أتعرف رسم الدار قفرا منازله – طرفة بن العبد – مع الشرح ومعاني الكلمات
شرح ديوان طرفة بن العبد

قصيدة: أتعرف رسم الدار قفرا منازله، لطرفة ابن العبد قصيدة رائعة من ديوانه. يتحدث فيها عن أيام سعيدة كان يعيشها مع حبيبته التي سماها سلمى، وهو غزل مجازي، ربما كناية عن السلامة التي يحن إليها. ذهب إلى اليمن في رحلة خطرة لتأييد عمرو بن أمامة ضد أخيه الملك عمرو بن هند، وخاب مسعاهم فقتل ابن أمامة، وأصبح عمرو بن هند، الملك عمرو بن هند ملك الحيرة، الذي أصبح عدوا لطرفة بن العبد، فقاسى طرفة تبعات ذلك. وعبر عن هذا بوصف قصة حب جميلة لكنها قصيرة وانتهت نهاية مأساوية.
حديث عن الغزل المجازي.
كان شعراء العرب يبدأون القصيدة بغزل مجازي. يعبر عن الحالة العاطفية التي يخبر عنها، فلكي يوصل الشاعر مقصده. يحتاج خلق موقف يماثل فكرته كي نستطيع أن نفهمها، وهنا يمثل صورة حبيبة كان يحلم معها بالسلامة المفقودة بسبب خلافاته مع أقاربه، وينعم معها بالحب والراحة فترة يبدو أنه نسي معها مشاكله قبل أن تعود كوابيسه مرة أخرى. وتنقلب السعادة هما وضيقا وقلقا من مستقبله.
لهذا فالغزل مزدوج المعنى: يصف فيه مشهدا غزليا جميلا في ذاته ويسقط عليه المعنى الأبعد، وهو حياته الكاملة.
قال طرفة ابن العبد:
1- أَتَعْرِفُ رَسْمَ الدَّارِ قَفْرا مَنَازِلُه … كَجَفْنِ اليَمَانِي زَخْرَفَ الوَشْيَ مَاثِلُ
رَسْم: هو الآثار الخافتة، التي ليس لها أثر بارز.
قَفْر: مكان فارغ لا زرع فيه ولا ماء ولا حياة.
مَنَازل: مراحل السفر، يقصد الأماكن المختلفة حول ديار حبيبته.
الجَفْن: هو غمد السيف، غطاء الذي يوضع السيف داخله.
المَاثِل: الجزء الظاهر الخارج من الأرض.
هذا سؤال يوجهه إلى نفسه، هل تستطيع تمييز معالم ديار الحبيبة؟ أصبحت كالرسوم البالية والآثار. كأنها الزخارف تظهر خافتة على جفن السيف.
والديار لا يقصد بها أماكن ضيقة محددة كما نعرفها الآن، بل مساحة كبيرة من الأرض حيث تسكن القبيلة بأكملها او تتحرك وراء الأمطار وأماكن الرعي، فكما نعرف لم تكن كثير من قبائل العرب تستقر في نفس المسكن طول العام
إذا يتذكر الشاعر بحسرة الأماكن التي كان يرى فيها حبيبته والتي تحمل آثارها في مخيلته.
وهذا يشبه المعنى الذي قاله في أول بيت أيضا من معلقته الشهيرة، لخولة أطلال ببرقة ثهمد … تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد
2- بِتَثْلِيثَ أَوْ نَجْرَانَ أَوْ حَيْثُ تَلْتَقِي … مِنَ النَّجْدِ فِي قِيعِانِ جَاشٍ مَسَايِلُهْ
تثليث ونجران: مدن في جنوب جزيرة العرب بنفس أسمائها حتى الآن. مر عليها طرفة في رحلة اليمن، وهي بعيدة جدا عن موطن الشاعر شرقا في البحرين على ساحل الخليج.
النجد: الأراضي المرتفعة.
جاش: يجيش الوادي أي يفيض بمياه السيل، المعنى وادٍ يفيض بالماء، واكتفى الشاعر بالصفة.
يصف المواضع التي يذكرها في رحلته لليمن، حيث جرت هذه الأحداث، في تثليث أو نجران أو في قعر واد يجيش بفيضاناته، كما تجيش مشاعر طرفة.
3- دِيَارُ سُلَيْمَى إِذْ تَصِيدُكَ بِالمُنَى … وِإذْ حَبْلُ سَلْمَى مِنْكَ دَانٍ تُوَاصِلُهْ
ديار: دار وديار لا تقصد بها بلدة محددة، بل كل البلاد التي يعيش فيها القوم.
سليمى: تصغير سلمى، اسم حبيبته، والتصير لبيان الدلال والمحبة.
المنى: أي الأماني والأحلام.
هذه الديار في نجران وتثليث والأودية التي حولها هي ديار سلمى، وقد صغر الاسم فدعاها سليمى ليدللها،
كانت سلمى فيها قريبة وكانت تواصله، وتصطاده بالأمنيات والأحلام والتخيالات الجميلة، فشبه نفسه كفريسة يقع بإرادته في فخاخ جمالها.
و يتذكر الأيام التي كان فيها الحب صافيا وكانت أيامهما بكرا ليس فيها منغصات، فاستمتع بلقاء حبيبته لفترة من الوقت.
وحاصل المعنى أن هذه الديار التي كان يشعر فيها بالسلامة والأمن، وكان يتمنى أن يتسمر ذلك للأبد.
4- وَإِذْ هِيَ مِثْلُ الرِّيمِ صِيدَ غَزَالُهَا … لَهَا نَظَرٌ سَاجٍ إِلَيْكَ تُوَاغِلُهْ
الريم: هي الغزلان العربية البيضاء.
ساجٍ: تعني ثابت.
تواغله: أوغل في الشيء دخل فيه عميقا، ومنه توغل الجيش في أرض العدو، أي دخل عمق أراضيه البعيدة.
فيقصد الشاعر أنها تنظر نحوه نظرات عميقة.
يقول وإذ سلمى جميلة كجمال الغزلان العربية البيضاء، وهي أجمل كائن في البيئة العربية. ودائما ما تشبه به الفتيات الجميلات. ملامحه رقيقة وعيونها واسعة.
يقول أن نظرتها له واسعة ومستقرة، مثلما تنظر الريم وهي مذعورة بسبب صيد غزالها. وعندما يخاف الحيوان يفتح عينه على أقصاها فتبدو أجمل، وهذا تشبيه اعتاد عليه العرب لوصف العيون الجميلة الحزينة.
إليك تواغله، أي أنها تنظر إليه عميقا مطولا، كأنها تتفرس فيه وتتوغل داخل روحه.
المعنى الذي يركز عليه، هو نظرتها الواسعة مثل الريم التي صيد غزالها، نظرة عميقة جميلة تتوغل في روح الإنسان.
5- غَنِينَا، وَمَا نَخْشَى التَّفَرُّقَ حِقْبَةً … كِلَانَا غَرِيرٌ نَاعِمُ العَيْشِ بَاجِلُهْ
غَنِينَا: الغنى هو الاستغناء أو عدم الحاجة إلى الآخرين، وتطلق على من حاز المال لأنه استغنى عن الناس، وهنا يقصد أن الحبيبين قد اكتفيا ببعضهما ولم يعودا يريدان شيئا آخر.
حِقْبَة: فترة من الوقت.
غرير: الرجل الذي لم يجرب الأمور، ساذج أو ما ندعوه بقلة الخبرة.
باجل: الناعم الحسن
المعنى أنه عاش فترة من الزمن في هناء مع حبيبته لا يفكر كل منهما إلا في الآخر، كلاهما صغير ساذج، ولم يكونا قد جربا بعد كيف تنقلب الأحوال.
وحاصل المعنى: أنه كان سعيدا قليل الخبرة، لا يحسب حساب تقلبات الزمن.
6- لَيَالِيَ أَقْتَادُ الصِّبَا وَيَقُودُنِي … يَجُولُ بِنَا رَيْعَانُهُ وَنُجَاوِلُهْ
الصِّبا: بكسر الصاد هو الشوق، وهنا فرق بينها وبين ريح الصبا بفتح الصاد وهي ريح لطيفة، تهب على جزيرة
العرب من جهة الشرق .
ريعان: ريعان كل شيء هو أوله، وفترة نشاطه، وأول الحب يكون أجمله.
كان يقضي أيامه في الصبا والحب ويتركه يقوده كما يحلو له، وكان سعيدا خلي البال.
تعبير جميل عن أيامه التي كان يقضيها غارقا في الهوى، يترك لنفسه العنان ليقوده الحب ويقوده ويدور به.
أتكلم هنا عن فائدة صرفية صغيرة تظهر جماليات اللغة العربية، الفرق في المعنى بين يجول ويجاول، عندما
يتغير وزن الفعل العربي، فإن المعنى يتغير معه، يجَاول على وزن يفَاعل، والذي يعطي دلالة عن طول المدة
التي حدث فيها الفعل مع الاشتراك فيه بين الطرفين.
مثال آخر: عندما نقول قَتَل، فهو يصف الفعل، ولكن قَاتل، تعني أن طرفين تشاركا الفعل لفترة من الوقت،
فقد استمر كل منهما في قتال الآخر لفترة، أما قَ ت ل بالتشديد تعني شدة الفعل، أي أن طرفا منهما قتل الآخر
تقتيل شديدا، هذا باب في الصرف يسمى دلالات الأوزان الصرفية، وهو يظهر المقدرة العالية للغة العربية على
التعبير والاشتقاق.
يجول بنا ريعان الشباب، كأن الشباب يتجول بهم في النعيم، يريهم شيئا جديدا كل يوم ويتقلبان معه، نجاوله
يعني أننا استجبنا له وشاركناه الحدث، فهما أيضا يتجولان ويعيشان أفضل أوقاتهما.
فصل:
بعد أن تحدث عن ذكرياته في الأبيات السابقة، يعود بنا إلى حاضره، ويصف لنا كيف يشتاق إلى تلك الأيام وكيف أصبح ماضٍ يفكر فيه ويزوره خيال حبيبته.
7- سَمَا لَكَ مِنْ سَلْمَى خَيَالٌ وَدُونَهَا … سَوَادُ كَثِيبٍ عَرْضُهُ فَأَمَايِلُهْ
سَمَا: يعني تصاعد بلطف، أو تصاعد تدريجيا.
خَيَالُ: الخيال عند العرب كان العرب يظنون
دُونَها: قبلها.
سواد كثيب: الكثيب هو التل الكبير يجحب ما وراءه.
يقول طرفة أنه افترق الآن عن سلمى، وأصبح خيالها أو طيفها يزوره، وهو تعبير عن تفكيره فيها، فكأنه يستحضر خيالا شفافا لها يزوره ويأتي إليه.
يقول أنه الآن بعدما أصبح بعيدا زاد تفكيره فيها، وازداد تعلقه بها رويدا رويدا،. ولكن بينه وبين السلامة مسافات شاسعة.
يقف في وجهه الآن كثيب رمل كبير يسد عليه الأفق في اتجاه بلادها، بعرضه الكبير ومنحدراته، فإذا أراد وصالها عليه أولا الالتفاف حول هذا العملاق الرملي الذي يسد عليه الأفق، تصوير بديع منه لمدى حجم الحواجز التي أصبحت تفصل بينه وبينها.
8- فَذُو النِّيرِ فَالأَعْلَامُ مِنْ جَانِبِ الحِمَى … وَقُفٌّ كَظَهْرِ التُّرْسِ تَجْرِي أَسَاجِلُهْ.
ذو النير والأعلام أسماء أماكن، والأعلام أيضا هي الجبال.
جانب الحمى: الحمى ربما يشير بها إلى مكان محدد أو أرض الملك وحِماه، الأرض الخاصة به.
القف: ظهر الأرض وما ارتفع منه.
أساجل: الأدوية ومجاري الماء.
يعدد طرفة أسماء الأماكن التي تفصله عنها الآن، وهذه الزيادة والتعديد غرضه أن يشعرك بحجم المسافات والعوائق الحالية. فهناك مكان يدعى ذو النير، ثم الأعلام التي يمكن أن تكون الجبال في نجد وما حولها، من ناحية حمى الملك وهو في حد ذاته مكان خطر، فهذا الملك هو عدو طرفة ومن قتله في النهاية، وربما يكون قد بدأ في عداءه وقت إنشاء هذه القصيدة، وهناك صحراء شاسعة مرتفعة ظهر الدرع، تجري فيها الأودية الوعرة. كل هذه المعالم قد أصبحت حواجز.
9- وَأَنَّى اهْتَدَتْ سَلْمَى وَسَائِلَ بَيْنَنَا … بَشَاشَةَ حُبٍّ بَاشَرَ القَلْبَ دَاخَلِهْ
أنى: أداة استفهام تفيد الاستنكار أو التعجب، بمعنى كيف يمكن أو من أين؟ تقصد استبعاد حدوث الأمر.
وسائل: جمع وسيلة أي طريقة لمواصلة ما بينهما.
بشاشة: أي من أجل بشاشة الحب: البشاشة هي اللطف وضوء الوجه عند السرور.
باشر القلب: باشر الفعل، أي فعله من غير وساطة .
لم يعد يملك وسائل لمواصلة ذلك الحب الذي سيطر عليهما وتغلغل في قلبه.
10- وَكَمْ دُونَ سَلْمَى مِنْ عَدُوٍّ وَبَلْدَةٍ … يَحَارُ بِهَا الهَادِي الخَفِيفُ ذَلَاذِلُهْ
الهادي: الدليل الذي يهدي القافلة إلى الطريق ، أي هو الخبير المرشد الذي يعلم الطرق.
الذلاذل: هي أسفل القميص الطويل، الطبقات المتثنية من الثوب، وخفيف الذلاذل، هو مثل يقال للسرعة
والخفة في الحركة، لأن أسفل الثوب يتطاير مع الهواء.
يتحسر على مقدار المسافة بينه وبينها الآن، هناك أعداء في الطريق ، ربما تكون أرض حمى الملك أو أي قبيلة من القبائل التي لا تتوقف عن الحرب والتي تجعل عبور جزيرة العرب من شرقها إلى غربها شيئا أقرب إلى الخيال
وهناك بلاد كثيرة تصيب أكتر متقفي الطرق خبرة بالحيرة والتشتت فلا يعلم كيف يتجه
11- يَظَلُّ بِهَا عَيْرُ الفَلَاةِ كَأَنَّهُ … رَقِيبٌ يُخَافِي شَخْصَهُ وَيُضَائِلُهْ
العير: هي حمير الوحش خاصة وتطلق أيضا على حيوانات الركوب.
الفلاة: هي الأرض الواسعة المقفرة.
الرقيب: هو الرجل الذي يراقب الطريق ويترصد، وهو يحاول أن يتخفى كي يراقب بدون أن يراه أحد.
يخافي: تجعل الصحراء العير مخفيا لاتساعها.
يضائله: تجعله يبدو ضئيل الحجم.
هذه الصحراء شاسعة جدا لدرجة أن الحيوانات الضخمة تبدو ضئيلة الحجم جدا في امتدادها الشاسع. فهي تظل خافتة وغير ملحوظة في الأفق كانها رقيب، يتعمد إخفاء نفسه كي لا يرى
إذا يريد طرفة أن يلفت نظرنا إلى الاتساع الشاسع لهذه الصحراء لدرجة أن الحيوانات الكبيرة لا تكاد ترى.
12- وَمَا خِلْتُ سَلْمَى قَبْلَهَا ذَاتَ رُجْلَةٍ … إِذَا قَسْوَرِيُّ اللَّيْلِ جِيبَتْ سَرَابِلُهْ
ما خِلت: لم أكن أظن.
رجلة: ذات قوة وجلد
قسوري الليل: معظمه وأشد أوقاته ظلمة.
جيبت سرابله: لبست قمصانه حالكة السواد
يقول لم أكن أظن أن سلمى ستستحوذ على عقلي بهذه الصورة، ولكنه ذكر هذا المعنى بطريقة فنية رائعة، يقول لم أكن أظن أن خيال سلمى قوي يقدر على قطع المسافات والوصول إلى في هذا الليل حالك السواد.
13- وَقَدْ ذَهَبَتْ سَلْمَى بِعَقْلِكَ كُلِّهِ … فَهَلْ غَيْرُ صَيْدٍ أَحْرَزَتْهُ حَبَائِلُهْ؟
يقرر أن سلمى ذهبت بعقله تماما، ويقرر كذلك أن هذا نتيجة حتمية، فهو كالصيد الذي وقع في الحبائل الممتدة، كل الفترة التي مضت معها كانت مقدمة، أتت بالنتيجة الوحيدة الحتمية وهو وقوعه في حبائل هذا الحب حتى أصبح مكبلا به.
ماذا كنت تظن وأنت تلهو معها في تلك الايام، فلست إلا صيدا أوقعت نفسك. فلا تلومن إلا نفسك الآن.
14- كَمَا أَحْرَزَتْ أَسْمَاءُ قَلْبَ مُرَقِّشٍ … بِحُبٍّ كَلَمْعِ البَرْقِ لَاحَتْ مَخَايِلُهْ
أحرز: أحرز الشيء أي حصل عليه.
لاحت: ظهرت.
مخايله: علاماته.
أخذت سلمى قلب طرفة واستحوذت عليه، كما حازت أسماء على قلب المرقش من قبل، فجعل قصة المرقش مثلا.
أخذته بحب له لمعان كضوء البرق اللمع، ظهرت علماته من بعيد للمسافر في الصحراء فنزل سلما على قلبه، لأن البرق
علمة المطر، علمة الخير للعربي.
البرق والسحاب الممطر هو علامة الخير، وبشرى لتوفر الماء والكلأ الذي تعتمد عليه القطعان، عندما يشبه
طرفة الحب بلمعان البرق فهو يعني قوة هذا الحب والفرحة بالخير الذي سيأتي به.
15- وَأَنْكَحَ أَسْمَاءَ المُرَادِيَّ يَبْتَغِي … بِذَلِكَ عَوْفٌ أَنْ تُصَابَ مَقَاتِلُهْ
أنكح: أي زَوَّجها له.
أسماء: هي حبيبة المرقش.
المرادي: رجل من بني مراد اسمه عمرو بن العزيل .
مقاتله: المواضع التي يقتل منها، أي كما نسميها الآن، نقاط ضعفه .
ولكن أبا أسماء، زوجها لشخص من بني مراد بدلا من المرقش الذي حصل على الوعد. كأنه يريد عامدا أن
يضرب المرقش في صميم قبله، طرفة يتهمه أنه فعل ذلك عامدا، أو كأنه حكم عليه بالإعدام بفعلته هذه.
16- فَلَمَّا رَأَى أَنْ لَا قَرَارَ يُقِرُّهُ … وَأَنَّ هَوَى أَسْمَاءَ لَابُدَّ قَاتِلُهْ
قرار: المستقر الثابت.
عندما كان المرقش في خدمة الملك في العراق، كان يتحرق شوقا لرؤية أسماء، ولما لم يستطع التحمل أكثر، وكان حب أسماء يقتله. ترك الملك في العراق عائدا إليها.
عبر عنها طرفة بتعبير لا قرار يقره، أي أنه لا يهدأ ولا يثبت في مكانه كالشيء المتقلب أو الذي يغلي من داخله.
17- تَرَحَّلَ مِنْ أَرْضِ العِرَاقِ مُرَقِّشٌ … عَلَى طَرَبٍ تَهْوِي سِرَاعًا رَوَاحِلُهْ
الطرب: الهيجان ، من الفرح كالخفة مع السعادة، أو من الحزن والقلق أيضا. كل هيجان للقلب هو طرب.
رواحله: جمع راحلة، حيوانات السفر.
حمل المرقش نفسه على العودة من أرض العراق. عائدا إلى اليمن قلقا. يمني نفسه بالسعادة مع الفتاة التي يعشقها والتي اتفق مع أبيها، كان فرحا سعيدا، ساذجا يسرع في السير كأنه ينحدر نحوها بفعل الجاذبية.
18- إَلَى السَّرْوِ أَرْضٍ سَاقَهُ نَحْوَهَا الهَوَى … وَلَمْ يَدْرِ أَنَّ المَوْتَ بِالسَّرْوِ غَائِلُهْ
السرو: هو سرو حمير من أرض اليمن، أي البلد المرتفعة من أرض حمير، السرو تحديدا هو ما ارتفع من
الوادي وانحدر من سفح الجبل
غائله: مهلكه ، الغائلة هي المصيبة أو الشر، واغتاله أي أخذه بغتة من حيث لا يدري.
المعنى واضح: انحدر سريعا إلى أرض حمير في اليمن، أرض ساقه نحوها الحب، ولم يكن يدري بالخطر، ولم
يكن يعلم أن الموت سيختطفه هناك.
19- فَغُودِرَ بِالفَرْدَيْنِ أَرْضٍ نَطِيَّةٍ … مَسِيرَةَ شَهْرٍ دَائِبٍ لَا يُوَاكِلُهْ
الفردين: اسم أرض .
نطية: بعيدة، سفر منطو أي بعيد. نطوت الحبل: أي مددته، ونطا المنزل أي بعد.
يواكله: لا يضعف ولا يكل، وا كلت الدابة أي أساءت السير.
عندما علم المرقش بزواج أسماء، جون جنونه، وعزم على الخروج لها ليراها حتى لو تزوجت، لأنه لا يتحمل أن
يبقى بعيدا دون أن يراها ويفهم منها ما حدث.
تروي القصة أنه ذهب مع عَبد له وزوجة ذلك العبد، وسافر لمدة شهر كامل بلا كلل، يرهق نفسه ليصل لها، ولكنه مرض في الطريق، بالطبع بسبب الهم والذل الذي لحق به.
وعندما رآه العبد ميتا لا محالة أهمله لتيقنه أنه سيموت بعد قليل، تركه في أحد الكهوف ليموت بلا رعاية، غودر وترك
في ذلك الكهف وهكذا مات المرقش، ولكنه قبل أن يموت دس رسالة في الأمتعة كتب فيها ما حدث، وعندما
عاد العبد ، قال لهم أنه مات، ولكن وجد أخوه الرسالة بين الأمتعة فعلموا قصة ما حدث له.
20- فَيَالَكَ مِنْ ذِي حَاجَةٍ حِيلَ دُونَهَا … وَمَا كُلُّ مَا يَهْوَى امْرُؤٌ هُوَ نَائِلُهْ
يا لك من كذا: هو أحد أساليب التعجب، يا لك من شجاع، يشيد بالشجاعة، يشير إلى المرقش بأشهر ما عرف
عنه وهو شدة حاجته إلى حب أسماء.
حيل: حال معناها حجز بين شيئين، حال دون كذا أي منعه، وحيل هي صيغة المبني للمجهول من الفعل.
نائله: الحصول عليه، ينال الشيء أي يحصل عليه.
يتعجب طرفة من مأساة عمه المرقش ومن شدة حبه الذي لم يحصل عليه، ولكن هذا حال الدنيا، لا يحصل
فيها كل شخص على ما يريد، وهذا حال طرفة أيضا الذي لم تستقم له أيامه في اليمن.
21- لَعَمْرِي لَمَوْتٌ لَا عُقُوبَةَ بَعْدَهُ … لِذِي البَثِّ أَشْفَى مِنْ هَوًى لَا يُزَايِلُهْ
لعمري: يقسم بحياته، هو أسلوب قسم متكرر عند العرب الجاهليين.
ذي البث: يقصد بها الحزن، صاحب البث، هو الرجل الذي يمتلئ صدره بالحزن أو بما يشعر به، فيبثه شعرا،
لأن الإنسان يعبر عما يجده بقول الشعر ومشاركته مع الآخرين.
لا يزايله: لا يتركه.
يقسم أن الموت الذي لا يعقبه شيء، أرحم للرجل من مثل هذا الحب المعذب الذي لا يغادر الإنسان. وكما
كان يظن طرفة فلم يكن يرى حياة بعد الموت، او أنه لم يكن مهتما بأمور الحياة الآخرة، وهذا يفهم أكثر من
معلقته .
يقسم أن المحب إذا مات ، سيرتاح من هذا الهوى المعذب، ولكن بقاؤه حيا هو بمثابة عقوبة مستمرة وعذاب
للرجل. فالأفضل له في هذه الحالة أن يموت.
22- فَوَجْدي بِسَلْمَى مِثْلُ وَجْدِ مُرَقِّشٍ … بِأَسْمَاءَ إِذْ لَا تَسْتَفِيقُ عَوَاذِلُهْ
وجدي: الوجد هو ما يجده الإنسان في قلبه من حزن أو فرح.
تستفيق: الفَيقَة، هي اللبن الذي يتجمع بين الحلبتين، تستفيق، يعني تترك له وقتا كوقت الفيقة.
عواذله: حساده.
ما يجده طرفة في قلبه من الحزن على سلمى مثلما وجده المرقش قبل ذلك، عندما كان حساده لا يتركون له
لحظة هناء، أي أنه كان معذبا بشماتة حساده طول الوقت، لا يرتاح للحظة.
إذا، قص علينا طرفة قصة عمه المرقش ليتخذها مثل وليعقد هذه المقارنة، يصور بها حجم حزنه.
23- قَضَى نَحْبَهُ وَجْدًا عَلَيْهَا مُرَقِّشٌ … وَعُلِّقْتُ مِنْ سَلْمَى خَبَالًا أُمَاطِلُهْ
قضى نحبه: نحب الرجل: أي نذر على نفسه نذرا، أي أوجب على نفسه أمرا من الأمور.
قضى نحبه تعني مات، استوفى أجله، لأن الموت واجب على الجميع، وسوف يوفونه في مرحلة معينة.
خبال: هو اختلال العقل، نقول هذا الرجل مخبول، أي ناقص العقل مجنون، وهو أيضا النقصان والهلك
أماطله: يسوفه، أي يحاول تأخيره.
لقي مرقش قدره واستوفى اجله من شدة حزنه على أسماء والإهانة التي لحقت به، أما طرفة، فيشعر أنه
يمضي في نفس الطريق، وأن حزنه على سلمى سوف يصيبه بالجنون المؤكد، ولكنه يماطل ويؤخر القدر
المحتوم.

