فمها ذي الحواف الواضحة البراقة، يقصد جمال أسنانها، قبلاتها لذيذة وكذلك فمها.

 

14- وَكَأَنَّ فَارَةَ تَاجِرٍ بِقَسِيمَةٍ … سَبَقَتْ عَوَارِضَهَا إِلَيْكَ مِنَ الفَمِ

فارة: عبوة المسك ورائحته أيضا، وسميت كذلك لأن المسك يفور منها فورانا.
أبحث عن فأرة الغزال.
قسيمة: هي سلة العطار التي يضع فيها بضاعته، لأن البضاعة تقسم فيها.
عوارض: الأسنان التي تلي الثنايا، وهي ما نسميها الأنياب، سميت كذلك لأنها تعترض أي تظهر معترضة في الفهم لبروزها.

يواصل وصف جمال الفم.

فمها ذو رائحة طيبة جميلة، كأن إناء المسك الذي أخرجه التاجر من قسميته زار فمها قبلك وترك أسنانها الجميلة معطرة.

 فإذا اقتربت ناحية فمها استقبلتك الرائحة الجميلة أولا وسبقت قبل أن تصل للعوارض الجميلة اللامعة، فهذا من دقة الوصف العجيبة، وجمال الفم وطيب رائحته مما يحبه الرجل كثيرا في المرأة.

 

ومن شدة إعجابه بفمها يأتي له بتشبيه آخر، اقتنصه من المشاهد التي كان يراها في تجواله كثيرا البرية وهو يرعى الإبل. فيقول:

15- أَوْ رَوضَةً أُنُفًا تَضَمَّنَ نَبْتَهَا … غَيْثٌ قَلِيلُ الدِّمِنِ لَيْسَ بِمَعْلَمِ

 

الروضة: الحديقة أو البستان الحسن. وروض المكان أي حسنه وزرعه بما يطيب من الزرع.
أنف: الأُنُف بضم الهمزة والنون، الجديد الذي لم يلمسه أحد، روضة أنف لم يرعها أحد. كلأ (أي عشب) أنف، لم يرعه أحد.
تضمن: تضمنه المطر النبت على صيغة تفعَّل، تكفل به وضمنه ليخرج
غيث: هو المطر الذي يجلب الخير، ومنه الإغاثة أي النجدة ومساعدة
الدمن: هي آثار الخراب التي يحدثها المطر الشديد، من الغثاء والركام، أو الأوساخ التي تعلق بالماء من تراب ونحوه، أي أن المطر لطيف غير مفسد فسقى الأرض دون أن يلوثها ونظيف بلا شوائب.
ليس بمعلم: المعلم أي موضع معلوم. يقصد أن مكان الروضة ليس له علامات فيعرف الناس موضعها، بل هي منزوية في جانب بعيد لا يعرفها إلا راعٍ متمرس كعنترة، في روضة بكر كاملة لا أحد يعبث فيها.

 فالمعنى أنه أتى بتشبيه ثان لطيب رائحتها، فهي كالروضة الجميلة المزهرة ليست فيها عيب، وهطل عليها مطر لطيف نظيف ليس فيه شوائب فاكتمت خضرتها، كما أنها معزولة في مكان بعيد فلم تطأها الأقدام وتفسدها، ولا يعلم موقعها إل راعٍ خبير كعنترة، يعرف دروب الجبال ومخابئها.

16- جَادَتْ عَلَيْهِ كُلِّ بِكْرٍ حُرَّةٍ … فَتَرَكْنَ كُلَّ قَرَارَةٍ كَالدِّرْهَمِ

جادت: تكرمت، والجود هو الكرم وإتقان الأمر، جوَّد الشيء أي أحسن صنعه.
بكر: كلمة البكر دائما كناية عن السبق والشباب والخير، وهو أول كل شيء وأجمله، يقصد سحابة كريمة خيرة.
حرة: هي كلمة تقال للمدح، فالرجل الحر هو صاحب المكانة، وأخلاق الأحرار وصفاتهم هي أخلاق السادة، من الكرم والجود والتفضل ونحوه.
قرارة: الموضع المنخفض الذي يستقر فيه ماء المطر، يقصد البرك الصغيرة ودوائر الماء المتناثرة التي تتكون بعد المطر.
الدرهم: هو العملة النحاسية اللامعة.

يقول: تفضلت على هذه الحديقة كل سحابة كريمة معطاء، فهطلت عليها بألطف الأمطار وأنقاها، فتركت بقعا جميلة صغيرة من الماء تلمع مثل الدراهم المعدنية عندما تسقط عليها أشعة الشمس، ورسمت هذا المنظر المبهج الجميلة الذي يسر الناظرين.

17- سَحًّا وَتَسْكَابًا فَكُلَّ عَشِيَّةٍ … يَجْرِي عَلَيْهَا المَاءُ لَمْ يَتَصَرَّمِ

سحا: السيح هو الماء الظاهر الجاري على وجه الأرض، يقصد ماء الأرض، ومر علينا وصف امرئ القيس لحصانه بأنه مسح، أي يجري على وجه الماء، ونحل نقول في عاميتنا يسيح أي يسيل.
تسكابا: على وزن تفعال، يريد كثرة سكب الماء واستمراره، كأنه يسكب سكبا من السماء.
عطف (سحا وتسكابا) من باب تأكيد المعنى بتكرار كلمات مترادفة أو قريبة المعنى كما مر بنا في بيت سابق.  
عشية: من بدء زوال الشمس إلى حلول الظلام.
لم يتصرم: أي ينقطع

المعنى أن ماء المطر يجري في الحديقة كالجداول تسيل فيها وينسكب وفيرا  ويرويها كل ليلة فهو لا ينقطع عنها، وهذا أجمل لاكتمال نبتها وحسنه.

18- وَخَلَا الذُّبَابُ بِهَا لَيْسَ بِبَارِحٍ … غَرِدًا كَفِعْلِ الشَّارِبِ المُتَرِّنِمِ

خلا: انفسح له المجال ليفعل ما يريد.
الذباب: كل الحشرات التي تذب فهي ذباب، فيذخل فيها النحل وأنواع الفراش وغيرها مما يكون في الحدائق.
ليس ببارح: ليس مغادرا أو مفارق للمكان لأنه ارتاح فيه.  
غردا: طَربا وفَرِحًا
الشارب: يقصد شارب الخمر المنتشي.
المترنم: الذي يرجع صوته ويطرب في الغناء

يقول أن هذه الروضة غير مطروقة حتى انفسح المجال للحشرات الصغيرة تطير على الزهر بهدوء ولا تغادرها لعدم وجود ما يهددها، وهي يطير بين الشجيرات سعيدة كشارب الخمر المنتشي، والمنتشي يكون سعيدا رائقا فيغني دون انتباه لأحد ويردد صوته في الفضاء.

والمعنى أنه يكمل وصف تفاصيل الأجواء السعيدة في حديقة جميلة شديد الهدوء تسودها البهجة وراحة البال.

ولا ريب أن عنترة قد رأى مثل هذه الحديقة أثناء تجواله في رعي الإبل، فلا ننسى أنه كان راعيا للإبل قبل أن يكون محاربا، وقد توفر له الوقت خلال ذلك ليتأمل مشاهد الطبيعة وينشط فيها خياله إلى أقصى الحدود.  

19- هَزِجًا يَحُكُّ ذِرَاعَهُ بِذِرَاعِهِ … قَدْحَ المُكِبِّ عَلَى الزِّنَادِ الأجْذَمِ

هزجا: هزج أي ترنم وغنى وفرح بالأمر.
قدح: قدح النار أي إشعالها، يقصد مثل قد الذي يقدح النار أي يشعلها.
المكب: المنكب المنكفئ على الشيء.
الزناد: ما كانت تشعل به النار، وهو خشبتان إحداهما ثقيلة توضع على الأرض وأخرى كالعود يمسكها الرجل ويديرها بيده على باطن الأولى حتى تشتعل  النار.
الأجذم: المقطوع والمأخوذ منه، تعود على الزناد، يقصد أن عود الزناد أجذم أي قصير لكثرة استعماله ، وعندما يقصر العود ينثني الرجل فوقه أكثر.

في هذا البيت تشبيه عبقري انفرد به عنترة واشتهر به عند الأقدمين ورواة الشعر فعلقوا عليه كثيرا.

يقول أن الذباب وفراشات الحديقة سعيدة ولا تخاف شيئا فهي تطير كالسكران المنتشي وتنكب على الزهور تحك ذراعيها معا وهي تميل رأسها منكبة إلى الأمام، وشبهها بالرجل الذي ينكب مائلا على عود قصير يحاول إشعاله وهو ينثني بشدة لأن لقصر هذا العود.

وهذه صفة في الفراشات والذباب ونحوها لعلك لاحظتها وهي تقف، فهي تفعل ذلك. تنحني للامام على زهرة وتحك ذراعيها وتمسح وجهها، ولابد أن عنترة راقب هذا السلوك وهو يجلس طويلا في جلسات رعيه طويلة.

كما أن الرجل المنكب وهو يحاول إشعال النار بهذه الطريقة لا يهتم بالنظر وراءه لأنه آمن، وهذه دلالة على أمن هذه الحديقة المنعزلة. وهذا تشبيه عجيب أتى به عنترة يدل على طول مراقبته لحديقة ربما كان يمر عليها أثناء رعيه.

فهذا عنترة الذي اقترن في أذهاننا بالقوة البالغة والبطش، يطيل في وصف جمال فهم حبيبته وهدوء باله عند النفكير فيها، وربما لم يكن البعض يتخيل أنه أيضا شديد الإحساس بمثل هذه التفاصيل الصغيرة.  

لكن لا تغرنا هذه الرقة كثيرا لأننا نقترب من حافة الجانب الآخر، عنترة القوي والشرس. 

انتقال إلى فصل: العودة للحاضر، ثم الرحلة.

 بعدما شرد بذهنه في جمال حبيبته، عاد إلى الحاضر فتذكر أنها غادرته، وما زال يشتاق لها ويتخيل أنه يجري لها على ناقته بأقصى سرعة.
 

20- تُمْسِي وَتُصْبِحُ فَوْقَ ظَهْرِ حَشِيَّةٍ … وَأَبِيتُ فَوْقَ سَرَاةِ أَدْهَمَ مُلْجَمِ

تمسي: تقضي المساء، وتصبح: تقضي الصباح، يقصد طوال اليوم.
حشية: فراش يتكئ عليه الإنسان وهو جالس، محشو بالقطن أو الريش أو نحوهما.
أبيت: أقضي الليل.
سراة: سراة كل شيء هي أعلاه، يقصد ظهر الحصان.
أدهم: يقصد حصانا أسود، وليلة دهماء أي شديدة السواد.
ملجم: مثبت عليه لِجامه، أي أنه في وضع حركة وسير.

يقول أن عبلة تفارقه مع أهلها وتعيش مرتاحة على جلسات وثيرة صباحا ومساءا، يقصد أنها طول يومها مرتاحة لاترهق نفسها في تكاليف العمال ونحوه، بينما هو فارس جلد يقضي لياليه في شدة حياة الجنود سائرا على ظهر حصان أسود مثبت عليه لجامه ومتأهب للقتال.

تثبيت اللجام على الحصان ليلا يشير أنه لا يرتاح في مسائه، بل يقضيه ساهرا على ظهر حصانه في حراسة أو نحوه مما تقتضيه حياة الجنود الشاقة. وحتى اللون الأسود الذي اختاره لوصف حصانه فيه إشارة نفسية.

وفي البيت إشارة للحياة التي اختارتها عبلة، فهي تذهب للأراضي الخصبة وتحب الجلسة الوثيرة والحياة الناعمة في عامة وقتها، مفارقة حياته الخشنة التي لا تبهرها، وهو المعنى الذي ذكره في قصائد أخرى. خاصة قصيدة (عجبت عبيلة من فتى متبذل) تكاد تنحصر في هذا المعنى.  


21- وَحَشِّيَّتِي سَرْجٌ عَلَى عَبْلِ الشَّوَى … نَهْدٍ مَرَاكِلُهُ نِبِيلِ المَحْزِمِ

سرج: رحل الدابة، ما يوضع على ظهر الحيوان ليركبه الإنسان.
عبل الشوى: العبل هو الغليظ، والشوى القوائم، يقصد أن الحصان غليظ القوائم
نهد مراكله: النهد من كل شيء هو الضخم، والمراكل: مواضع ركلاته. أي أن الحصان يترك أثرا كبيرا على الأرض عندما يضربها بحافره، وهذا لقوته.
نبيل المحزم: نبيل، صفة تدل على الأصالة والرقي، المحزم، موضع الحزام أي وسطه.

يقول: بينما هي منعمة على حشية حقيقية، فهو على يقضي أيامه ولياليه على مقعد جلدي خشن فوق حصانه، ليس حشية في الحقيقة ولا موضعا للنوم إنما يسميه كذلك ليظهر الفارق، ما يعني أنه ملازم لظهر الخيل ليل نهار، جالسا على حصان ضخم القوائم، يترك آثارا ثقيلة على الأرض.

يركز عنترة في وصف حصانه على صفات القوة لأنه رفيقه في المعارك وأداة حربه لهذا نراه يصف ضخامة القوائم، واتساع الخطوة وقوة أثرها على الأرض، وبهاء منظره.  

والمعنى أنه ملازم لركوب الحصان للمعارك وحياة الجنود وما إلى ذلك، ويفكر في عبلة التي تركته لتعيش حياة مختلفة.

فصل الرحلة.


في هذا الفصل يتمنى عنترة أن يلحق بها حيث رحلت، فهو يحمل له المودة رغم لومه عليها، فيتمنى هذه الرحلة على ما فيها من خطورة ووجود أعداء في الطريق ومشقة.

22- هَلْ تُبْلِغَنِّي دَارَهَا شَدَنِيَّةٌ … لُعِنَتْ بِمَحْرُومِ الشَّرَابِ مُصَرَّمِ

شدنية: الشدن هو الصغير في السن، يقصد ناقة شابة وقوية، ومرت علينا كلمة شادن في معلقة طرفة. (وفي بعض التفسيرات أنها منسوبة لموضع يسمى شدن، ولم أجد في اليمن موضعا بهذا الاسم)
تبلغني: توصلني، وفيها نون التوكيد كأنما يؤكد رغبته للوصول لحبيبت
دارها: الدار عند العرب هو موضع نزولها،
لعنت: حكم عليها بالحرمان والطرد من الرحمة.
محروم الشراب: ممنوع عليها أن تسقي أولادها لأنها لا تلد.
مصرم: مقطوع، يقصد أن لبنها منقطع.

يتساءل ويتمنى، هل أجد ناقة شابة قوية تتحمل السفر الطويل الصعب تحملني لتبلغني دار عبلة؟ وكان العرب يسافرون على النوق لأنها مطيعة أكثر من الذكور، وشابة كي تتحمل السفر

وكان العرب يعتمدون في أسفارهم الطويلة على النوق، أي الإناث دون الذكور لأنها مطاوعة، ويريدها شابة كي تكون قوية، لكن دون أن تنجب وترضع لأن الحمل والإرضاع يضعفها بشدة ويشغلها. ولا يسافرون طويلا بالحصان لأنه لا يتحمل المسافات الطويلة والسفر المتواصل، فيخصص للمعارك والصيد والغارات، وفي السفر يترك ليسير حرا دون أحمال، ولهذا عندما وصف السفر انتقل إلى الناقة.

ونلاحظ أن عنترة أكسب الناقة شيئا من صفاته، كما هي عادة الشعراء في وصف حيواناتهم. فرغم أن العرب اعتادوا على اختيار الناقة الأنثى التي لا ترضع ليسافروا عليها، إلا أنه يكسبها من صفاته ويصفها بأنها ملعونة، أي عليها غضب كأنها تعاقب بعدم الولادة وإرضاع أطفالها، كأنها تشبهه هو نفسه الذي ولد وعليه لعنة العبودية التي حرمته كرامته، كما أنه ملعون بهذا الحب الذي يعذبه ولا يقدر على التخلي عنه. 

ثم يكمل

 

23- خَطَّارَةٌ غِبَّ السُّرَى زَيَّافَةٌ … تَطِسُ الإِكَامَ بِذَاتِ خُفٍّ مِيثَمِ

 

خطارة: تخطر في مشيها، أي تحرك ذنبها نشاطا، يخطر الرجل أن يمشي وهو يؤرجح يديه إلى الأمام والخلف إعجابا أو تباهيا، فالمعنى أنها تمشي وهي ترفع ذيلها وتخفضه لوفور صحتها كأنها تتباهى ودلالة على عدم التعب.
غب السرى: السرى هو السير ليلا، والغب أي تستمر في السير حتى بعد المساء، وهذا من المبالغة.
زيافة: تزوف الحصى من أمامها أي تدفعه لقوتها، وقيل تزيد في سرعتها وهي تمشي.
تطس: وطس أي ضربه أو صدمه، وهو الضرب بالشيء العريض كخف الجمل.
الإكام: جمع أكمة وهي التل المرتفع.
خف: هو أسفل قدم الجمل، ولمن لا يعرفه فهو كالوسادة الجلدية العريضة يمشي بها على الأرض.
ميثم: وثم الحيوان الارض أي دقها وكسرها، أي أن خفها يدق الأرض دقا لقوته.

المعنى أنه يصف حيوية الناقة ونشاطها وقوتها، فرغم السير الكثير، فإنها تحرك ذيلها في كل الاتجاهات لشدة نشاطها وتشرع في مشيتها وتتبختر، وتستمر في السير حتى آخر الليل دون كلل ولا ملل، ثم هي تضرب الأرض بقوة بينما تصعد التلال بخفها الذي يدق الأرض. فقد جمع لها كل الصفات التي تدل على قوتها كأنها دبابة.

وذِكره أنها تضرب بهذه القوة بينما تصعد يدل على قوتها البالغة، لأن صعود التلال أصعب من المشي على الأرض المستوية وهي لا تتأثر بذلك، وسيكون سيرها على الأرض المستوية أقوى.

24- وَكَأَنَّمَا أَقِص الإكام عشية … بِقَرِيبِ بَيْنَ المَنْسِمَيْنِ مُصَلَّمِ

أقص: أي أكسر وأحطم، بينما يركب الناقة، وفي بعض الروايات (تقص) أي أن الناقة هي التي تحطم.
الإكام: قلنا أنه التلال.
عشية: هي من بعد الزوال إلى الظلام، وتفيد معنى التأخر أو آخر اليوم.
قريب بين المنسمين: أي ذكر نعام منسماه قريبان من بعضهما، والمنسمان هما ظفران في أطراف أقدام الجمال والنعام أيضا، وهذه خلقته، فليس له إلا ظفران أحدهما كبير وآخر جانبي أصغر، وهما قريبان متلاصقان وشديدا الصلابة.
مصلم: ليس له آذان، والصلم هو قطع كل شيء من أصله،  وهذه صفة النعام كباقي الطيور، فليس لها آذان بارزة.

يشبه عنترة نفسه وهو يحطم الأراضي المنبعجة بأقدام ناقته بذكر النعام الذي يجول الصحراء، وهو يستمر في الجري حتى وقت متأخر من اليوم، يقصد عدم التعب، ولم يذكر النعام صراحة لكنه ذكر صفاته، وهذا كثير في كلام العرب.

 وجه الشبه الأول طول الخلقة في الناقة والنعام وقوة وطئهما للأرض العالية وتكسيرها تحت أقدامه، وكذلك وجود ظفرين في آخر قدم النعام شبيهان مما لدى الإبل.

 لكن هناك دلالة أعمق، فالشعراء العرب يشبهون أنفسهم بالنعام في الوحدة والابتعاد في غياهب الأرض. وفي رعايته لصغاره أثناء ذلك وحرصه عليهم، وذكر ذلك في شعر امرئ القيس قبل عنترة. لأن طبعه أنه يسير في أعماق الصحراء، ثم يعود لتفقد صغاره. لهذا يشبه الشعراء أنفسهم به عندما يسيرون بمفردهم، وعندما يفكرون في مسؤولياتهم تجاه اهلهم، وهذه حال عنترة الذي يرعى أهله ويهيم في الأرض من أجلهم.

 فعندما يشبه الشاعر نفسه بشيء فإنما يعني صفة محددة من طباعه أو صفاته، وعلينا أن نفحصها لنفهم ما يقصد.

وكان النعام يعيش في جزيرة العرب قديما ثم فني واختفى بسبب كثرة الصيد، ولهذا نراه في الشعر والكتب القديمة، وسوف يستمر عنترة في وصفه.

25- تَأْوِي لَهُ قُلُصُ النَّعَامِ كَمَا أَوَتْ … حِزَقٌ يَمَانِيَةٌ لِأَعْجَمَ طِمْطِمِ

تأوي: تعود إليه وتلجأ للحماية.
قلص النعام: قَلَص بمعنى انضم وانكمش، وتقليص الشيء هو ضمه ليأخذ حيزا أقل، فالقُلُص هي الجماعات من صغار النعام التي تنكمش حول الذكر طلبا للأنس والحماية.
حزق يمانية: الحزق جماعات صغيرة من الإبل.  يمانية أي تنسب لليمن.
أعجم: قلنا الأعجم من العجمة، الذي لا يفهم كلامه
طمطم: يطمطم أي يقول كلاما غير مفهوم.

يقول أن جماعات صغار النعام تلجأ إلى الذكر طلبا للحماية، فكأنه راعيها، وشبههن بقطيع من جماعات الإبل اليمانية تتبع راعيها الأعجمي الذي لا يُفهم كلامه، ربما لأنه بعيد، وقال البعض أنه يقصد راعيا حبشيا يرعى هذه الإبل ولذا لا يفهم كلامه، وهذا وجه محتمل.

والمعنى أن النعام الصغير يتبع صوت الذكر غير المفهوم مثلما تتبع الإبل راعيها بصوته غير المفهوم أيضا.

وقرأت في بعض الشروح أنه يخص الإبل اليمانية لكثرة السواد فيها، كأنه يشبه مجموعات صغار النعام بالإبل السوداء، لكن لما بحثت وجدت أن الابل في اليمن لها كل الالوان ولا يتميز الأسود على البقية، كما أن صغار النعام لا تكون سوداء أصلا، بل تكتسب السواد عندما تكبر.  

26- يَتْبَعْنَ قُلَّةَ رَأْسِهِ وَكَأَنَّهُ … حَرَجٌ عَلَى نَعْشٍ لَهُنَّ مُخَيَّمِ

قلة رأسه: قلة الرأس أعلاها.
حرج: هنا الثياب التي تنشر على حبل لتجفأ وهو السرير  (المعجم الرائد)
نعش: قال ابن السكيت، نعش أي رفع أو أقام، ويقال نعشه الله أي رفعه، والنعش هو الصندوق الذي يرفعه الناس ويوضع فيه الميت، فأصله من الرفع.
مخيم: الذي جعل بمنزلة الخيمة، أي ثبت في موضع، وخيم في المكان أي بقي فيه.

يقول أن صغار النعام تتبع رأس الذكر وتتخذه علامة ونقطة ارتكاز تعود إليها كلما ابتعدت، لأن الذكر طويل القامة، فتنظر الصغار وترى الذكر رافعا رأسه وفاردا جناحيه ليجعل الصغار تحته. كأنه علم أو قماش مرفوع على عصا أو نحو ذلك لتعرف موقعها وتعود له.

 وللبيت عدة روايات كلها قريبة المعنى. تصف الذكر برأسه وأجنحته كالعلامة الطويلة من القماس ونحوه أو كرجل المآتة يراه الصغار فيعودون له.

27- صَعْلٍ يَعُودُ بِذِي العَشِيرَةِ بَيْضَهُ … كَالعَبْدِ ذِي الفَرْوِ الطويل الأَصْلَمِ

صعل: طويل الرأس والعنق، وهي صفة النعام.
يعود: يرجع لهم ويعود كل فترة، ومنها عيادة المريض، أي العودة لزيارته.
ذي العشيرة: قالوا أنه موضع
ذي الفرو الطويل: الفرو هو الشعر على الحيوان، ويقصد أن هذا العبد قد طال شعره وانتفش فكأنه فروة، ويشيه به ريش النعام الأسود.
الأصلم: مقطوع الأنف أو الأذن، وهي صفة الظليم، وتستعار للإنسان لبيان المهانة، كأنما جدعت أنفه أو أذنه.

يقول أنه ذكر طويل الرقبة صغير الرأس، يشبه بطوله وريشه الأسود عبدا أسود طويل الشعر مجدع أنفه أو أذنه. أو أنها لا تظهر من بعيد.

والمعنى أن الذكر يهتم بأمر صغاره، فيهيم في الصحراء ثم يعود لهم كل فترة ليطمأن عليهم.

وهكذا نرى وصف عنترة لذكر النعام في بضعة أبيات وكأننا نرى فيها أوجه شبه كثيرة مع عنترة، فالشبه بينهما شكلي، لأن عنترة أيضا رجل طويل ضخم الجثة كالذكر، أسود اللون مثله، والتشابه الأعمق أنه يسير في عمق الصحراء أيضا ويقوم على رعاية أهله مثلما يرعى الذكر أفراخه. وكأنه هو عنترة نفسه يجول في بلاد العرب حماية لأهله في الحروب ثم يعود لهم ليطمئن عليهم.

وبعد أن ذكر هذا المعنى عاد لوصف ناقته التي يرحل عليها مرة أخرى. 

28- شَرِبَتْ بِمَاءِ الدَّحْرَضَيْنِ فَأَصْبَحَتْ … زَوْرَاءَ تَنْفِرُ عَنْ حِيَاضِ الدَّيْلَمِ

ماء الدحرضين: موضعا يقصده فيه عيون ماء، وقالوا هما موضعان، والعرب تحدد مواضعها بعلامات من الجبال وعيون الماء ونحوه، وقد تغيرت أسماء كثير من المواقع فلا يمكن تحديدها بدقة الآن، ما يهمنا أنه اسم موضع.
زوراء: منحرفة بعيدة.
حياض الديلم: مياة الديلم، ربما يقصد مدينة الدلم الحالية، وهي قريبة من الأفلاج في نجد، حيث يعتقد أن عنترة قد عاش، فهي جزء من بلاده.
ويستحيل أن يقصد عنترة بلاد الديلم التي هي جنوب بحر قزوين الآن كما قال البعض، لأنها بعيدة جدا وقد عرفها العرب بعد ذلك بقرون، ولا شيء في قصة عنترة يوحي بأنه خرج من جزيرة العرب.

بعدما ذكر الصورة التي يريدها من النعام عاد إلى وصف ناقته، وهي موضوع الكلام.

أي أن ناقته شربت وأخذت كفايتها من موقع الدحرضين فأصبحت تنفر ولا تحتاج أن تذهب لهذا الموضع المسمى الغيلم، لأنها مستكفية بما شربته في الدحرضين، وكأنه عنترة نفسه لا يريد المرور على هذا الموضع.

 ولن نفهم تماما ما يقصد لعدم علمنا بالاحداث التي جرت في هذه المواضع، ربما يقصد أن أعداءه في موضع الديلم ولا يريد المرور عليهم.

29- وَكَأَنَّمَا تَنْأَى بِجَانِب دَفِّهَا الـــ …. وَحْشِيِّ مِنْ هَزِجِ العَشِيِّ مُؤَوَّمِ

تنأى: تبعتد.
دفها: الدَّف بفتح الفاء، هو السير اللين
الجانب الوحشي: قالوا أن الجانب الوحشي هو الذي لا يمكن أن تركب الدابة من جهته ويكون عادة الأيمن، والإنسي هو الأيسر لأن الراكب يصعد من جهد اليسار، هذا ما قالوه لكنني أظنه يعني بالوحشي الجانب الذي تقابل منه الصحراء والفراغ أو الذي يأتي منه الخطر.

هزج العشي: الهزج كل صوت خفيف، كالأصوات الخافتة في الصحراء، وكان العرب يظنون بوجود الجن وغنائهم في الصحراء ( كما قال الاعشى أيضا للجن بالليل في حافاتها زجل) أو من صوت زمجرة الوحوش الضارية.
مؤوم: الأوام: الدخان، والعظيم الرأس والخلقة.

المعنى: يصور كيف نفرت الناقة عن هذا الموضع، وكيف تميل بجسدها كأنها تهرب بجانبها الذي يواجه ذلك الموضع من أصوات الجن في الليل، أو من زمجرة حيوان مفترس قوي كبير الرأس.

30- هِرٍّ جَنِيبٍ كُلَّمَا عَطَفَتْ لَهُ … غَضْبَى اتَّقَاهَا بِاليَدَيْنِ وَبِالفَمِ

هر: الهر من فصيلة السنوريات، يقصد نمرا أو أسدا من الحيوانات المفترسة. (وكانت موجودة حينها في جزيرة العرب)
جنيب: أي يقف على جانبها أو يهجم عليها من الجنب 
عطفت له: التفتت له.
غضبى: يصف الناقة بأنها غاضبة، والناقة حيوان لا يغضب من الأسد، وإنما عنترة هو الغاضب فيصف الحيوان بما في نفسه هو.
اتقاها: حمى نفسه منها
باليدين وبالفم: يقصد يد السنور وفمه.

المعنى: كأن أسدا يقف بجانب الناقة، وهو وكلما مالت نحوه غاضبة تريد ضربه حمى نفسه منها بأرفع أنيابه

جعل عنترة الناقة هي التي تهاجم الهر وهو يدافع ويتقي، وهذا عكس المتوقع، فالأسد عادة هو الذي يهجم والجمل يدافع، لا العكس كما يقول عنترة، كأن عنترة غاضب ويبادر هو بالهجوم على الأخطار التي تترصد له في الطريق، وهذا السنور كناية عن هذه الأخطار.

وفسر المفسرون الأبيات بشدة سرعة الناقة كأنها تهرب من حيوان جارح، وهذا معنى معقول، لكنني أعتقد أن عنترة يريد معنى النفور من هذا المكان لشيء يغضبه منه، كوجود أعداء، فقد ذكر أولا أنها زوراء وتنفر عن حياض الديلم، ثم ذكر أنها تنأى عن المكان بجانب جسدها، ثم هي في أشد الغضب وتهجم على الوحش الذي يأتيها من الجانب، ربما كناية عن الأخطار المترصدة في الطريق من هذه الجهة، يؤكد عنترة على شدة نفوره من هذا المكان والله أعلم.

ثم يصف هيئة الناقة وهزالها بسبب كثرة الأسفار في بيتين.

31- أَبْقَى لَهَا طُولُ السِّفَارِ مُقَرْمِدًا … سَنَدًا وِمْثَل دَعَائِمِ المُتَخَّيِّمِ

مقرمدا: القرميد هو حجارة البناء، يصف سنامها بأنه جف وتصلب فأصبح كأنه مبني من حجر.
سندا: أي هو ما يسندها.
دعائم المتخيم: يشبه قوائمها بالعصي التي يرفعها من يريد إقامة خيمة.

المعنى أن الناقة هزلت لكثرة الأسفار، ولم يبق منها إلا سنام قاسٍ كأحجار البناء يسندها، وبقيت منها أرجل هزيلة كالأعمدة التي ترفع بها الخيمة.

ولا أرى هذا البيت يعني وصف قوتها، القوة موجودة لكنه يقصد الهزال الذي لحقها من السفر، فهذا ما أبقاه لها السفر بعد الجهد، ومن المعتاد أن يصف الشعراء هزال ناقتهم في آخر الرحلة لأن هذا يدل على مشقة الرحلة وتحمل المصاعب من أجل هدفه وقوة تحمل الحيوان، كما مر علينا في معلقة لبيد، وقصيدة المثقب العبدي وغيرهما. كما أن هذا السياق ليس استعراضا للقوة.  

 

32- بَرَكَتْ عَلَى مَاءِ الرِّدَاعِ كَأَنَّمَا … بَرَكَتْ عَلَى قَصَبٍ أَجَشَّ مُهَضَّمِ

بركت: برك الجمل أي نزل على ركبتيه وألصق صدره بالأرض فهو بارك (وليس مبروك)
ماء الرداع: اسم موقع فيه ماء.
قصب: النبات الذي ينمو على حواف الآبار والعيون، الذي نسميه الغاب أو البوص.
أجش: صوت أجش، صوت جاف فيه غلظة، يقصد صوت تكسب الأعواد والنبات.
مهضم: المكسر الضعيف، يشير لسهولة انكسار القصب تحت جسد الناقة.

عندما وصلت للماء المسمى الرداع بركت أمامه من الإرهاق، فتقصفت عظامها من هزالها (هذا قول أبي عمر الشيباني وذكره شرح شمر بن حمدويه)، أي أحدثت عظامها صوت طقطقة عظامها من مفاصلها لشدة الإرهاق كما يتكسر القصب الرقيق عندما يُجلس عليه ويصدر صوت التقصف، وهذا أفضل معنى وجدته لشرح هذا البيت.  

33- وَكَأَنَّ رُبًّا أَوْ كُحَيْلًا مُعْقَدًا … حُشَّ الوَقُودُ بِهِ جَوَانِبَ قُمْقُمِ

رُب: بضم الراء هو العصارة الثقيلة من التمر أو العنب المطبوخ ونحوه، كل سائل ثقيل لزج هو رُب. يقصد العرق الذي اختلط بالتراب والأوساخ.
كحيلا: هو القطران، السائل الكثيف الأسود.
معقدا: الذي أوقدت تحته النار حتى انعقد، أي تكثف.
حش: حش النيران أي حركها ليزداد اشتعالها.
الوقود: كل مادة تحترق لإنتاج حرارة
قُمقم: إناء من نحاس أو نحوه يسخن فيه الماء ويكون ضيق الرأس.

يصف في هذا البيت شدة قذارتها بفعل سيرها المتواصل في الشمس دون توفر عناية، فقد تلبد عرقها مع التراب والقذارة فكون سائلاً أسود كالقطران أو العصارة الثقيلة، وقد التصق بها كما يلتصق السواد على جوانب القدور تحت النار.

وعرق الناقة قليل وإذا خرج فهو كثيف لزج، لتوفير الماء في الصحراء ، ويخرج من أماكن قليلة كعظمة الذفرى والبطن.

وحاصل المعنى بيان شدة إرهاق الناقة بفعل رحلتها الطويلة المتواصلة.

34- يَنْبَاعُ مِنْ ذِفْرَى غَضُوبٍ جَسْرَةٍ … زَيَّافَةٌ مِثْلَ الفَنِيقِ المُكْدَمِ

ينباع: أي ينبع العرق من هذه المواضع.
ذفرى: هي عظمة بارزة خلف أذن الجمل يسيل منها العرق، وأصل الكلمة من ذَفِرَ أي اشتدت رائحته، لأنها موضع العرق في الجمل.
غضوب: مبالغة من الغضب.
جسرة: من الجسارة وهي الشجاعة، لأنها تعبر به الصحراء.
زيافة: مسرعة في السير، رغم كل إجهادها
الفنيق: هو ذكر الجمال الضخم، أي أنها ضخمة كالذكور. 
المكدم: الغليظ المكدس لحما.

يخرج هذا العرق من الذفرى خلف أذن الحيوان، ويصفها بأنها غاضبة وقوية ولحمها مكدس كأنها ذكر قوي.

وحاصل المعنى أنه أكسب الناقة كثيرا من صفاته، فالجمل في الحقيقة حيوان لا يتصف بالغضب أو الشجاعة، لكنها صفات عنترة أكسبها لحيوانه، ما زالت تملك طاقة بعد كل هذا الجهد، وقد تأثرت هيأتها بحياة الحروب والمعكسرات.

وفي الحقيقة فعنترة إنما يصف نفسه، فهذه صفاته، وبهذا يبرر عنترة هيئته الرثة التي سخرت منها عبلة وذكرها في قصيدة أخرى فهذه هيأة الرجل ممن يعيشون حياته. كما قال في قصيدة أخرى بعدما وصف سوء حاله … وكذاك كل مغاور مستبسلِ.

 

وبعد ذكر معاناته في تتبع بلاد عبلة والرحيل من أجلها وذكر ما يقاسي في حياته، اتجه للحديث لها مباشرة يلومها ويعرض أمامها قوته وهو غرض القصيدة الأول:

فصل لوم عبلة:

الآن تتصاعد المشاعر في المعلقة ونصل للنصف الشيق، فبعدما أفرغ عاطفته وتخيل جمال حبيبته وراحة باله في تخيلاته وحدائقه المنعزلة، ثم ذكر شدة تعبه من أجلها وصور ذلك بذكر النعام ورحلة ناقته المجهدة، تذكر ما فعلت به وانكارها له وعدم تقديرها لبطولاته، فالفت لها يلومها على عدم تقديرها لما يفعل، وعدم ملاحظتها لمزاياه الظاهرة الكريمة.

الباقي من القصيدة هو فصل واحد متصل، موزع بين لوم عبلة (التي ربما تكون كناية عن القبيلة) وتأكيد بطولاته وقوته وأخلاقه الرفيعة، يقولها فخرا بنفسه وتأكيدا لقيمته التي يشكك بها الآخرون، ابتداءا من زهير بن جذيمة الذي قال ما نصرنا إلا ابن السوداء حتى عبلة التي لا تقبله زوجا، فهذه هي عقدة حياة عنترة، مهما فعل ينظر له دائما نظرة استحقار فيعوضها بعرض مكارمه.


35- إِنْ تُغْدِفِي دُونِي القِنَاعَ فَإِنَّنِي … طَبٌّ بِأَخْذِ الفَارِسِ المُسْتَلْئِمِ

تغذفي القناع: أي تنزلي القناع على وجهك. كناية عن عدم الاهتمام به.
دوني: أمامي أو في وجهي.
القناع: غطاء الوجه.
تغدفي القناع كناية عن إغلاق الطريق في وجهه أو فتور اهتمامها به
طب: أي خبير ماهر، ومنها اشتقت كلمة الطبيب لأن من يعمل هذه المهنة يكون ذكيا حاذقا.
أخذ الفارس: هنا بمعنى قتلة أو إسقاطه أو هزيمته.
مستلئم: أي وضع اللأمة وهي لبس الحرب.

المعنى: يخاطب عبلة بشخصها أو هي كناية عن القبيلة، إن سددتي في وجهي الطريق وصددتني،أو استخفيتم بي، فإنه يستغني عنهم بفروسيته وقوته، لأنه قادر على هزيمة الفارس المتدرع بلباس الحرب، أي أنه يهزم الفرسان الأشداء المجهزين. ودائما ما يصف عنترة نفسه بقتل الأقوياء، فهذا يعني أنه أقوى منهم، ولا بطولة في قتل الضعفاء. ولذا سنرى في الأبيات القادمة أنه يمدح قوة خصومه قبل قتلهم. وبهذا فهو في الحقيقة يمدح نفسه.

وهذا المعنى هو مفتاح فهم القصيدة الأعمق والذي يدور حوله عنترة ويؤكد عليه، بما أن القبيلة لا تقدره فهو مستغن عنهم بشجاعته وقوة سيفه

36- أَثْنِي عَلَيَّ بِمَا عَلِمْتِ فَإِنَّنِي … سَمْحٌ مُخَالَطَتِي إِذَا لَمْ أُظْلَمِ

أثني: أثنى عليه أي مدحه وأطراه وذكره مزاياه، والثناء هو المدح والعرفان.
بما علمت: يعني يطلب منها أن تقول الحقيقة التي تعرفها وشهدت عليها، لا يطلب منها أن تنافقه أو تكذب من أجله، بل فقط أن تذكر الحقيقة.
سمح: لين المعاملة وسهل الجانب.

يطلب من عبلة (أو القبيلة) أن تعترف بصفاته النبيلة كما هي، وأن تعترف له بحقوقه، وهذا كما قلنا محرك حياته الأول، فعنترة يريد التقدير وانتزاع الاعتراف به، فكأن هذا البيت ملخص لكل حياة عنترة وما يريد، فإذا اعترفوا له بمكانته وحقوقه فسيجدون رجلا سهل التعامل دمث الأخلاق لا يُخشى منه وليس مصدر تهديد، طالما لم يظلم ولم يؤخذ منه حقه.

 

37- فَإِذَا ظُلِمْتُ فَإِنَّ ظُلْمِيَ بَاسِلٌ … مُرٌّ مَذَاقَتُهُ كَطَعْمِ العَلْقِمِ

باسل: الفارس الذي لا يهزم، وأصلها الطعام الكريه الحامض الفاسد الذي يفسد البطن أو لا يؤكل، شبه نفسه بالطعام الحامض في فم أعداءه فلا يقدرون على أكله، وهو ممتنع عليهم.
العلقم: هو نبات صحراوي شديد المرارة يضرب به المثل، وهو الحنظل الذي ذكره امرؤ القيس في معلقته.

المعنى واضح وجميل، يحذر عنترة أنه إذا ظلم فإنه سيرد بالظلم أيضا وسيكون صعب المراس ولن يقر لهم بالدنية، فكأنهم سيجلبون على أنفسهم أمرا لا طاقة لهم به، وسيكون عقابه لهم كريها، لأنه ليس من النوع الضعيف الذي لا يأخذ حقه. لن يقدروا عليه وسيكون وقع ذلك وخيما عليهم، سيصبح كالشوكة في حلوقهم كالعطعام الحامض الذي يلا يبلع لأنه مر كمرارة الحنظل.  

فحاصل المعنى أنه يحذرهم من مغبة ظلمه لأنهم لن يتحملوا تبعاته.

38- وَلَقَدْ شَرِبْتُ مِنَ المُدَامَةِ بَعْدَمَا … رَكَدَ الهَوَاجِرُ بِالمَشُوفِ المُعْلَمِ

المدامة: هي الخمر، سميت كذلك لأنها أديمت في دنها أي بقيت فيه طويلا. والخمر تترك كثيرا في زجاجتها حتى تعتق وتكون أفضل. ومرت علينا في معلقة لبيد
ركد: أي سكن واستقر في مكانه، وماء راكد أي لا يتحرك.
الهواجر: الهاجرة هي شدة الحر، فمعنى ركد الهواجر أي عندما يلطف الجو ويركن الناس للراحة.
المشوف: قالوا هو الزجاج الذي توضع فيه الخمر، أو الدينار اللامع الذي يشتري به.
المعلم: الذي عليه علامات ونقوش ونحو ذلك.

انتقل لوصف انفاقه واستمتاعه بالمال، فيقول أنه يشرب من الخمر عندما يهدأ المسافرون ويركن الناس للراحة، وشربها من زجاجة شفافة ذات علامات، أو أنه أنفق عليها من دنانيره اللامعة المنقوشة.

والمعنى: أنه يذكر أنه بجانب فروسيته فهو أيضا منعم ينفق ماله ويعيش في أوقات راحته كسائر الأحرار الأغنياء، وكان العرب يفتخرون بإنفاق المال لأنه يدل على الغنى والمكانة.

والمعنى الأعمق للافتخار بالمال هو إظهار أصبح واحدا من السادة ويعيش مثلهم، فالإنفاق جزء من حياة السادة الذين يريد الانتماء لهم، كما رأينا في تفاخر طرفة ولبيد بن ربيعة.
والعبيد بطبيعة الحال لا ينفقون مثل هذا ولا يعرفون التمتع بالحياة، فليس لهم إلا الكد والتعب.

39- بِزُجَاجَةٍ صَفْرَاءَ ذَاتَ أَسِرَّةٍ … قُرِنَتْ بِأَزْهَرَ فِي الشِّمَالِ مُفَدَّمِ

زجاجة صفراء: لونها أصفر من الخمر. 
أسرة: قالوا هي الخطوط التي تكون على الزجاج، ومنه أسارير الوجه اي الخطوط على الجلد.
قرنت: أي أتى معها.
بأزهر: اللون الازهر عند العرب هو الأبيض النقي، يقصدا إبريقا أزهر فضيا.
مفدم: الفدام كالسدادة أو قطعة قماش تغطي أعلى الإبريق لحمايته الشوائب، أو للحفاظ على طعمها قويا. أو كالمصفاة تجعل لتنزل الخمر بلا شوائب.

أي أتت له الخمر في زجاجة صفراء منقوشة، معها إبريق فضي مغطى . وهذه مظاهر جلسة معدة بعناية لقضاء وقت طيب على عاداتهم قبل الإسلام.

40- فِإذَا شَرِبْتُ فَإِنَّنِي مُسْتَهْلِكٌ … مَالِي وَعِرْضِي وَافِرٌ لَمْ يُكْلَمِ

مستهلك: أي منفق ومبدد مالي.
عرضي: شرفي ومكانتي
وافر: التام السليم.
يكلم: لم يجرح ولم ينقص منه شيء.

يقول أنه يشرب ويبدد على الخمر ماله كسائر رجال العرب، لكنه لا يكثر منها حتى يسكر ويذهب عقله فيفعل ما يعيب، فعنترة لا يشرب حتى يذهب عقله ويأتي بأفعال السكارى لأنه رجل صاحب وقار وهيبة يحافظ عليها. فهذا معنى جميل يظهر علو همته.

وبينما أقرأ البيت خطر في بالي أن استدراك عنترة ربما يكون سقطة لسان تؤكد في الحقيقة أنه ما زال مسكينا، أو أنه ليس غنيا حقيقيا أصيلا كامرئ القيس وطرفة، لأن الأغنياء الحقيقيين لا يعتذرون، طرفة يتبجح على أهله أن يشرب وسيشرب وسيمتع نفسه، ثم يتصاعد التبجح مع امرئ الفيس ليقول أنه يشرب ويفجر علانية ولا يمكن لأحد ردعه ولا إيقافه، وأن يستمتع بإذلال خصومه بوصف فجوره ثم لا يقدرون على فعل شيء.

أما عنترة فحريته مشروطة، ومكانته لا تسمح له في الحقيقة برفاهية ارتكاب الأخطاء، يقوب أنا أشرب مثلكم أيها الأغنياء وأنفق مالي، لكنه يستدرك أمام الانتقاد الذي سيأتي: لكن لا تقلقوا فعرضي وافر لم يكلم.

41- وإِذَا صَحَوْتُ فَمَا أُقَصِّرُ عَنْ نَدَىً … وَكَمَا عَلِمْتِ شَمَائِلِي وَتَكَرُّمِي

صحوت: أي أفقت بعد سكرة الخمر.
ندى: الكرم.
شمائلي: الأخلاق
التكرم: الترفع والتمسك بكريم الخصال.

يقول أنه إذا صحى من سكرة الخمر عاد إلى أخلاقه القومية وأولها عدم التقصير عن الكرم والواجب، وبقية الاخلاق الفاضلة التي تعلمينها

وغرضه من وصف أبيات الخمر إظهار أنه رجل من شرفاء العرب ممكن ينفقون أموالهم على الملذات

ثم انتقل إلى وصف بطشه وقوته في الفتك بخصومه.
المعنى

42- وَحَلِيلِ غَانِيَةٍ تَرَكْتُ مُجَدَّلًا … تَمْكُو فَرِيصَتُهُ كَشِدْقِ الأَعْلَمِ

حليل: زوج المرأة، الرجل الذي يحل لها وتحل له.
غانية: قيلت معانٍ كثيرة في هذه الكلمة، أصحها أنها المرأة الجميلة تغني الرجل عن بقية النساء، وتغنيه عن الفجور. أي امرأة من علية القوم فيكون زوجها واحدا من السادة.
مجدلا: مصروعا مغلوبا على الأرض.
تمكو: اختلف في معناه، قيل تصفر من الذبول، أو ترتعش كالذي يصفر، وربما تعني أنه يئن كالذي يصفر بعدما ضربه عنترة. أو ان الدم يخرخر منها. كلها معان تظهر شدة الضربة وفتكها.
الفرائص: عضلة بين الكتب والصدر، ترتعش بشدة عند الخوف والاضطراب ويضرب بها المثل. يقال ارتعت فرائصه أي خاف بشدة.
الشدق: هو جاني فتحة الفم. اتسع شدقه أي كبر فمه.
الأعلم: هو الرجل صاحب الشفة العليا المشقوقة، وهي علامة يولد بها بعض الناس وتحدث قطعا في الشفة العليا وميل في شفة الفم ترتعش له وهو يتكلم.

وفسر البعض شدق الأعلم بأنه فم الجمال، لأن كل الجمال مشقوقة الشفة العليا.

بعدما فخر بالإنفاق وحفظ عقله، يفخر الآن بقوته الباطشة

يصف عنترة كيف فتك برجل أمام زوجته فتركته مصروعا ترتعش فرائصه من الخوف، لا يفهم من البيت أنه قتله لكن يبدو أن عنترة يستمتع بإذلال الرجل أمام زوجته، فإن الرجل يكون مزهوا امام زوجته التي جمعت محاسن الجمال، وربما احتقر عنترة، فضربه ضربه تركته يرتعد على الأرض، مثل فم الأعلم صاحب الشفة المقطوعة.   

43- سَبَقَتْ يَدَايَ لَهُ بِعَاجِلِ طَعْنَةٍ … وَرَشَاشَ نَافِذَةٍ بِلَوْنِ العَنْدَمِ

سبقت: فيه دلالة على السرعة الباطشة، ففي لحظات سبقت يد عنترة وسددت الطعنة، كأن الضرب عنده بالغزيرة.
عاجل طعنة: أي طعنة سريعة.
رشاش: الدم المندفع من الضربة، وهذا لهولها وشدتها.
نافذة: أي طنة نافذة اخترقت جسده وخرجت من الناحية الاخرى
العندم: هو نوع من الصبغ الاحمر، تسمى صبغة دم الأخوين تسيل من شجرة في جزيرة سوقطرى، شبه به الدم.

المعنى: يصف سرعة ضرته وقوتها، ففي لحظة واحدة وكأن يده تتحرك وحدها، سبق عنترة بتوجيه طعنة هائلة جعلت الدم ينفجر كالرشاش من الجرح النافذ، وترك الرجل يرتعش على الأرض أمام مرآى امرأته.

في هاذين البيت تبدو كراهية عنترة ظاهرة لهؤلاء الرجال السادة المتكبرين الذين يسخرون منه عادة، فيذلهم بقوته، وهذا قريب من المعنى الذي قاله لعبلة في قصيدة أخرى

فلرب أبلج مثل بعلكِ بادنٍ …. ضخم على ظهر الجواد مهبلِ
غادرته متعفرا أوصاله … والقوم مجرح ومجدل 

ثم انتقل مرة أخرى للوم ابنة عمه عبلة.

44- هَلَّا سَأَلْتِ الخَيْلَ يَا ابْنَةَ مَالِكٍ … إِنْ كُنْتِ جَاهِلَةً بِمَا لَمْ تَعْلَمِي

هلا: حرف تحضيض ، أي أنه يحثها ويشجعها أن تسأل عنه الجنود وتعرف أخباره.
الخيل: كناية عن الجنود والفرسان، يقال خيل مغيرة أي كتيبة من الفرسان على الخيول.
ابنة مالك: ينسبها لأجد أجدادها، ربما ليستحث فيها أخلاق الشرفاء فتشهد بالحق، كما تنادي للرجل باسم أجداده تذكره بمكانتهم ليصدق.

يقول لها إسألي عني يا ابنة الرجال الشرفاء، الفرسان ومن شهدوني في ساحات المعارك، يخبروكي ببطولاتي وما أفعل.

وربما لا يكون الخطاب مقصورا على عبلة، بل هو شامل لكل القبيلة ومن ينكر بطولاته، فالخطاب إلى الحبيبة على عادة العرب  رمزي ومدمج فيه المعنى الآخر وهو خطاب عموم القبيلة.

45- إِذْ لَا أَزَالُ عَلَى رِحَالَةِ سَابِحٍ … نَهْدٍ تَعَاوَرَهُ الكُمَاةُ مُكَلَّمِ

رحالة: هي السرج الذي يشبت على ظهر الحصان، يرحل عليه الفارس.
سابح: هو الحصان السريع كأنه من سرعته يسبح ولا تلمس قوائمه الأرض، ومرت علينا في معلقة امرئ القيس، عند قوله: (مسح إلى ما السابحات على الونى … )
نهد: أي بارز ظاهر في الميدان.
تعاوره: تتابع عليه الفرسان ضربا، نعرض لضربات كثيرة.
الكماة: هم الفرسان الأشداء.
مكلم: أي مجرّح، كثير الجراح من المعارك.

يقول أنه دائما على ظهر حصان قوي سريع يخوض به المعارك، ويبرز في المعركة ملتحما مع الفرسان الأشداء الذي يتناوبون ضربه ويجرحون حصانه.

وحاصل المعنى أن عنترة يقتحم المعارك بحصانه الضخم ويحارب العدد الكبير من الفرسان الأشداء.

46- طَوْرًا يُجَرَّدُ للقِتَالِ وَتَارَةً … يَأْوِي إِلَى حَصِدِ القِسِيِّ عَرَمْرَمِ

طورا: أحيانا.
يجرد للقتال: تجرد للأمر انقطع له وكرس له نفسه.
تارة: مرة.
يأوي إلى: يلجأ، يلوذ، فيه دلالة أنه يذهب لها مختارا، كأنه يذهب لبيته. 
حصد القسي: القيس جمع قوس، وحصد القسي، الموضع الذي تحصد فيه الأقواس الناس. شبه الفرسان القتلى بنبات يحصد في هذا الموقع.
عرمرم: كثير العدد، جيش عرمرم، أي كثير.

والمعنى أنه يجول بحصانه في كل أركان المعركة، وأشد مواضعها خطوة، مرة ينقطع لقتال الفرسان ثم تراه مرة أخرى في موضع خطر آخر في مرمى الأسهم القاتلة التي تحصد الناس، وهو متقلب بين هذا وهذا في شجاعة منقطعة النظير.

إذا فهو يريد التحدث عن شجاعته البالغة في الحروب.

47- يُخْبِرْكِ مَنْ شَهِدَ الوَقِيعَةَ أَنَّنِي … أَغْشَى الوَغَى وَأَعُفُّ عِنْدَ المَغْنَمِ

يخبرك: جواب كلامه في البيت السابق.
الوقيعة: هي المعركة، يقع فيها الناس صرعى.
أغشى: غشيان الشيء تغطيته والارتفاع فوقه، مبالغة في تصوير هجومه كأنه يعلو على الحرب وكل فرسانها كأنه سحابة تغطيهم.
الوغى: صوت اختلاط الناس في سوق أو حرب أو نحوه.
أعف: العفاف هو الترفع عما لا يحل ولا يليق.
المغنم: تحصيل الغنائم ومكاسب الحرب.

إذا سألت من يحضرون المعارك فسيخبرونها أن عنترة يغطي ميدانها ويكتسحه اكتساحا كأنه إعصار، وعند جمع الغنائم يتعفف ولا يسابق عليها.  لأنه يقاتل للشرف والواجب، لا طمعا في جمع الأموال. فهو رجل صاحب مبادئ.

فصل: نزال مع فارس قوي.

يبدأ عنترة في استعراض بعض بطولاته وفتكه بخصومه، وهنا نرى عنترة المقاتل الفتاك، يصف مشاهد ذات تفاصيل عنيفة تظهر جانبا مختلفا تماما عن العاشق الذي كان يصف الحدائق والفراشات.

48- وَمُدَجَّجٍ كَرِهَ الكُمَاةُ نِزَالَهُ … لَا مُمْعِنٍ هَرَباً وَلَا مُسْتَسْلِمِ

مدججٍ: أي ورب فارس مدجج، والمدجج هو الرجل عليه سلاحه كاملا، الذي يحمي نفسه بالدروع من رأسه حتى قدميه فلا يرى منه شيء إلا الدروع والأسلحة.
الكماة: المقاتلون الأشداء.
نزاله: المنازلة أي مواجهته رجلا لرجل في الحرب.
ممعن: الممعن في الشيء، المبالغ فيه حد الإغراق، وأمعن في الأمر أي بالغ في التفكير فيه واستقصائه.
لا مستسلم: أي أنه ليس من النوع الذي يترك سلاحه ويستسلم إذا أحس بالخطر.

الواو واو رب، ورب فارس قوي عليه سلاحه كاملا، يكره أقوى المحاربون ملاقاته لعلمهم أنه يفتك بهم، هذا الفارس لا يولي وجهه هاربا إذا شعر بالهزيمة ولا يستسلم لعدوه، فهو يصر على القتال للنهاية.

في هذه البيت يمدح عنترة فارسا من العدو، فارس مغطا باكلمة بالدروع والأسلحة، لا يحب الشجعان مواجهته لأنه شديد البطش، ولا يستسلم أبدا ولا يترك أرض الميدان حتى ينتصر أو يُقتل، فهذه مبالغة تظهر خطورته حتى على أشد الشجعان.

 عنترة يمدحه ليقول بعد ذلك أنه سيقتله، وهذه هي البطولة، فلا مفخرة في قتل عدو ضعيف، إنما الفخر في قتل العدو القوي.

49- جَادَتَ يَدَايَ لَهُ بِعَاجِلِ طَعْنَةٍ … بِمُثَقَّفٍ صَدْقِ العُكُوبِ مُقَوَّمِ

جادت: أي تكرمت عليه يدي، فيها سخرية من المحارب.
الطعنة: هي الضربة العميقة بآلة حادة، حيث يخترق النصل الجسد من فتحة صغيرة وينغرس عميقا فيه
مثقف: أي رمح مثقف، وهو المقوم والمجهز جدا، والتثقيف هو تجهيز الرمح بالثقاف لمعالجة الاعوجاج ليكون مستقيما نحو الهدف عند قذفه، أي أن عود الرمح مجهز ومستقيم، ومن هذا المعنى اشتقت بعد ذلك كلمة الثقافة التي هي تقويم الإنسان.
صدق الكعوب: كعبه صادق موثوق الصنعة، ويمتدح العرب الشيء بقولهم أنه صادق، فالمعنى أن كعبه من معدن ثقيل موثوق فيكون اندفاعه أقوى نحو ضحيته.
مقوم: تم تقويمه، من باب تكرار الصفة للتأكيد.

يقول متهكما أنه يده تكرمت سريعا على هذا الفارس بطعنة من رمحه المجهز الثقيل فأردته قتيلا في الحال.

50- بِرَحِيبَةِ الفَرْغَيْنِ يِهْدِي جَرْسُهَا … بِاللَّيْلِ مُعْتَسَّ الذِّئَابِ الضُّرَّمِ

رحيبة الفرغين: الفرغ أي فتحة الدلو الذي يفرغ منه الدلو، وذكره اثنان قد تعني تكون إشارة إلى أن الرجل يحمل دلوين على خشبة ويسير بهما، أو إلى فتحتي الطعنة، التي تسيل الدم من الجهتين. ورحيبة أي واسعة كبيرة.
أي أن الرمح اخترق جسده من الجهتين فخرج منه شلالان من الدماء.
جرسها: الصوت الخافت. يقصد صوت خرير الدماء
معتس: الحيوانات التي تتعسس أي تتجول ليلا تبحث عن فرائس.
الضرم: الشرسة.

والمعنى أنه قتله بطعنة رمح هائلة أسالت دمه غزيرا كأنه ملؤ دلو مزدوجة، أو أنه اخترق جسده بفتحتين كبيرتني، وهذا الدم يجذب بصوت خريره الذئاب الضارية فتأتي لتأكل جثته. فتأمل التفاصيل الهائلة زالدموية التي جعلها عنترة في وصف قتله للرجل.

51- فَشَكَكْتُ بِالرَّمْحِ الأَصَمِّ ثِيَابَهُ … لَيْسَ الكَرِيمُ عَلَى القَنَا بِمُحَرَّمِ

شككت: ثقبت وخرقت.
الرمح الأصم: أي رمح غير مجوف، فهو صلب قاسٍ شديد الضربة.
ثيابه: الثياب هي الملابس، وقال البعض أنها القلب وذلك عن طريق التشبيه، وقال أبو سعيد ان البعض يحتجون بهذا وهو لايدري ما هذا، انما الثياب هي الثياب. والمصلي لا يصلي بها إلا طاهرة.
الكريم: ذو الحسب والنسب
القنا: هي الرماح.
محرم: أي ممنوع على الرمح

المعنى: أنه اخترق ثيابه ومزقها فقطع جثته بالرمح، ولا يعني أنه كريم من علية القوم أنه محمي من رمحي، لا أحد محصن من تقطيعه بالرماح.

ويروى البيت: فكمشت بالرمح الطويل ثيابه، أي أنه علق الثياب على طرف الرمح ورفعها، كأنه يتعمد إهانة جثة الرجل بعد قتله.

والبيت فيه سخرية أو نوع من الحقد الاجتماعي من عنترة تجاه هذا الشريف، كأن عنترة يتشفى بقتل الأغنياء بالذات.

52- فَتَرَكْتُهُ جَزَرَ السِّبَاعِ يَنُشْنَهُ … مَا بَيْنَ قُلَّةِ رَأْسِهِ وَالمِعْصَمِ

جزر السباع: أي مقطعا للسباع تأكله، أو كما تترك السباع فريستها مقطعة
ينشنه: ينوش أي يأخذ منه قطعة، تناول من الطعام جزءا.
قلة رأسه: أعلى رأسه.
المعصم: مفصل اليد.

فتركه عنترة جثة ملقاة مقطعة على الأرض تنهش السباع منه وتشوه خلقته من أعلى رأسه ومن يده. صورة عنيفة لرجل شريف تأخذ الحيوانات من لحم رأسه، ومبالغة في إذلال الرجل وقومه. 

فصل جديد: رجل آخر يقتله عنترة.

في الأبيات التالية يستعرض قتله لرجل آخر

53- وَمَشَكِّ سَابِغَةٍ هَتَكْتُ فُرُوجَهَا … بِالسَّيْفِ عَنْ حَامِي الحَقِيقَةِ مُعْلِمِ

ومشك: أي درع منظومة ومشكوكة بإحكام. حلقاتها الحديدة ومساميرها مشكوكة متداخلة في بعضها.
سابغة: أي طويلة تصل حتى أقدام الفارس لحمايته.
هتكت فروجها: الفروج هي الفتحات الموجودة بين حلقات الدرع، أو فتحات الذراع ونحوه، وهتكت أي وسعت فتحاتها وخرقتها بضربات سيفي، من شدة الضرب توسعت حلقاتها.
عن حامي الحقيقة: أي أنه بسيفه كشف هذا الفارس الذي كان يحمي شرف أهله واسمهم. هذا الفارس هو حامي القبيلة والشرف، وفتك به عنترة.
معلِم: أي أنه علم نفسه بعلامة في اليدان لفخره بنفسه. أو دلالة على عشيرته، وهذه علامة كبار الفرسان، تكون لهم رايات معروفة.

يصف عنترة قتله لفارس معروف شهير مدرع بدرع كاملة تحميه، هتك عنترة فروج الدرع ووسعها وقطعها عن جسد فارسها بسيفه.

ومرة أخرى يظهر أن عنترة يقصد كبار الفرسان ذوي المكانة ليقتلهم ويسطر بطولاته بأسمائهم، لأن قتل الصغار الضعفاء المجهولين لا بطولة فيه.

54- رَبِذٍ يَدَاهُ بِالقِدَاحِ إِذَا شَتَا … هَتَّاكِ غَايات التِّجَارِ مُلَوَّمِ

رَبذ: سريعة يده في رمي القداح.
بالقداح: أسهم لعب الميسر.
إذا شتا: كان العرب يلعبون الميسر ويشربون وقت الشتاء
هتاك: قلنا أن هتك بمعنى قطّع، أي أن هذا الرجل معتاد على تقطيع علامات التجار عندما ياتون.
غايات التجار: أعلام التجار، وكان التجار إذا نزلوا بلدة نصبوا رايات ليعلم بهم الناس، فيأتي صاحبنا ويأخذ كل ما معهم، حينها يقطعون العلم لعدم الحاجة له. وهذا وصف لإنفاقه البالغ
ملوم: يكثر أصحابه لومه لكثرة إنفاقه على الخمر.

معنى البيت: يصف مكانة الرجل الاجتماعية، فهو من الأغنياء المهرة في لعب الميسر وينفقون كثيرا على جلسات الخمر، حتى أنه يأخذ حمولة تاجر الخمر كلها ويفرغ حوانيتهم فيكثر أصحتبه من لومه على هذا التبذير. وكل هذه من صفات كبار الأغنياء، فهم الذين يتفرغون للعب وتمضية الوقت حتى يمهروا في القمار، وهم من يبددون الثروات على الشرب.

ومرة أخرى نلاحظ تركيز عنترة على قتل السادة والأغنياء، فهو يحقد على هذه الطبقة لأنها ترفضه ومنهم من لا يعترف به واحدا منهم.

58- بَطَلٍ كَأَنَّ ثِيَابَهُ فِي سَرْحَةٍ … يُحْذَى ثِيَابَ السِّبْتِ لَيْسَ بِتَوْأَمِ

بطل: يصف القتيل.
سرحة: شجرة طويلة في بلاد العرب، تسرح للأعلى.
يحذى: يضع حذاء، نعال السبت: بكسر السين. أي من الجلد المدبوغ. وكان عامة العرب فقراء يمشون حفاة أو يضعون أحذية من بوص ونحوه، والأغنياء الموسرون هم من يضعون الأحذية الجلدية.

ليس بتوأم: ليس له مثيل.

يقول أنه بطل، ضخم الجثة كأن ثيابه مركبة على شجرة عالية طويلة وليست على إنسان، وهذا بيان لضخامة جثته، وذكر علامة أخرى لغناه تميزه عن عامة الفقراء، وهو أنه يرتدي أحذية جلدية مدبوغة، ثم أكمل أنه ليس له مثيل في كمال صفاته.

55- لَمَّا رَآنِي قَدْ نَزَلْتُ أُرِيدُهُ … أَبْدَى نَوَاجِذَهُ لِغَيْرِ تَبَسُّمِ

نزلت: أي نزلت من فرسي لأواجهه، ويروى أيضا: قصدت أريده، أي توجهت نحوه.
أبدى نواجذه: الناجذ أقصى الأضراس التي تظهر من الفم، وأبداه أي اظهره، وإبداء النواجذ كناية تعني فتح الفم للضحك، ومنها ضحك حتى بدت نواجذه.

من أجمل أبيات عنترة

لما رأى هذا الفارس عنترة متوجها له، علم أنه مقتول ففتح فمه رعبا.

إبداء النواجذ صورة معروفة للابتسام، وهي المعنى المتبادر للذهن لكن عنترة غير المعنى إشارة أنه يفتح فمه خوفا، فأوجد مقارنة لطيفة في ذهن المستمع، وهو أنه لا يبتسم كما قد تتخيل، بل يفتح فمه خوفا لما رأى اقتراب عنترة وعلم أن وقت الهرب قد فات.

56- فَطَعَنْتُهُ بِالرُّمْحِ ثٌمَّ عَلَوْتُهُ … بِمُهَنَّدٍ صَافِي الحَدِيدَةِ مِخْذَمِ

علوته: أي ارتفع فوق جسده، جلس عليه ليقتله، وفيها دلالة على السيطرة.
مهند: أي سيف مهند، ومهند تعني الضخم.
صافي الحديدة: يمتدح نقاء معدن السيف.
مخذم: خذم الصقر أي قطع بمخلبه، مخذم تعني سيفا قاطعا سريعا.

والمعنى: أنه طعن عدوه بالرمح فأسقطه، ثم أكمل عليه بأن علاه ليجهز عليه بسيفه.

ووصف العلو فيه دلالة على تفوق عنترة وتحكمه في عدوه، فهو أعلى منه مرتبة ويقف فوق جسده المطعون ليجهز عليه بالسيف.

كما نلاحظ تفصيل عنترة في وصف سلاحه إعجابا به، وذكر في هذا البيت الرمح والسيف مع اتقانه للضرب بهما، وفيه دلالة على معرفته بالأسلحة وطول ملازمتها.

57- عَهْدِي بِهِ مَدَّ النَّهَارِ كَأَنَّمَا … خُضِبَ البَنَانُ وَرَأْسُهُ بِالعِظْلَمِ

عهدي به: بمعنى: آخر معرفتي به، وما وصل إلي خبره.
مد النهار: طوال فترة النهار.
خضب: صبغ البنان.
البنان: أطراف الأصابع أو الأصابع نفسها.
العظلم: صبغة زرقاء تميل للسواد، شبه أصابع الرجل المتعفنة كأنها مصبوغة بلون أزرق، وهو لون اللحم المتفسخ.

يقول عنترة أن آخر ما يذكره من هذا الإنسان أن جثته ظلت ملقاة طول النهار كما يذكرها عنترة، حتى بدأت تتعفن وتزرق أطراف أصابعها.

ونشعر استهانة عنترة بجثة الرجل ومصيره استهانة، فبعد أن قتله يقول أنه لا يهتم بامره، وآخر ما يذكره منه أن جثته تتعفن تحت الشمس دون أن يعبأ بها أحد.

مناجاة ثانية للحبيبة.

59- يَا شَاةَ مَا قَنَصٍ لِمَنْ حَلَّتْ لَهُ … حَرُمَتْ عَلَيَّ وَلَيْتَهَا لَمْ تَحْرُمِ

يا شاة: الشاة معروفة، وهي أنثى الخروف، يشبه المرأة بالشاة لسهولة أخذها.
ما قنص: يعني أن تصاد، وتروى مقتنص، أي للصائد.
لمن حلت له: أي لمن يستطيع أخذها.
حرمت علي: لا أستطيع الوصول لها.

اختلف الشراح في شرح هذا البيت وما بعده، فمنهم من يقول انه يعرض بزوجة أبيه وكان يحبها، ومنهم من يقول أنه يقصد عبلة.
 
ربما يكون المعنى أنه كان يتمنى أخذ عبلة قوة أو غيرها لو استطاع، فقد ذكر في بداية القصيدة أنها انتقلت لمكان آخر يتعذر عليه رؤيتها فيه، لكن هذا محرم عليه، أو أنه يتمنى شيئا وهو محرم عليه، وهو مودة حبيبته أو قبيلته.

60- فَبَعَثْتُ جَارِيَتِي فَقُلْتُ لَهَا اذْهَبِي … فَتَحَسَّسِي أَخْبَارَهَا لِيَ واعْلَمِي

جاريتي: هي الفتاة الصغيرة أو الخادمة.
تحسسي الأخبار: تلمسي الأخبار بهدوء ودون صخب. وأهلها لا يشعرون.

والمعنى أن يبحث عن فرصة لقنصها إن توفرت له.

61- قَالَتْ رَأْيْتُ مِنَ الأَعَادِي غِرَّةً … وَالشَّاةُ مُمْكِنَةٌ لِمَنْ هُوَ مُرْتَمِي

الأعادي: أي أن هؤلاء القوم أعداء له.
غرة: غفلة وإمكانية لمباعتتهم.
مرتمي: من الارتماء، أي للجريء الذي يرمي نفسه عليهم دون خوف، وهي بالطبع صفة متوفرة في عنترة.

أخبرته الفتاة أن أعداءه غافلين، وأن بامكانه اقتناص الشاة إن امتلك الجرأة الكافية (وهي لا تنقص عنترة) ورمى بنفسه عليهم بغتة.
ومعنى البيت أنه يقدر على أخذ ما يريد منهم أو مباغتتهم وهزيمتهم إن أراد.

62- وَكَأَنَّمَا الْتَفَتَتْ بِجِيدِ جَدَايَةٍ … رَشَأٍ مِنَ الجِدْيَانِ حُرٍّ أَرْثَمِ

التفتت: عندما تلتفت المرأة يظهر جمالها.
جيد: هي الرقبة.
جداية: الظبية الصغيرة.
رشأ: هو الغزال الصغير الذي يرضع ويتبع أمه، وهو كائن جميل يضرب به المثل ومنه الاسم الذي تسمى به الفتيات الآن: رشا.
حر: كل شيء حسن نفيس يصفه العرب بأنه حر.
أرثم: أبيض الأنف، والرثم بياض في طرف الفرس.

المعنى أنه لما تحدث عنها كأنها سرح فيها قليلا بخياله فقام يصف جمالها، أي أنه تذكر جمالها وتعلقه بها. فوصف رقبتها في ليونتها وانسيابها عندما تلتفت كأنها رقبة الغزال الصغير مكتمل الصفات. وهو من أجمل الكائنات التي يعرفها العرب.

وربما يكون للاتفات دلالة خاصة، فالملتفت هو البعيد الذي يحول جسده لينظر، ربما وهو يودع أو يفارق، فكأنه يتذكرها ويتخيلها وهي تنظر له للمرة الأخيرة قبل الفراق.

ربما تكون الأبيات السابقة من قبيل ضرب المثل لتربصه بخصومه، أو بقدرته على أخذ حقه منهم إن أراد.

فصل: انتقال إلى المعارك ووصف قوته.

63- نُبِّئْتُ عَمْراً غَيْرَ شَاكِرِ نِعْمَتِي … وَالكُفْرُ مَخْبَثَةٌ لِنَفْسِ المُنْعِمِ 

نبئت: أتى إلى علمي.
عمرا: ربما يكون اسما أو إشارة لأي رجل.
نعمتي: تفضلي.
الكفر: الإنكار والجحود. 

مخبثة: مفسدة، تترك أثرا خبيثا في النفس.

والمعنى: علمت أن أحدهم لا يشكر نعمتي عليهم بإنقاذ المال والأهل ووقوفي للعدو في الحروب، وهذا النكران والجحود يترك أثرا خبيثا في النفس.

ربما يقصد أي شخص ، لأن عمرو كان اسما شائعا جدا كما نقول الآن للرجل لا نعرفه: يا محمد، فالمعنى علمت أن أحدهم لا يشكر نعمتي وتفضلي.

وربما يقصد بها سيد عبس: قيس بن زهير بن جذيمة، لأنه هو من قال بعد انتصار عنترة في معركة: ما حمى الناس إلا ابن السوداء فرد عليه عنترة بقصيدة، لكن عنترة لا يقدر على تسميته باسمه لمكانته.

————-

أكمل بقية القصيدة في وقت قريب إن شاء الله.

محمد صالح

مدون وكاتب عربي، أهتم باللغة العربية وشرح الشعر والأدب العربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي