
البلاغة علم وفن بشري رفيع. يعني ببساطة أن يطابق كلام المتحدث للمعنى الذي يريد إيصاله للمستمع، مع فصاحته وسهولة ألفاظه بما يترك تأثيرا عليه وضمانا لأن يفهم ما يقصده المتكلم تماما. مع الإحساس بالمتعة اللغوية.
وهي فن في الخطاب والإقناع وتحديد مواطن الجمال في الكلام، وتمييز مواطن الخطأ وعدم الفهم والمعاني الخاطئة أيضا، فالعالم الذكي البليغ يستطيع إدراك الجمال عندما يراه كما يستطيع تمييز مواطن سوء الفهم والخلل.
نشأة البلاغة عند الأمم المختلفة.
وكان لكل أمة نصيبها من إدراك فنون البلاغة وطرق الكلام. فعند اليونان القدماء، نشأت هذه الفنون وتطورت نتيجة الحاجة الاجتماعية لوجود خطباء يأثرون على الجماهير في المحافل السياسية، في أثينا واسبرطة وغيرها من مدن اليونان القديمة. وفي محافلهم الدينية والعلمية المختلفة.
أما عند العرب، فقد نشأت البلاغة وتطورت في ظروف وأسباب مختلفة. كان العرب القدماء يقولون الكلام البليغ من أشعار وخطب نعرفها حتى الآن ونتغنى بها. لكن لم يكونوا في تلك الفترة الأولى معنيين بتدوين العلم وتحديد مصطلحاته. لأن البيئة التي تسمح بتطور العلوم لم تكن قد ظهرت بعد.
ظواهر جديدة في المجتمع الإسلامي.
بعد توسع الدولة العربية الإسلامية وضمها لشعوب كثيرة. بدأت هذه الشعوب غير العربية تتعلم اللغة لحاجتهم لفهم القرآن الكريم، وبما أنها أصبحت لغة الدولة أيضا. فنشأت علوم العربية نحوا وصرفا على يد رجال كالخليل ابن أحمد وسيبويه وكثير غيرهم.
وفي نفس الوقت، أدى الاختلاط الطويل مع هذه الشعوب إضافة للصراعات السياسية والنزعات العرقية واستدعاء ذكرى دولهم القديمة. أدى كل هذا إلى ظهور موجة من الكراهية بين العرب وهذه الشعوب، خاصة الفرس، عرفت باسم: (الشعوبية). وقد ألقى هذا الصراع بظلاله على نواح كثيرة من التاريخ العربي.
ما هي الشعوبية؟ وعلاقتها بالبلاغة.
الشعوبية حركة فكرية وقومية فارسية بدأت في العصر الأموي ثم استفحلت في العباسي. وكانت تهدف في البداية إلى المساواة بين العرب والعجم، لكنها تحولت سريعاً إلى عداء صريح للعروبة وللإسلام. ونظرا لأن القرآن الكريم نزل بلغة عربية وعلى نبي عربي، فقد كان هدفاً رئيساً لمحاولات التشكيك والطعن من قِبل هذا التيار لإضعاف الركيزة الثقافية والدينية للأمة، فقد اجتمع قلة إيمان البعض مع دوافع قومية وكراهية للعرب للتشكيك في أصالة القرآن الكريم.
تعد البلاغة العربية علما قرآنيا على الأقل في المرحلة الأولى. لأن نشأتها أساسا ترتبط بالقرآن الكريم والدفاع عنه. فكل العلوم تنشأ استجابة لظاهرة ما. تنتشر الظاهرة أولا ثم يتصدى لها نفر من الناس لوضع القوانين التي تستجيب لها. وقد نشأت البلاغة أساسا لغرض الدفاع عن القرآن الكريم في وجه ظاهرة هي اتهامات وتشكيك رمي به.
العلماء يضعون كتب البلاغة الأولى.
ويسجل لنا التاريخ بعض هذه المواقف التي لفتت نظر العلماء أن شيئا خاطئا يحدث ويجب التصدي له. فمنها أن رجلا تساءل في مجلس الخليفة عن الآية الكريمة التي تقول: (طلعها كأنه رؤوس الشياطين)، فقال لأبي عبيدة: إنما يقع الوعد والإيعاد بما قد عُرف مثله، وهذا لم يُعرف.
ومعنى السؤال أن الله تعالى شبه طلع الشجرة بأنه مثل رأس الشيطان، ونحن لم نر هذه الشجرة ولم نر رأس الشيطان، فكيف يجوز هذا وكيف يفهم الكلام؟
فرد أبو عبيدة: أن الله يخاطب العرب بأفهامهم، واستشهد ببيت امرئ القيس: أيقتلني والمشرفي مضاجعي ومسنونة زرق كأبيات أغوال؟ فشبه امرؤ القيس سيفه بأسنان الغول الزرقاء. وهذا شيء خيالي لم يره أحد ولا يعرفه، لكن الهول والفزع المرتبط بذكرها في الأذهان يكفي لتقريب المعنى وتصوير القبح. إذا يجوز تشبيه مجهول بمجهول لأن المخاطب يفهم المقصود.
وكانت هذه الحادثة سببا لأن يكتب أبو عبيدة كتابا سماه (مجاز القرآن) وهو من أوائل الكتب التي وضعت لهذا الغرض، لأنه رأى أن الأجيال الأولى ومن عاصروهم كانوا عرباً فصحاء يفهمون أساليب اللغة العربية ومجاري كلامها بطبيعتهم فلم يحتاجوا للسؤال. فلما جاء من بعدهم وبُعد العهد بالفصاحة احتاج الناس إلى من يشرح لهم مجاز القرآن وأساليبه البيانية
مشكل القرآن لابن قتيبة.
وظهر أيضا كتاب:(تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة) استجابة علمية وفكرية للضروريات عصره، نتيجة تصاعد الشبهات التي أثارها بعض الملحدين والمعتزلة والفرس الذي ادعوا وجود تناقضات وغموض في القرآن الكريم. فوضع الكتاب لتوضيح الآيات التي التبست على بعض الناس واشتبهت عليهم، ودفع التهم وتبيين أن القرآن معجز في نظمه وتأليفه البديع
وملخص هذه المواقف أن ظاهرة عدائية للقرآن الكريم بدأت تحدث واستجاب لها العلماء بتدوين العلم، الذي أصبح علم البلاغة العربية. وهكذا بدأ.
نضوج علم البلاغة.
استمرت الكتابات في بلاغة القرآن حتى بلغت نضجها مع الإمام عبد القاهر الجرجاني. الذي يعتبر المؤسس الفعلي لعلم البلاغة كما نعرفه الآن. حيث نقله من مجرد ملاحظات مفرقة إلى علم له أصول وقوانين. وقد وضع لذلك كتابين يعتبران حتى الآن أسسا لابد أن يعلمها طالب البلاغة، هما: (دلائل الإعجاز) و(أسرار البلاغة). وأسس فيهما لكثير من المفاهيم، أشهرها نظرية النظم التي عرف بها عبد القاهر، والتي تربط بين معنى الكلام وألفاظه.
وقد ميز عبد القاهر بدقة بين مصطلحات كثيرة. وإن لم يضعها تحت الأبواب التي نعرفها الآن تحت علمي المعاني والبيان الذين استقلا بعد عصره.
تطور علم البلاغة وتنوعه.
مع مرور الزمن، وسع البلاغيون مساءل العلم ونقلوها من القرآن الكريم للأدب واللغة بمفهومهما الأوسع وشققوا العلم إلى ثلاثة أقسام: هي البيان والبديع والمعاني. وأول من فصلها بشكل واضح، هو أبو يعقوب السكاكي في كتابه: (مفاتيح العلوم).
وصلت البلاغة في مرحلتها النهائية إلى ثلاثة علوم مستقلة لكل منها كتب وعلماء بارزون لكن نوردها هنا بشيء من الاختصار.
1- علم المعاني: يبحث في كيفية مطابقة الكلام لمقتضى الحال واجتناب الخطأ في تأدية المعنى، ومن مباحثه: أحوال الإسناد وأنواع الجمل الإنشائية والخبرية والفصل والوصل والإيجاز والإطناب وغيرها.
2- علم البيان: يبحث في طرق إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة ومن مباحثه الشهيرة: التشبيه والمجاز والكناية وغيرها.
3- علم البديع: يعني بطرق تحسين الكلام وإضفاء الرونق والجمال له.
وهذا هو الشكل الذي استقر عليه علم البلاغة الآن، إضافة إلى البحوث التاريخية والكتب المتخصصة للدفاع عن القرآن الكريم.
