مقالات

قصة الشنفرى – الشاعر الصعلوك

الشنفرى الأزدي

في تراثنا العربي شخصيات كثيرة لم تأخذ حقها من الاهتمام وتستحق أن يعرفها العالم كله بصوره أفضل. ولو كانت عند أمة اخرى لاحتفوا بها ولأنتجوا عنها أفلاما ومسلسلات. ومنهم شخصية المقاتل المطارد والشاعر العربي الشنفرى الأزدي.

نتحدث عن قصة حياة الشنفرى وظروف نشأته ونفسيته التي شكلت شعره. ثم نتكلم عن بعض قصائده ومكانة قصيدته اللامية التي تناهز المعلقات، واهتمام العلماء البالغ بها.

كان الشنفرى صاحب شخصية فريدة، معتدا بنفسه أمام خصومه وحريصا على كرامته لأقصى درجة، احتوى شعره على معانٍ قويمة بسبب هذا الاعتداد بالنفس، وكرد فعل على ما حدث له من معاملة لا يرضاها. حتى ذكر عنها قول منسوب إلى الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه انه قال عن لامية الشنفرى (علموها اولادكم فانها تعلمهم مكارم الاخلاق) وهذه حقيقه استطيع ان اؤكد فهي فعلا تحتوي على كثير من مكارم الأخلاق رغم أنها تصدر عن رجل رماه المجتمع بتهمة أنه منبوذ متصعلك.

ذكر له الرواه اكثر من اسم، فقالوا ثابت بن أواس أو عمرو بن براق وأكثرهم احتمالا عمرو بن مالك، لكنه اشتهر بلقب الشنفرى الذي يعني غليظ الشفاه حتى غطى على اسمه.

صفاته الجسدية.

كان الشنفرى ضخما قوي الجثة، وكان سريعا جدا في العدو حتى أنه كان يضرب به المثل فيقال أعدى من الشنفري، وذكر ذلك في اللامية أما صفاته الشكلية فكان غليظ الشفاة، ومن هنا أتى لقبه الشنفرى التي تعني غليظ الشفاة،  حاد الملامح ذو بشرة سوداء، فكان يسمى واحدا من غربان العرب، ويذكر أن أمه كانت أمة سوداء، وهو ما يفسر غلظ شفتيه لأنها صفة خلقية في أصحاب البشرة السوداء، وربما يفسر أيضا هوان مكانته الاجتماعية والاضطهاد الذي تعرض له ثم ثورته العارمة على كل ذلك.  

نشأته وعداوته لبني سلامان.

 

ينتمي الشنفرى من جهة أبيه إلى قبيلة الأزد وهي قبيلة يمنية معروفة. قتل أبوه وهو طفل في أحد الاشتباكات على يد قبيلة تدعى بنو سلامان وهم أزديون ايضا يشتركون معه في النسب. وأخذوا الطفل الصغير وأمه وتربى معهم ليكون واحدا منهم فينسى ثار أبيه.

وتقول الحكايات أنه كبر وهو يظن نفسه من بني سلامان وأنه كلم ابنة عمه، فقال لها مرة يا ابنة العم فكرهته وقالت ما أنا لك بابنه عم، وعندما سأل وتقصى عرف أنه ليس منهم وأنهم قتله أبيه الحقيقي فغضب أشد الغضب من هذه الخديعة، وهجرهم وأقسم أن ينتقم منهم شد الانتقام بأن يقتل منهم 100 رجل.

وفي رواية أخرى أنه أراد أن يتزوج منهم فقال له الرجل أخشى إن زوجتك أن يقتلني بنو سلامان. فقال لا يقدرون إن فعلوها أنتقم منهم. ولما تزوجها قتل بنو سلامان الرجل، فأقسم الشنفرى أن ينتقم له بقتل 100 رجل منهم. 

ربما يكون السبب الحقيقي لكراهيته لبني سلامان مختلفا عليه بين الروايات لأنه من التاريخ القديم الجاهلي. لكن الأثر الذي ترتب عليه واضح في شعره. فقد أورثه كراهية بالغة ضدهم ورغبة لا تتزعزع في التمرد والانتقام. 

انتقام الشنفرى من بني سلامان.

 

خرج الشنفرى من القبيلة والتحق بالصعاليك قطاع الطرق من جماعة ثابت بن جابر (تأبط شرا) وهو أحد فتاك العرب وشاعر أيضا، تأبط شرا تعني من أخذ الشر تحت إبطه كأنه يصطحب معه.

وكان الشنفرى ماهرا  في الإغارة والسلب والتخفي عن الرصد والجري السريع الذي اشتهر به ونسجت حول ذلك الأساطير. واشتهر خاصة بسلاحة المفضل القوس والسهم الذي كان ماهرا بقذفه وتحدث عنه كثيرا في قصائده.

عاش الشنفرى ينتقل بين فجاج الأرض ويقتل من بني سلامان ولا يستقر في بقعه واحدة لكي لا يرصده اعداؤه، وعانى النفي والجوع والحرمان في سبيل ذلك. ولم يترك فرصه لقتل رجل منهم إلا قتله حتى أنه قتل رجلا منهم في منى وقت حج العرب، وتفاخر بذاك في قصيدة فقال: قتلنا قتيلا مهديا بملبد … جمار منىً وسط الحجيج المصوت

وبهذا ارتكب الشنفرى جرما بالغا حين قتل رجلا في في موسم الحج، الذي يحرم فيه العرب القتال. فخلعته قبيلته وتبرأت منه وأصبح من الخلعاء. ويعني ذلك أنها لن تدافع عنه أمام أعدائه، ولن تطالب بثأره إن قتل. وأقسم بنو سلامان على قتله.

 

قصة مقتل الشنفرى.

 

جهز بنو سلامان رجالهم وانطلقوا في غارات يطاردونه، ولبثوا فترة حتى علموا أنه في جبل فيه عسل. وعلموا أن تحت الجبل بئر هي مصدر الماء هناك ولا بد لمن في المكان أن يمر عليها. وقد وصف الشنفرى ضيق حاله ومشهد العسل في اللامية. وكمن بنو سلامان حول البئر حتى اذا أتى الليل اقترب الشنفرى، لكنه لم يكن ليأتي مباشرة ليشرب فقد كان يتقن أساليب كشف الكمائن.

خلع إحدى نعليه ومشى حافيا برجل واحدة ليجعل صوت خطواته غريبا فلا يعرف الراصد أهذا حيوان يقترب أم إنسان. وشك الشباب من الراصدين بالصوت ولكن شيخا أخبرهم ألا يتحركوا فهذا الخبيث يقترب. وعندما اقترب قام بحيله أخرى فارتد بسرعة يجري وأحدث صوتا كأنه اكتشف وجود رصد فإن كان هناك رصد فعلا سيظنون أنهم كشفوا وسينطلقون وراءه وهكذا يكشفهم ويجري ثم يكر عليهم.

ومره أخرى كاد الشباب ينخدعون فقد أرادوا أن يطاردوه قبل أن يفلت فأمرهم الشيخ بالجلوس مرة أخرى فانه سوف يعود. وعاد فعلا وهو يظن أن البئر خاليه فاقترب ووضع سيفه على حافتها ونزل ليشرب فأطبق عليه أصحاب الكمين ولم يدر إلا وهم فوق البئر ومعهم سيفه فعرف أنه مقتول.

آخر شعر قاله قبل موته. 

أخذ الشنفرى أسيرا في بني سلامان وعرض على الناس، وقبل قتله قالوا له أنشد شعرا فقال إنما النشيد على المسرة أي أن هذا ليس موقف شعر فأفصح عما في نفسي، ولكن رغم ذلك عندما قالوا له أين تحب أن تُقبر، أي أين تحب أن يكون قبرك بعد أن نقتلك فقال أبياتا:

لا تقبروني إن قبري محرم عليكم … ولكن ابشري أم عامر

أي لا تضعوني في القبر إني دفني محرم عليكم، لكن أبشري يا أمر عامر، وهي الضبع، فسوف تأكلين من لحمي.

اذا احتملوا رأسي وفي الرأس … أكثري وغودر عند الملتقى ثم سائري

هنالك لا أرجو حياه تسرني… سَجيسُ الليالي مبسلا بالجرائر

وفي القبر لا يرجو الشنفرى سعادة ولا حياة تسره، فسوف يكون حبيس الليالي يدفع ثمن أفعاله.

قد قلت لها قد كان ذات مره … ولست على ما عهدت بقادر

لقد وعد زوجته أنه سيعود لها ذات مرة، وليس قادرا على ذلك الآن.

وكان قتله تقريبا قبل 70 سنه من الهجره النبويه اي 30 سنه قبل مولد الرسول صلى الله عليه وسلم.


وتوجد روايات أخرى من القصة غير هذه
فكما قلت لكم توجد حالة من الضبابية حول قصته كحال الأخبار القديمة من عصر الجاهلية، وما يهمنا هو شعره وحالته النفسية.

صفاته النفسية.

 

أثرت نشأة الشنفرى وحياته على نفسيته. فرغم أننا لا نعرف تحديدا سبب حقده على بني سلامان. إلا أنه اتخذ قتلهم هدفا لحياته اتقاما لكرامته التي رأى أنهم أهدروها. فكان يقتل منهم بغرض الانتقام، مدفوها بنفس عزيزة لا تقبل الإهانة.

وكان يؤكد على  كرامته ومستعد لسفك دم ألف رجل وتحمل أقصى الظروف لكي لا تجرح كرامته. وسفك فعلا دماء الكثير.

وكان صاحب أخلاق عالية وفي نفس الوقت كان من خلعاء العربالذين تبرأت منهم قبيلتهم وأعلنت أنها لن تحميه ولن تأخذ بثاره إن قتل، وفي هذا من التناقض ما يلفت النظر ويعطي شعره جمالا خاصا. 

شعر الشنفرى وقصائده.

 

يعد الشنفرى من شعراء الطبقه الثانية أي في الصف الثاني من صفوه شعراء الجاهلية، وله قصائد مؤثرة متميزة في أسلوبها، حيث لا يشبه شعره أي شعر آخر. 

قصيدته اللامية ليست من المعلقات ولكنها توازي المعلقات في التأثير والجمال، من صفوة القصائد الجاهلية ولا شك. وسوف تكون محور حديثنا في مقالات لاحقة.

وله قصيدة رائعة أخرى ضمن ديوان المفضليات تبدأ بالبيت الذي يقول: ألا أم عمرو أجمعت فاستقلت … يمدح في اولها زوجته واخلاقها وكيفيه حفاظها على شرفه كأجمل ما تكون النساء، ثم ورغم المدح يخرج في غارة يقتل فيها أعداءه، فرغبته في الانتقام أقوى عنده من الأمن والحياة مع زوجته. 

و له مقاطع أخرى يصف فيها غاراته وسلاحه. وتدور كل قصائد الشنفرى حول فكرة واحدة وهي الاعتزاز البالغ بنفسه والانتقام من أعدائه بوصف غاراته وأسلحته التي سيقتلهم بها. وشعره مهيب ممتع، وله جمالية خاصة.

قصيدته الأبرز: لامية الشنفرى أو لامية العرب.

 

لامية الشنفرى قصيدة متفردة في الشعر العربي لأنها مختلفة وذات روح خاصة. تحوي حزنا شديدا واعتزازا وحديثا للنفس عند رجل أكثر ما يحرص عليه كرامته. يوطن نفسه على تحمل كل أنواع الشقاء في سبيل ذلك. رغم أنه يوضع في خانه القتلة والصعاليك، وهو تضاد يلفت الانتباه ولا تستطيع مع ذلك إلا أن تبدي إعجابك به.

تولى كثير من علماء اللغة شرح هذه القصيدة في كتب كاملة خصصت لها لوحدها، وهذا يدل على قدرها الكبير. أذكر منها شرح لامية العرب لابن ذاكر محمد الفارسي، وشرح الزمخشري الذي كتب كتابا سماه أعجب العجب في شرح لاميه العرب، وشرح لامية العرب للسيد ابراهيم الرضوي وهذا رجل هندي يعني انه غير عربي وشرح واحده من اعلى قصائد اللغه العربيه فاظن انه ليس لكم كعرب عذر في استصعاب الشعر العربي. وتختلف نسخ هذه الشروح في ألفاظها وترتيب أبياتها كعادة الشعر الجاهلي القديم وهذا معتاد ولا غضاضة فيه.

عدم بدأ لامية الشنفرى بالغزل.

 

من الظواهر في القصيدة أنها لا تحتوي أبيات الغزل المعتاد الذي يكون في أول بعض القصائد الكبيرة، والسبب أن ظروف إنشادها لا تجعل صاحبها في حال للغزل، فقد كان محاصرا يعيش أيامه الأخيرة ويتمسك بمبادئه.

والبدء بالغزل ليس شرطا في القصائد الجاهلية، فقد بدأت كثير من القصائد دون غزل، مثل هذه اللامية، وقصيدة عبد يغوث الحارثي المفضلية المعروفة: ألا لا تلوماني كفى اللوم ما بيا.

وقصيدة لبيد بن ربيعة: ألا تسألان المرء ماذا يحاول
وامرؤ القيس عندا قال: تطاول ليلك بالأثمد

والحق أن معظم القصائد في دواوين الشعراء لا تبدأ بغزل. ويمكن العودة لدواوين النابغة الذبياني وزهير ولبيد بن ربيعة.

جمال القصيدة أنها بث صادق مباشر من قلب صاحبها، فيها صدق الإحساس وحرارة مؤثرة ناتجة من صراعه ومعاناته الشديدة، ولهذا فهي واحدة من أكثر القصائد تأثيرا وقبولا بين المستمعين.

وصف القصيدة اللامية. 


يبدأ الشنفرى القصيدة بخطاب إخوته قائلا أنه سيهجرهم لأن قلبه أصبح يميل
عنهم الى قوم آخرين. فقد حميت الحاجات في قلبه. ويخبر أن الأرض واسعة يستطيع الرجل الكريم أن يبتعد فيها عن الأذى.

ويقول أن الحيوانات ووحوش الصحراء أصبح أقرب لقلبه من البشر. فنراه يثني على الضبع والذئب والنمر، فهي لا تفضح سره ولا تخذله، ويؤنسه في وحدته قلبه الشجاع وسيفه اللامع المسلط وقوسه القوية التي يتغزل في شكلها وصوتها عندما تطلق أسهمها.

ثم يدافع الشنفرى عن أخلاقه وترفعه عن الشهوات وتعويد نفسه على القوة. فيقول أنه لا يسرع في مد يده عندما يرى الطعام لأن أعجل الناس هم أجشعهم وأكثرهم طمعا. وأنه عود نفسه على تحمل الجوع حتى ما عاد يشعر به وأنه يأكل تراب الأرض. ولا يسمح لأحد أن يفخر عليه حتى وإن أمات نفسه جوعا. وينتقد الرجل الكسل المضجع بلا عمل ومن يسير وراء كلام امرأته، ولا رأي لهم.

ارتضى الشنفرى لنفسه حياه القسوة البالغة في سبيل ما يراه أكرم له، ووصف مشاهد الجوع والحرمان القاسية التي وضع نفسه فيها والتي أثرت على جسده. وبالغ في وصف مشاهد الجوع والحر في الصحراء وتحدث بكرامه عن الأخلاق التي يتحلى بها.

ثم في فصل أخير يفخر ببراعته في الإغارة ليلا على أعدائه. حتى أنه يدخل على القبيلة ويقتل منها ويخرج دون أن يشعروا به، ويتركهم يتساءلون في الصباح عما حدث. 

كان هذا مقالا تعريفيا بالشنفرى وشعره، وفي المقال التالي نبدأ في شرح قصيدته اللامية.

 

محمد صالح

صيدليي ومدون وكاتب عربي، أهتم باللغة العربية وشرح الشعر والأدب العربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي