مقالات

من أسباب عدم انتشار المعلقات – طبيعة الدراسة الجامعية.

دراسة وشرح المعلقات.

نواصل تحليل عدم انتشار المعلقات والأدب العربي الأصيل في المجتمعات العربية الحالية، وهي مشكلة حقيقة لابد أن نتكلم عنها بصراحة لفهم طبيعة ما يحدث والخروج بحلول لحل هذه الأزمة.

المعلومات في هذا القسم عن مقدار دراسة المعلقات في الجامعة مستقاة من أسئلة وجهت للطلبة والأساتذة وقدامى الخريجين في الكليات العربية والشرعية المختلفة في مصر وعدد من الدول العربية. لذا فهي تستند إلى حقائق على الأرض وليست حديثا مرسلا.

المقدار المطلوب من دراسة المعلقات في الجامعة. 

من أسباب عدم انتشار المعلقات والشعر القديم في المجتمعات العربية وعدم معرفة عموما الناس لها. أنها لا تدرس بالشكل الكافي في الجامعات ولا تأخذ حقها، حتى الجامعات المتخصصة منها.  

عندما يلتحق الطالب بكلية متخصصة في اللغة العربية وآدابها. من المنتظر أن يدرس منهجا وافيا عن الشعر والقصائد الجاهلية وفي مقدمتها المعلقات. لأنها واحدة من أسس اللغة والثقافة العربية ويبنى عليها كل ما يأتي بعدها. ويجب أن يدرسها دراسة وافية لأنه سيكون من أهل التخصص ويحملها إلى بقية المجتمع.

ويتضمن ذلك دراسة أبياتها دراسة مفصلة للمعاني واللغة وحفظها أو معظمها على الأقل. لأن هذا الخريج سينطلق من الكلية مدرسا أو صحفيا أو كاتبا. وسيكون حاملا وممثلا للغة العربية في المجتمع. فلابد أن يتجهز بالعلم الكافي في مرحلته الجامعية، وهي ودراسة يمكن تحصيلها بسهولة في المستوى الجامعي. فالمعلقات كلها يكفيها فصل دراسي واحد أو فصلان.

طبيعة الدراسة في الجامعات. 

لكن مما يؤسف له وما يحدث بالفعل، (وهذه حقائق استقيتها بعد سؤال خريجين وأساتذة) أنه حتى في الكليات المتخصصة وذات الطابع التراثي المحافظ التي ينتظر من خريجها أن يكون ملما بأسس التراث. أن الطالب يتخرج منها بمعلومات عامة عن العصر الجاهلي وشعراءه وأبيات مفرقة عن كل معلقة وقصيدة. ومعلومات مكررة أخرى لا تتجاوز المعرفة العامة التي يحصلها قارئ متوسط غير متخصص. لا تكفيه ليتكلم عنها وينشرها بين الناس فيما بعد، وأقل كثيرا مما ينتظر من خريج هذه الكليات.

في الكليات التي ينظر لها على أنها تراثية. يدرس الطلاب في أقسام الأدب عن الأجواء التاريخية العامة للقصائد وقضايا الشعر والحياة الجاهلية ومقارنات بين عصور الشعر وروح كل عصر. وما يحيط بها ومواضيع أخرى كثيرة، دون دراسة القصائد نفسها والتبحر في أبياتها. لا يقرأون من كل قصيدة إلا عدة أبيات تتخذ مثالا لعصر كامل، فكأنهم يتكلمون عنها كثيرا دون الكلام فيها.

حرية الأستاذ في اختيار منهج الدراسة.

وبعض الكليات العربية تتيح للأستاذ الحرية في تدريس ما يشاء واختيار المقرر. فإذا كانت ميوله مع الأدب الحديث تجاهل القديم ووضع للطلبة مقررا يخلو منه أو يشير له من بعيد. وقد يضع مقررا يعادي القديم. فإذا أتى العام التالي عين القسم أستاذا آخر للمادة، فانتقى لهم منهجا جديدا قد يشمل جزءا من المعلقات أو لا يشمل. وهكذا نرى أن المنهج يتبع الأستاذ ولا يصل أبدا لدرجة دراسة المعلقات كاملة. والأصل أن تكون دراسة المعلقات كاملة مقررا ثابتا يدرسه الطالب في فصل أو فصلين.

سيطرة المناهج الحداثية.

 

وفي كثير من الأحيان يرى الطالب نفسه وهو يدرس مناهج مطولة عن ما يسمى الشعر الحر. (وهو لون أدبي يختلف تماما عن الشعر)، بما لا يتناسب مع الترتيب الزمني للفنون والقيمة التاريخية

كل هذا في الكليات ذات الطابع التراثي التي لها صورة عامة في الاهتمام بالعلوم التراثية والأصالة، أما في كليات أخرى تصنف أنها حداثية فهي لا تهتم تقريبا بتعليم الأدب القديم، وعندما تدرس الأدب العربي تصرف انتباهها إلى قصيدة النثر وشعر العصور اللاحقة وفنون القصة والمسرح والرواية وخلافه.

وهكذا نرى أن خريج كليات اللغة العربية لا يعلم عن المعلقات إلا اسمها أو معلومات عامة مكررة، وهو الذي من المفترض أن يخرج ويكلم بقية الناس عنها وينشرها في المجتمع، فلا عجب أن تكون معرفتها خافتة بين الناس.

دراسة المعلقات تفيد الطالب على كل المستويات. 

وفي الحقيقة فإن دراسة المعلقات ترفع مستوى الطالب وتفيده في كل المواد الأخرى في الجامعة. فإنه سيرى تطبيقا واضحا لعلوم النحو والصرف والبلاغة في بيئتها وسياقها الطبيعي. وفهما عمليا عميقا للدراسات والقضايا الأدبية التي يدرسها في قسم الأدب. وسياقات تاريخية تهم أقسام التاريخ. وملاحظات لغوية من التي يناقشها علم اللغة. وتمس حتى علم الاجتماع في قضايا المجتمع والانتماء والثقافة.

والحقيقة أن هذه المعلقات تحتوي إلى جانب جمالها البالغ فوائد علمية يعرفها المتخصص في مجالها. ولا عجب، فهناك سبب وجيه جعلها ظلت باقية كل هذه السنين الطويلة.

توصيات. 

والحل الأول لهذه المشكلة أن تلتزم الكليات خاصة ذات الطابع التراثي منها، بتدريس منهج كامل ومفصل للمعلقات العربية. وأن يأخذ المنهج حقه من الاهتمام والترتيب الزمني ومساحة الدراسة داخل الكلية. بحيث يكون خريجها حافظا ومتقنا لها، فيسير ذكرها بسببه بين الناس.
_____________

كل هذا يصنف تحت بند عدم الاهتمام في الكليات، أما الترصد والعداء المتعمد للأدب القديم، فأتعرض له في الجزء التالي.

محمد صالح

صيدليي ومدون وكاتب عربي، أهتم باللغة العربية وشرح الشعر والأدب العربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي