أَيَقْتُلَنِي وَالمَشْرَفِيُّ مُضَاجِعِي … وَمَسْنُونَةٌ زُرْقٌ كَأْنْيَابِ أَغُوَالِ؟
هذا بيت من قصيدة امرئ القيس، أخت المعلقة التي أولها: ألا انعم صباحا أيها الطلل البالي. وهو بيت رائع لملك الشعر وتتعلق به قصة بديعة.
تساءل رجل في مجلس الخليفة العباسي عن الآية الكريمة التي تقول: (طلعها كأنه رؤوس الشياطين)، فقال لأبي عبيدة معمر بن المثنى: إنما يقع الوعد والإيعاد بما قد عُرف مثله، وهذا لم يُعرف.
ومعنى السؤال أن الله تعالى شبه طلع شجرة الزقوم بأنه مثل رأس الشيطان. ونحن لا نعرف هذه الشجرة ولم نر رأس الشيطان، فكيف يجوز هذا وكيف يفهم الكلام؟
فرد أبو عبيدة: أن الله يخاطب العرب بأفهامهم، واستشهد ببيت امرئ القيس:
أيقتلني والمشرفي مضاجعي … ومسنونة زرق كأنياب أغوال؟
ومعنى بيت امرؤ القيس: كيف يريد هذا الرجل أن يقتلني بينما سيفي جاهز بجواري دائما؟ (المشرفي من أسماء السيف) وحَدُّه مسنون كأنه أنياب الغول الزرقاء؟
فشبه امرؤ القيس سيفه في الرعب والقوة بأسنان الغول الزرقاء، وهو شيء خيالي لم يره أحد من قبل ولا يعرفه، لكن الهول والفزع المرتبط بذكرها في أذهان العرب يكفي لتقريب المعنى وتصوير القبح. وكان العرب يفهمون هذا الكلام. إذا يجوز تشبيه مجهول بمجهول لأن المخاطب يفهم المقصود.
وكانت هذه الحادثة سببا لأن يكتب أبو عبيدة كتابا سماه (مجاز القرآن) لأنه رأى أن الأجيال الأولى ومن عاصروهم كانوا عرباً فصحاء يفهمون أساليب اللغة العربية ومجاري كلامها بطبيعتهم فلم يحتاجوا للسؤال، فلما جاء من بعدهم وبُعد العهد بالفصاحة احتاج الناس إلى من يشرح لهم مجاز القرآن وأساليبه البيانية.
علاقة الشعر بالقرآن الكريم.
هذا البيت مثال واضح لفائدة الشعر العربي في فهم القرآن الكريم. فكثير من ألفاظ القرآن الكريم وتشبيهاته مأخوذة رأسا من كلام العرب في زمن نزول القرآن الكريم. ولا نجد بين أيدينا مصدرا لفهم هذه الألفاظ إلا الشعر العربي، فلا يوجد غيره تقريبا بين أيدينا. وهو مصدر كل ما نعرف عن معاني لغة العرب وأساليبها وتشبيهاتها، وهذا مثال لفائدته الواضحة.
