
قال عمرو بن كلثوم هذه المعلقة اعتراضا على مقتل سبيعن شابا من بني تغلب كانوا في حماية الملك عمرو بن هند، ويندد بانحياز الملك عمرو بن هند إلى خصومه من قبيلة بكر، ويهدد الملك وخصومه ثم يفخر بقومه فخرا بالغا مدويا.
________________________________________________
الفصل الأول: مقدمة خمرية وغزلية قصيرة.
________________________________________________
قال عمرو بن كلثوم:
1- أَلَا هُبِّي بِصَحْنِكِ فَاصْبِحِينَا … وَلَا تُبْقِي خُمُورَ الأَنْدَرِينَا
ألا: حرف تنبيه.
هبي: استيقظي من نومك، قومي.
صحنك: قدح الشراب الكبير.
اصبحينا: اسقينا شراب الصباح، والصَّبُوح هو شراب الصباح.
الأندرينا: مدينة في الشام تصنع فيها الخمور.
ينادي خادمته أو صاحبة له أن تقوم من النوم بصحنها وأن تأتي له بخمر الصباح ليشرب، ويطلب منها ألا تترك خمور الأندرين وأن تأتيه به.
وهو من باب البدء بذكر المرأة والغزل المجازي المعتاد في بداية القصائد العربية لفتا لانتباه السامع.
2- مُشَعْشَعَةً كَأَنَّ الحُصَّ فِيهَا … إِذَا مَا المَاءُ خَالَطَهَا سَخِينَا
مشعشة: يلمع عليها شعاع الضوء، وهي صفة الخمر لها لمعان، وقيل هي الخمر الممزوجة بالماء.
الحُص: وهو الورس نوع من البهار له لون أصفر ذهبي، يضاف للخمر.
سخين: طعام عند العرب وكانت قريش مشهورة به، يتخذ من دقيق وسمن وله لون أبيض.
يصف الخمر بأنها لامعة، ومضاف عليها الورس الذي يجعلها ذهبية، وعندما تمتزج بالماء يصبح الورس فيها أبيض مثل السخين.
والخمر العربية المركزة تسمى صِرفة، وتكون مائلة للإحمرار وثقيلة جدا فلا تشرب إلا بعد مزجها بالماء لتخفف ويتغير لونها تبعا لذلك، وهذا هو معنى البيت.
3- تُجُورُ بِذِي اللُّبَانَةِ عَنْ هَوَاهُ … إِذَا مَا ذَاقَهَا حَتَّى يَلِينَا
تجور: تميل به لقوتها.
ذي اللبانة: صاحب الحاجة.
يلين: يستحي ويتلطف.
يقول أنها قوية تعدل مزاج الرجل الحزين صاحب الحاجة، فإذا ذاقها وشرب منها قليلا لان طبعه وسمح ونسي حاجته.
4- تَرَى اللَّحِزَ الشَّحِيحَ إِذَا أُمِرَّتْ … عَلَيْهِ لِمَالِهِ فِيهَا مُهِينَا
اللحِز: البخيل ضيق الصدر.
الشحيح: شديد البخل.
أُمِرَّت: مرت عليه أثناء دورانها.
مهينا: يسرف في ماله بلا حساب.
يقول أن أبخل البخلاء لا يقوى على مقاومتها وهذا لجمالها، فإذا مرت أمامه ورآها مع الساقي أخرج أمواله وأنفق منها بلا حساب ليحصل عليها. والبيت يصور شدة ولع العرب قديما بالخمر، وكانوا كذلك قبل الإسلام.
5- وَكَأْسٍ قَدْ شِرِبْتُ بِبَعْلَبَكٍّ … وَأُخْرَى فِي دِمشْقَ وَقَاصِرِينَا
بعلبك، ودمشق، وقاصرين: كلها مدن كبيرة في الشام.
لم يرو الجميع هذا البيت، يشير إلى أماكن كثيرة شرب في الخمر، ويحن إلى بعض ماضيه وأيامه ويعددها.
7- صَبَنْتِ الكَأْسَ عَنَّا أُمَّ عَمْرٍو … وَكَانَ الكَأْسُ مَجْرَاهَا اليَمِينَا
صبنت: أبعدت.
اليمين: فيها دلالة على الحق والعدل.
يقول للساقية ويناديها: أنك أبعدت عني الشرب وكان حقي أنا أن أشرب الآن، لأنه من يجلس على اليمن في اتجاه توزيع الشراب، كناية عن أنه ظُلم في هذه القسمة.
وهذه الصورة كناية وإسقاط على مجلسه مع الملك وقبيلة بكر، يقول ظلمتنا أيها الملك وأبعدت الشرب عنا، وكان الحق لنا.
8- وَمَا شَرُّ الثَّلَاثَةِ أُمَّ عَمْرٍو … بِصَاحِبِكِ الذَّي لَا تَصْبَحِينَا
ما شر الثلاثة: ما للنفي، أي أنه ليس شر الثلاثة الجالسين.
الثلاثة: يقصد نفسه وقبيلة وبكر والملك.
صاحبك: يقصد نفسه.
يستعجب من الساقية ويلوم عليها، لماذا تحرمه وتسقي غيره؟ فهو ليس أسوأ الثلاثة الحاضرين.
وفي هذا يشير عمرو بن كلثوم إلى جور الملك عمرو بن هند عليه وعلى قبيلته وانحيازه لقبيلة بكر، وهو ما لا يرضاه عمرو بن كلثوم.
9- وإِنَّا سَوْفَ تُدْرِكُنَا المَنَايَا … مُقَدَّرَةً لَنَا وَمُقَدِّرِينَا
تدركنا: تلحقنا
المنايا: الموت والمصائب.
يسلم بالقدر وبما سيحدث معه، يقول لخصموه على سبيل العتاب، وإذا كانوا يريدون الحرب فسيحارب بشجاعة، لأن ما كتب قد قدر وسيحدث.
_________________________
فصل في وداع الحبيبة
_________________________
يتحدث عن حبيبة يكني بها عن فراق السلم والحياة القديمة والافتراق بينه وبين أولاد عمه من بكر، قبل الدخول إلى المعارك.
10- قِفِي قَبْلَ التَّفَرُّقِ يَا ظَعِينَا … نُخَبِّرْكِ اليَقِينَ وَتُخْبِرِينَا
ظعينة: هي المرأة المسافرة والمرأة بوجه عام.
اليقين: الأمر الأكيد الذي لا شك فيه.
ينادي امرأة مسافرة يخاطبها قبل أن تفارقه، وهو إسقاط أو بديل موضوعي عن الافتراق عن قبيلة بكر، يقول لها قفي قبل أن نفترق لنتحدث ولأخبرك الخبر الأكيد لما حدث.
10- قِفِي نَسْأَلْكِ: هَلْ أَحْدَثْتِ صَرما … لِوَشْكِ البَيْنِ أَمْ خُنْتِ الأَمِينَا؟
صرما: الصرم، الإبعاد. صرمه أي أبعده وقطعه.
وشك البين: الفراق القريب بيننا.
خنت الأمينا: يقصد نفسه وقبيلته أصحاب الأمانة.
يقول لها قفي لأسألك، هل أنت السبب في الفراق الوشيك بيننا أم أنك خنت الأمانة وعزمت على الشر؟
كأن هذا الكلام إسقاط على بني عمومته قبيلة بكر. فهم الذين يريدون الافتراق بإصرارهم على المشاكل كما يتهمهم بخيانة الأمانة.
11- بِيَوْمِ كَرِيهَةٍ ضَرْبًا وَطَعْنًا … أَقَرَّ بِهِ مَوَالِيكِ العُيُونَا
كريهة: الشدة في الحرب، يوم الحرب والمصيبة.
أقر العين: أرضاه وأعجبه.
مواليك: أقاربك. يقصد نفسه.
والمعنى أننا صبر في الحرب وأيامها وأننا نعجبك إذا حاربنا، كأنه تحذير مبطن وسخرية، كأنه يذكرهم ويتوعدهم بالمزيد، مع أنه لم يسم اليوم والمعركة، لكنه تهديد مبطن عام.
12- وإِنَّ غَدًا وَإِنَّ اليَومْ رَهْنٌ … وَبَعْدَ غَدٍ بِمَا لَا تَعْلَمِينَا
رهن: هو أن يربط المرء سلعة ضمانة بسداد مبلغ من المال، فإذا سدده أعاد الرهن والضمان، وإذا لم يدفع المال أخذ صاحبه الضمانة. والمرهون بالشيء أي المرتبط به.
يعني أن المستقبل القريب وما يحدث اليوم مرتبط بما سنفعل الآن، أما بعد ذلك في المستقبل فلا أحد يعلم ما سيدور بيننا وبين بكر.
___________________
فصل من الغزل
___________________
يحن الشاعر إلى الأيام السابقة ومتعها، ويمثل ذلك بحبية سابقة كان يتمتع معها، ونلاحظ أن وصفه لها فاحش ولهذا لن نتوسع فيه، فلم ينظر لها بمشاعر حب بل بمتعة جاهلية. وربما تعمد الحديث عنها بهذه الطريقة سخرية من خصومه، وفي النهاية سيفقد تلك الحبيبة وسيحزن عليها حزنا بالغا لا مثيل له.
13- أفي لَيْلَى يُعَاتِبُنِي أَبوها … وَإخْوَتُهَا وَهُمْ لِي ظَالِمَونَا؟
يعاتبي: يراجع ويلوم.
المعنى: يستنكر أن يعاتبه أبو المرأة وإخوتها لأنه شنع بها وتغزل غزلا فاحشا، ويقول أنهم يظلمونه لأنه يحبها، والحقيقة أن وصفه لها حسي فيبدو أنه يسخر منهم، وإذا قبلنا بتفسير الغزل على أنه إسقاط للواقع، فهو يسخر من قبيلة بكر.
وهذا البيت غير موجود في كل الروايات، ولذا وجب التنويه.
13- تُرِيكَ إِذَا دَخْلَتَ عَلَى خَلَاءٍ … وَقَدْ أَمِنَتْ عُيُونَ الكَاشِحِينَا
خلاء: موضع يخلو من المتلصيين.
الكاشحين: الحادقين الكاسحين. الكشح هو الصدر، والكاشح من يحمل في صدره الحقد.
يقول أن حبيبته تريه ما يشتهي عندما يكونان معا دون مضايقة الحاسدين المتلصصين.
هل يقصد بهذا الفصل أنه كان على ما يرام مع حبيبته قبل أن يتدخل الحقدة بينهم أمثال عمرو بن هند؟ ربما، هذا تساؤل خطر في بالي وأنا أفكر في هذه الأبيات.
14- ذِرَاعَي عَيْطَلٍ أَدْمَاءَ بَكْرٍ … هِجَانَ اللَّوْنِ لَمْ تَقْرَأْ جَنِينَا
عيطل: الشابة القوية
أدماء: الجلد الناعم.
بكر: صغيرة السن لم تتزوج.
هجان اللون: خالصة اللون صافية، البيضاء الكريمة
تقرأ جنينا: لم تحمل جنينا فيتشوه جلدها وتظهر فيه خطوط الحمل وأخاديده.
يتغزل في بشرة ذراعها النضرة الناعمة ولون بشرتها الصافي وبشرتها النقية الخالية من التجاعيد ونحوه.
15- وَثَدْيَا مِثْلَ حُقِّ العَاجِ رَخْصًا … حَصَانًا مِنْ أَكُفِّ اللَّامِسِينَا
حق العاج: الحُق بضم الحاء، وعاء صغير له غضاء يتخذ من زجاج أو عاج، والعاج عظم الفيل، لونه أبيض مشوب بصفرة.
رخصا: لينا.
حصانا: محصن لا يصل إليه أحد.
هذا وصف جسدي صرف من الغزل الفاحش، ولن نتوسع فيه.
16- وَمَتْنَيْ لَدْنَةٍ سَمَقَتْ وَطَالَتْ … رَوَادِفُهَا تَنُوءُ بِمَا يَلِينَا
متني لدنة: المتن هو ما ارتفع من الأكتاف والظهر. واللدنة هي الناعمة.
سمقت: ارتفعت.
تنوء: يثقل حملها.
يلينا: بما حولها.
يقول أن كتفيتها مرتفعان وناعمان، وجسدها ثقيل بما تحمل، يمحدها بأنها عظيمة الجسد، وكان العرب يحبون هذا.
17- وَمَأْكَمَةٍ يَضِيقُ البَابُ عَنْهَا … وَكَشْحًا قَدْ جُنِنْتُ بِهِ جُنُونَا
مأكمة: المؤخرة.
كشحا: جانب الجسد.
يعجب بأنها عريضة لدرجة أنها الباب ضيق عليها، وقد جن بالانحناءات على جانب جسدها أيما جنون.
18- وَسَارِيَتَيْ بَلَنْطٍ أَوْ رُخَامٍ … يَرِنُّ خَشَاشُ حَلْيِهِمَا رِنِينَا
ساريتي: هي الاسطوانة، يقصد ساقها.
بلنط: حجر كالرخام إلا أنه أقل قسوة، ولونه أبيض.
خشاش: صوت الخشخشة وهو احتكاك المعدن.
ويصف ساقيها بأنها بيضاء كالرخام وكأنها اسطوانتان عليهما حلي وخلاخيل تصدر صوت خشخشة.
19- فَمَا وَجَدَتْ كَوَجْدِي أُمُّ سَقْبٍ … أَضَلَّتْهُ فَرَجَّعَتِ الحَنِينَا
ما: هنا حرف نفي.
وجدت: وجدت في نفسها أي أحست، والوجد هو ما تجده في نفسك أي ما تشعر به.
أم سقب: السقب هو ولد الناقة.
أضلته: أضاعته.
رجعت الحنين: أصدرت صوت الحنين والنداء لولدها وظلت تكرره وترجعه كثيرا.
تحزن الإبل جدا إذا مات ابنها أو ضاع، فتظل تنادي عليه وتحن له أياما كثيرة بصوت حزين يثير المشاعر، وهذا من صفاتها المعروفة ويضرب بها المثل.
يقول عمرو بن كلثوم أن هذه الناقة لم تحزن على فراق ابنها مثلما حزن هو على فراق حبيبته، وأنه حزنه أعظم من حزن الناقة على ابنها.
20- وَلَا شَمْطَاءُ لَمْ يَتْرُكْ شَقَاهَا … لَهَا مِنْ تِسْعَةٍ إِلَّا جَنِينَا
شمطاء: المرأة التي شاب شعرها، أي كبيرة في السن.
شقاها: تعبها في شهور الحمل.
جنينا: الجنين هو المخفي، والطفل في بطن أمه جنين لأنه مخفي داخلها، وفي القبر أيضا لأنه يختفي فيه.
ولم تحزن كحزني امراة كبيرة في العمر، وبعد تعب تسعة أشهر مات وليدها فوضع في القبر، ولن تلد ثانية لأنها أصبحت كبيرة وابيض شعرها، فهي شديد الحزن لأنها فقدت فرصتها الأخيرة. وحزن عمرو بن كلثوم على فراق حبيبته أكثر من حزن هذه الأم.
21- تَذَكَّرْتُ الصِّبَا وَاشْتَقْتُ لَمَّا … رَأَيْتُ حُمُولَهَا أُصُلًا حُدِينَا
الصبا: أيام الشباب.
حمولها: أغراض.
أصلا: وصت الأصيل، من بعد العصر إلى المغرب، وفيه كناية عن الخفوت والغروب.
حدينا: سُقن خلف السائق أو قائد القافلة، وهو الحادي الذي يقود القافلة وهو يحدو، أي يدندن ويغني.
هاجت عليه ذكريات الشباب واشتاق لها لما رأى الحبيبة تغادر قبل الغروب خلف قائد القافلة، كناية عن ذهاب الأيام السعيدة، أما الآن فأمامه الحرب.
22- فَأعْرَضَتِ اليَمَامَةُ وَاشْمَخَرَّتْ … كَأَسْيَافٍ بِأَيْدِي مُصْلِتِينَا
أعرضت: ظهرت بارزة بالعرض تملء الأفق.
اليمامة: أقليم بوسط الجزيرة، وفيه جبال وقمم عالية.
اشمخرت: طالت وارتفعت. ويقال اشمخر الرجل تكبرا، أي على وانتفخ.
أسياف: جمع سيوف.
مصلتينا: سيف مصلت أي لامع مرفوع في يدي صاحبه، أي قوم يرفعون سيوفهم اللامعة.
ظهرت له قمم جبال اليمامة مرتفعة مثل السيوف أيدي أصحابها، بارزة مصلطتة في وجهه، نذيرا بالحرب القادمة.
____________________________________
فصل تهديد الملك وقبيلة بكر:
____________________________________
التهديد هو الغرض الأساس من القصيدة، مهد له بتعرضه للظلم في توزيع الخمر وتفويت دوره ثم حزنه البالغ على حبيبته التي غادرته بعدما قطعت أواصر القربى، وسيستمر في الفخر والتهديد إلى آخر القصيدة، فكل القصيدة حتى النهاية هي غضب متصاعد متأجج.
غَضِب عمرو بن كلثوم لِما رآه تحيزا من الملك عمرو بن هند لصالح قبيلة بكر، فقد حكم بأن بكر ليست مذنبة في مقتل شباب تغلب، ورفض أن يسلم لتغلب الرهائن واكتفى بجز رؤوس رجال بكر، فهاج عمرو بن كلثوم وهدد الاثنين معا.
سنلاحظ أنه هدد بكل قوة وبشجاعة منقطعة النظير لكنه لم يقل أبدا أنه قتل الملك، لا في هذه القصيدة ولا غيرها، فكل ما حدث هو رفضه القاطع للظلم ولتحيزه لبكر كما يرى هو الأمر.
وقد حمل الناس معاني القصيدة بأكثر مما تحتمل، فجزموا أن عمرو بن كلثوم قتل عمرو بن هند وهو ما لم تقله القصيدة. ربما بسبب الفوران البالغ الذي تثيره القصيدة فحدثت مبالغات تضيع الحقيقة بينها. والقصيدة رائعة دون هذه المبالغات التي لحقت بها، فشجاعته وجرأته بالحق تستحق التقدير، وغضبه العارم ما زال قادرا على التأثير بكل قوة بعد مرور كل هذه السنين، القصيدة رائعة ومأثرة دون الزيادات التي ألقيت عليها.
23- أَبَا هِنْدٍ فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْنَا … وَأَنْظِرْنَا نُخَبِّرْكَ اليَقِينَا
أبا هند: يخاطب الملك عمرو بن هند، وسمي كذلك تبعا لأمه تفريقا عن أخيه غير الشقيق، عمرو بن أُمامة.
تعجل علينا: يعجل أي يسرع في الأمر قبل أوانه.
أنظرنا: أمهلنا واصبر.
اليقين: الأمر المؤكد الذي لا شك فيه.
يخاطب الملك بسخرية، كأنه يقول اهدأ يا أبا هند واربع على نفسك قبل أن تتهور في الحكم والكلام. وانتظر مني لأخبرك الأمر المؤكد من قوتنا. كي تكون على بينة من أمرك ولا تندم بعد ذلك.
24- بِأَنَّا نُورِدُ الرَّايَاتِ بِيضًا … وَنُصْدِرُهُنَّ حُمْرًا قَدْ رَوِينَا
نورد: الإيراد هو دخول الماشية لتشرب الماء.
الرايات: الأعلام.
الإصدار: إخراج الدواب من مورد الماء بعد الشرب.
روينا: شربن حتى امتلأت بطونها.
المعنى أننا ندخل المعارك بأعلامنا وهي بيضاء فنسقيها من دم أعدائنا ولا نخرج بعد أن ترتوي من دماءهم، شبه الأعلام التي تشرب الدم بالدواب التي تشرب الماء، وهو تشبيه غاية في الروعة من البيئة العربية، وتحذير مباشر للملك وجلسائه.
25- وَأَيَّامٍ لَنَا غُرٍّ طِوَالٍ … عَصَيْنَا المَلْكَ فِيهَا أَنْ نَدِينَا
أيام: الأيام هي المعارك، والعرب تسمي معركة كذا بيوم كذا.
غر: بيضاء، ويكنى به عن الشرف والرفعة، فيقال: بيض الله وجهك.
الملك: أي الملوك.
ندين: نخضع.
و لنا أيام طوال كثيرة ناصعة البياض من الشرف، كنا نعصي الملوك ولا نتابعهم.
والمعنى أننا لم نخضع لملك قبلك ولن نخضع لك.
26- وَسَيِّدِ مَعْشَرٍ قَدْ تَوَّجُوهُ … بِتَاجِ المُلْكِ يَحْمِي المُحْجَرِينَا
المعشر: العشيرة هي الأقارب الأقربون.
توجوه: أي أمروه وجعلوه ملكا عليهم.
المحجرين: هو اللاجئون المضطرون، والحَجر هو مكان الاحتجاز.
ويحكي عن أحد الرؤساء الذي توجه قومه ملكا عليهم ويتصدر بهم ليحمي الناس، ويسميه صاحب معشر استهانة به، أي أنه ليس إلا سيدا على نفر قليل (مثلك) وكان يظن نفسه ملكا.
ويكمل المعنى في البيت التالي.
27- تَرَكْنَا الخَيْلَ عَاكِفَةَ عَلَيْهِ … مُقَلَّدَةً أَعِنَّتَهَا صُفُونَا
الخيل: كناية عن الفرسان، أي تركنا فرساننا.
عاكفة: لازمة له ومقيماة بجواره.
مقلدة أعنتها: موضوع عليها الأعنة، وهي السرج واللجام ونحوه، أي أنها جاهزة للانطلاق.
صفونا: الخيال الصافنة هي المسترخية، والخيل لا ترقد على الأرض لكنها تنام واقفة وترفع إحدى أرجلها فتقف على ثلاث.
أخذنا ذلك الملك أسيرا وجعلنا الخيل تحرسه وهي متراخية لكن عليها الأعنة جاهزة لتخرج من جديد، وقد يكون المعنى أنها قتلته وتراخت حول جثته، وفي جميع الأحوال فإنه يقصد أنهم يقهرون الملوك ويحذر عمرو بن هند أنهم يقدرون على غيرهم.
ويلاحظ أن عمرو بن كلثوم لا يسمي هؤلاء القوم الذي هدد بهم الملك، وهذه عادته في القصيدة، فهو يهدد لكن لا يحدد أسماء ولا يسمي وقائع إلا نادرا.
28- وَأَنْزَلْنَا البُيُوتَ بِذِي طُلُوحٍ … إِلَى الشَّامَاتِ تَنْفِي المُوعِدِنَا
أنزلنا البيوت: نزلنا ببيوتنا، أي أتوا ليقيموا ويأخذوا المكان.
ذي طلوح والشامات: مواضع.
ننفي: نبعد ونطرد.
الموعدينا: من كانوا يتوعدوننا بالتهديد.
يقول أننا أتينا بأهلنا ونزلنا ببيوتنا في هذه المواضع، وطردنا عنها من كانوا يهددوننا فنفيناهم وأخذنا بلادهم.
29- وَقَدْ هَرَّتْ كِلَبُ الحَيِّ مِنَّا … وَشَذَّبْنَا قَتَادَةَ مِنْ يَلِينَا
هرت الكلاب: أي صوتت وهربت.
شذبنا القتادة: القتاد شجر صلب خشن له أشواك مؤذية، وشذبه أي نعمه وأزال أشواكه. وهذا مثل: شذب قتادة شخص أي طوعه وهزمه.
يلينا: من يجاورنا من الأعداء.
يقول أن كلاب الحي قد صوتت وهربت لما رأتنا، كناية عن خوفهم، وكسرنا شوكة أعداءنا المجاورين، فكفوا واستكانوا بعدما كانوا يهددون.
30- مَتَى نَنْقُل إِلَى قَوْمٍ رَحَانَا … يَكُونُوا فِي اللِّقَاءِ لَهَا طَحِينَا
متى: أداة شرط.
رحانا: الرحى هي مطحنة الحبوب، ويقصد آلة حربهم، فهم يطحنون الأعداء كما تفعل الرحى.
طحينا: القمح المطحون.
متى ننقل آلة حربنا ونأتي بجيشنا إلى موضع قوم فإنهم يكونون ضحايا لنا، نطحنهم ونفعل بهم كما تفعل الرحى بالطحين، فندكهم ونمزقهم شر ممزق.
31- يَكُونُ ثِفَالُهَا شَرْقِيَّ نَجْدٍ … وَلُهْوَتُهَا قُضَاعَةُ أَجْمَعِينَا
ثفال: هو الجلد أو القماش الذي يوضع تحت الرحى لينزل عليهم الدقيق المطحون.
نجد: إقليم نجد في وسط الجزيرة.
لهوة: القبضة من القمح توضع في الرحى لتطحن.
قضاعة: قبيلة من العرب.
يقول أن كل شرق نجد هي أرض لنا نفعل بها كالثفال للرحى، نطحن كل من في هذه المواضع، وكل قبائل قضاعة لنا كالقبضة توضع في الرحى، أي أننا نغلب كل هذه الأماكن ونطحن قبائلها.
_____________________________
خطاب آخر للملك. وتهديد.
_______________________
32- نَزَلْتُمْ مَنْزِلَ الأَضْيَافِ مِنَّا … فَعَجَّلْنَا القِرَى أَنْ تَشْتُمُونَا
القِرى: إكرام الضيف وطعامه.
تشتمونا: الشتم هو السب وذكر الإنسان بما يكره.
يقول أنك عندنا بمنزلة الضيف وسوف نستعجل لك الإكرام كي لا تعيبنا وتسبنا بين العرب، وهذا استهزاء من عمرو بن كلثوم.
33- قَرَيْنَاكُمْ فَعَجَّلْنَا قِرَاكُمْ … قُبَيْلَ الصُّبْحِ مِرْدَاةً طَحُوَنَا
قَريناكم: أكرمناكم.
عجلنا: استعجلنا وأسرعنا.
قبيل الصبح: قبل طلوع النهار، وكانت غارات العرب تحدث في هذا الوقت فيفاجأ العدو وهو نائم.
مرداة: صخرة شديدة الصلابة تردي من يضرب بها أي تقتله.
طحون: صيغة مبالغة من الطحن.
يسخر منهم، أكرمناكم بسرعة قبل أن يعيب علينا الناس بغارة طاحنة قبل طلوع الشمس نزلت عليهم كالصخرة القاتلة فطحنتكم. فشبه السرعة في الغارة كالمضيف الذي يسرع لإكرام ضيفه
والمعنى أننا هجمنا عليكم هجمة فجائية نزلت كالصاعقة.
34- نَعُمُّ أَنَاسَنَا وَنَعِفُّ عَنْهُمْ … وَنَحْمِلُ عَنْهُمُ مَا حَمَّلُونَا
نُعْمُّ: نشمل بفضلنا.
أناسنا: حلفاءنا وموالينا وكل من له حق علينا.
نعف: من العفاف، أي لا نطلب من ثوابا على حمايتهم.
نحمل ما حمَّلوه: أي نقوم بجهدهم إذا استدعى الواجب لنقوم لهم بأمر.
يقول أنهم يقومون بما عليهم من واجب نحو أناسهم وأهلهم وكل من له حق عليهم. فيشملونهم بالحماية ويتعففون عما بأيديهم ولا يطلبون جزاء، وإذا طلبوا منا أمرا ما فإنا نجهد معهم ونتعب فيه ولا نتركهم، أي أنهم أهل أخلاق وشرف مع أهلهم وأحلافهم.
35- نُطَاعِنُ مَا تَرَاخَى النَّاسُ عَنَّا … وَنَضْرِبُ بِالسُّيُوفِ إِذَا غُشِينَا
نطاعن: على وزن نفاعل، نستمر في الطعان.
تراخى الناس عنا: تقاعس، تباطئ.
غُشِينَا: هوجمنا ليلا.
يقول أننا نستمر في الطعن عندما يتقاعس الآخرون عنا ويتعبون فإننا لا نتعب ونستمر في القتال. وإذا هوجمنا ليلا أو بغتة فإننا نرد بضرب السيوف، أي أنهم أهل حرب وبأس في جميع الأحوال هجوما ودفاعا.
36- بِسُمْرٍ مِنْ قَنَا الخَطِّي لُدْنٍ … ذَوَابِلَ أَوْ بِبِيضٍ يَخْتَلِينَا
سمر: هي الرماح في لونها سمرة، وتؤخذ من
قنا الخطي: القناة هي العود الذي تصنع منه الرماح، الخطي هي قرى الخط في شرق الجزيرة وتعرف الآن بالقطيف.
لدن: لينة مرنة، وهذا أفضل لقذفها، فلو كانت قاسية لانكسرت.
ذَوابِل: الضامرة الرفيعة، وهذه صفة الرماح.
بيض: سيوف بيضاء.
يختلينا: على وزن يفتعل، الذي يفيد الجهد في الفعل، يقطعن في الأجساد
نضرب برماح سمراء رفيعة لدنة مما يأتي من قرى الخط (من نخل القطيف)، أو بسيوف بيضاء تخترق الأجساد.
37- كَأَنَّ جَمَاجِمَ الأَبْطَالِ فِيهَا … وُسُوقٌ بِالأَمَاعِزِ يَرْتَمِنَا
جماجم: جمع جمجمة، وهي عظم الرأس.
الأبطال: الشجعان.
وسوق: الحمول، حمل البعير أو العربة.
الأماعز: جمع أمعز، وهو الأرض كثيرة الحصى.
تطرح الجماجم على الحصى وتبعثره كما تقذف الحمول الثقيلة من ظهور الحيوانات، وذلك لهول المعارك.
38- نَشُقُّ بِهَا رُؤُوسَ القَوْمَ شَقًّا … وَنَخْتَلِبُ الرِّقَابَ فَتَخْتَلِينَا
نشق: نقطعها، نحدث فيها شرخا نافذا.
شقا: مفعول مطلق للتأكيد.
نختلب: نضربها كالمخالب
يختلي: تتقطع وتتجزأ.
يقول أننا نشق رؤوس الأعداء شقا بسيوفنا. ونضرب بها رقابهم كأنها مخالب فنقطعها.
39- وَإِنَّ الضِغْنَ بَعْدَ الضِّغْنِ يَبْدُو … عَلَيْكَ وَيُخْرِجُ الدَّاءَ الدَّفِينَا
الضغن: الحقد الدفين القديم
يبدو: يظهر على الوجه، من البدو وهو الظهور.
الداء: المريض القديم
الدفين: الذي كان يحاول دفنه في صدره وإخفاءه لكنه الآن ظهر.
يعود لخطاب الملك بشجاعة فيقول أن أحقاده الكثيرة التي يحاول إخفاءها تراكمت في صدره فظهرت في كلامه الآن، وأنه لم يعد يستطيع إخفاء حقده، فالحقد يظهر على الإنسان ولا يمكن إخفاؤه.
40- وَرِثْنَا المَجْدَ قَدْ عَلِمَتْ مَعَدٌّ … نُقَاتِلُ دُونَهُ حَتَّى يَبِبِنَا
المجد: علو المكانة.
معد: هو جد العرب، أي جميع العرب.
دونه: أمامه
يبينا: يظهر
يقول أن قبيلتنا ورثت المجد والعلو وقد علمت كل قبائل العرب ذلك، وأننا سنقاتل على حتى يظهر للجميع.
41- وَنَحْنُ إِذَا عِمَادُ الحَيِّ خَرَّتْ … عَنِ الأَحْفَاضِ نَمْنَعُ مَنْ يَلِينَا
عماد الحي: قوائد الحي وأعمد خيمه.
خرت: سقطت على الأرض
الأحفاض: متاع البيت.
نمنع: نمنع العدو أي نبعده ونحمي أهلنا.
يلينا: من يجاورنا، أو من يحصنا.
يقول أننا ندافع عن أهلنا إذا هوجموا وأسقطت أعمدة البيت وخرت الأسقف على الأهل والمتاع، فإننا حينها نبرز وحمي من يخصنا من الأهل.
والمعنى يقول لعمرو بن هند أنه سيقف له ويدافع عن قومه.
42- نَجُذُّ رُؤُوسَهُمْ فِي غَيْرِ بِرٍّ … فَمَا يَدْرُونَ مَاذَا يَتَّقُونَا
نجذ: جذ الحجر أي كسر.
غير بر: في غير روفق ولا مودة. أي بلا رحمة
ما: هنا نافية أي لا يعرفون
يتقونا: يحمي نفسه.
يقول أننا نكسر رؤوسهم بلا رحمة، ومن كثرة الهجوم الذي ينزل عليهم لا يعرفون كيف يحمون أنفسهم، أي لا أمل لهم في الوقوف أمامنا.
43- كَأَنَّ سُيُوفَنَا مِنَّا وَمِنْهُمْ … مَخَارِيقٌ بِأَيْدِي لَاعِبِينَا
منا ومنهم: تدل على تبادل الضرب والاستبسال من الفريقين
مخاريق: خرق القماش القديمة، ويلعب بها الصبيان حتى الآن فيضربون بها بعضهم سرعة.
يقول أن الضرب بالسيوف على أشده بيننا وبينهم، كألاطفال الذي يضربون بعضهم بخرق القماش، وكذلك السيوف تتحرك في الميدان بسرعة بالغة.
44- كَأنَّ ثِيَابَنَا مِنّا وَمِنْهُمْ … خُضِبْنَ بِأُرْجُوَانٍ أَوْ طُلِينَا
ثيابنا: هي الملابس.
منا ومنهم: تدل تبادل الضرب، فكل فريق يضرب الآخر.
خُضبن: صبغن.
أرجوان: لون أحمر قانٍ، يقصد لون الدم الجاف المتيبس.
طلينا: دهنت به.
يقول أن الدم انسكب غزيرا على ثيابنا وثياب أعداءنا من الضرب المتبادل، كأن الملابس قد طليت بصبغ الأرجوان من كثرة الدم المتيبس عليها.
45- إِذَا مَا عَيَّ بِالإِسْنَافُ حَيٌّ … مِنَ الهَوْلِ المُشَبَّهِ أَنْ يَكُوَنَا
عي: تعب وأرهق.
الإسناف: التقدم للأمام.
حي: يقصد قوما من أحياء العرب.
الهول: شدة الأمر.
المشبه: المشتبه حدوثه.
يقول إذا عجز حي من العرب عن التقدم للحرب مخافة الأهوال القادمة ووقفوا، يكتمل المعنى في البيت التالي.
46- نَصًبْنَا مِثْلَ رَهْوَةَ ذَاتِ حَدٍّ … مُحَافَظَةً وَكُنَّا السَّابِقِينَا
نصبنا: رفعنا وأوقفنا.
رهوة: مكان مرتفع.
محافظة: مفعول لأجله، كي نحافظ.
السابقينا: أي أننا نسبق العدو إلى الميدان ولا ننتظر أن يأتي إلينا.
ومعنى البيتين أنه إذا خاف الناس من مصيبة كبيرة وتقاعست الأحياء الأخرى خوفا، فإنهم يسبقون ويجهزون التحصينات في الميدان ويقفون لأعدائهم. من شجاعتهم وحفاظا على أهلهم.
47- بِشُبَّانٍ يَرَوْنَ القَتْلَ مَجْدًا … وَشِيبٍ فِي الحُرُوبِ مُجَرَّبِينَا
الشبان: جمع شاب
الشيب: من شاب رأسه أي ابيض وكبرت سنه.
أي أن فيهم الشباب الذين ربوهم على الشرف وعلى الإقدام و فيهم خبرة الشيوخ المجربين الحروب.
48- حُدَيَّا النَّاسِ كُلِّهِمُ جَمِيعًا … نُقَارِعِهُمْ بَنِيهِمْ عَنْ بَنِينَا
حديا: من الحداء وهو القائد الذي يقود القافلة، أي أننا رأسا برأس مع أي أحد ونتحدى أي أحد.
وقد تكون من التحدي: أي أننا نتحدى الناس كلهم.
كلهم جميعا: تأكيد مضاعف.
نقارعهم: نقارع أبناءهم دفاعا عن أبنائنا. أو أن أبناءهم مقابل أنباءنا الذين ماتوا.
يقول أننا نتحدى الخلق كلهم أجمعين، ويهدد بالانتقام لأبناءهم الذين ماتوا، أو أن رأسنا برأس أي شخص ولا يهمنا أي أحد مهما كان، ولو اجتمع عليه كل الخلق أجمعين.
49- فَأَمَّا حِيَنَ خَشْيَتِنَا عَلَيْهِمْ … فَتُصْبِحُ خَيْلُنَا عُصُبًا ثُبِينَا
حين: أي عند.
خشيتنا عليهم: خوفنا على أولادنا.
تصبح: أي تبكر، وفيها دلالة على النشاط والإسراع في الأمر
خيلنا: أي فرساننا.
عصبا: عصابات أي جماعات.
ثبينا: مجتمعة.
فأما يوم نخاف على أولادنا من الهجمات نجمع خيلنا عصابات للدفاع عنهم، ربما يشير إلى شباب تغلب الذين ماتوا في حادثة كانت هي سبب التحكيم والخلاف ومناسبة قول هذه القصيدة، خوفه على أبناء قبيلته من طغيان الملك.
50- وَأَمَّا يَوْمَ لَا نَخْشَى عَلَيْهِمْ … فَنُمْعِنُ غَارَةً مُتَلَبِّبِنَا
يقول يوم نأمن على أولادنا فإنهم يهاجمون الآخرين، فهذا استعراض للقوة ليرهب به الآخرين. أي أنه يهاجم ليرهب الآخرين ولا ينتظر أن يهاجمه أحد.
كما تحدث عنه زهير في معلقته، ومن لا يظلم الناس يظلم، هنا يقرر عمرو بن كلثوم أنه يهاجم ليحفظ هيبته، أو يقدر على الاعتداء إن أراد، وهذا أدعى لهيبته.
51- بِرَاْسٍ مِنْ بَنِي جُشَمَ بْنِ بَكْرٍ … نَدُكُّ بِهِ السُّهُولَةَ وَالحُزَونَا
برأس: بقائد.
جشم بن بكر: هو جد من أجداد عمرو بن كلثوم وفرعه في القبيلة.
ندك: دك الشيء ضربه بشدة حتى سحقه. ودك الارض أي سواها تحت قدمه.
السهولة: الأرض السهلة هي المنبسطة. كناية عن السهولة في كل شيء.
الحزونا: هي الأراضي العالية، كناية عن الصعوبة في كل شيء.
يقول أننا سنهاجم تحت قيادة زعيم ينتمي إلى البيت الشريف من نسل الكبار من بني جشم بن بكر نسحق به كل الأراضي والأقاليم، ما ارتفع منها وما انخفض ولن يأمن منا أحد.
52- أَلا لَا تَعْلَمُ الأَقْوَامُ أَنَّا … تَضَعْضَعْنَا وَأَنَّا قَدْ وَنِينَا
ألا: حرف تنبيه.
تضعضعنا: تضعضع، أصابه الضعف والوهن، وتضعضع به الزمن أذله.
ونينا: من الونى وهو الضعف.
المعنى: لا يريد عمرو بن كلثوم أن تقول قبائل العرب أن تغلب قد ضعفت. إذا لم يدافع عمرو بن كلثوم عن قبيلته في هذا الموقف ستظن قبائل العرب أن تغلب قد ضعفت فتذهب هيبتها ويتجرؤون عليها
tالمعنى أنه يريد الحافظ على الهيبة، ولهذا فإنه لن يسمح أن تصاب سمعة القبيلة فلا يتكلم عنه الناس ويتجرؤن. وقد يهاجم قبل أن يدافع. ولهذا يتشدد عمرو بن كلثوم جدا مع الملك وقبيلة بكر، لأنه يعلم إنه إذا خضع ستسقط هيبته وستتجرأ عليه قبائل العرب.
53- أَلَا لَا يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَيْنَا … فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجَاهِلِينِا
الجهل المقصود هو صفات الجاهلية من الكبر والأنفة وتحكيم العصبية، والجهل هو الحمق وقلة العقل.
ألا: حرف تنبيه.
يجهلن: يصبح أحمق ويفعل أفعال الجاهلية من قتل وتخريب، والنون للتوكيد.
يتوعد الجميع، فإن كانوا جهالا وفيهم عصبية وحمق، فسيكون أكثر منهم جهلا، وإن كان فيهم شر فسيرد بشر أكبر، فهو يرى أنلا شيء يوقف هذا الحمق إلا حمق أكبر منه، وهذا البيت معناه جاهلي، لكن له هيبة.
___________________________________
خطاب مباشر للملك مرة أخرى
___________________________________
يعود للملك ويهدده ويتوعده.
54- بِأَي مَشِيئَةٍ عَمْرَو بِنَ هنِدٍ … نَكُونَ لِقَيْلِكُمْ فِيهَا قَطِينَا
بأي مشيئة: أي الإرادة أو القصد، المعنى كيف تبرر ما تفعل؟
القَيْل: هم كبار الثوم ممن دون الملك في الدرجة، أي الوجهاء والوزراء.
قطين: السكان أو الخدم في المكان.
يسأله استنكارا، بأي حق تريدنا أن نكون تابعين لك وخداما؟
ويبدو هذا البيت مرتبطا بالقصة الشهيرة عندما طلبت أم الملك من أم عمرو بن كلثوم أن تخدمها.
55- بِأَيِّ مَشِيئَةٍ عَمْرَو بْنَ هِنْدٍ … تُطِيعُ بِنَا الوُشَاةَ وَتَزْدَرِينَا
الوشاة: من ينقلون الكلام للإيقاع بين الناس.
تزدرينا: تحتقرنا.
بأي حق تطيع الوشاة ومن ينقلون عنا الكلام وتحتقر قبيلتنا؟
ونرى أن عمرو بن كلثوم يعترض بقوة ولا يسترضي الملك، بل يهدده، فهو لا يرى نفسه أقل من الملك.
56- تَهَدَّدْنَا وَتُوعِدُنَا رُوَيْدًا … مَتَى كُنَّا لِأَمِّكَ مُقْتَوِينَا
رويدا: تمهل وترفق.
مقوينا: أي خدما نقدم لها الطعام.
هنا يذكر تعمد أم الملك إهانة قوم عمرو بن كلثوم وأمه، فيقول له أنت تهدمما وتتوعد؟ تمهل فمنذ متى نحن نخدم أمك؟
هدد عمرو بن كلثوم الملك لكنه يذكر أبدا أنه انتقم فقتل الملك، لا في هذا الموضع ولا غيره. ولو فعلها لقال، فهو لا تنقصه الشجاعة.
57- فَإِنَّا قَنَاتَنَا يَا عَمْرُ أَعْيَتْ … عَلَى الأَعْدَاءِ قَبْلَكَ أَنْ تَلِينَا
قناتنا: القناة هي عود الرمح. شبه قوتهم بعود صلب لا ينكسر من الرماح
أعيت: أتعبت.
يقول أننا مثل عود صلب قوي لا ينثي،
والمعنى أننا لم نخضع لأحد قبلك أبدا ولن نخضع لك.
58- إِذَا عَضَ الثِّقَافُ بِهَا اشْمَأَزَّت … وَوَلَّتْهُ عَشَوْزَنَةً زَبُونَا
عض: أمسك بها الثقاف، وهو الىلة التي تقوم العود
الثقاف: آلة يوضع فيها العود المعوج ثم يضغط عليه ليقوم ويستقيم.
اشمأزت: نفرت ولم تنقد له.
ولته: أعطته ظهرها، أي تركته
عشوزنة: شديدة الخلق وقوية.
زبونا: نفورا لا تنقاد.
شبه قوتهم وعدم انصياعهم لأحد، بعود القناة الذي يحاول الرجل تقويمه بوضعه في الثقاف، وهي آلة تقوم الاعواد المائلة، لكن العود لا يستجيب ويظل كما هو.
أي أنهم لا ينقادون لأحد ولا أحد يقدر على تغييرهم ولو بالقوة، وشبه حالهم بعود صلب لا يقدر صاحبه على تقويمه في الثِّقاف.
59- عَشَوْزَنَةً إِذَا انْقَلَبَتْ أَرَنَّتْ … تَشُجُّ قَفَا المُثَقِّبِ وَالجَبِينَا
انقلبت: ارتدت من يد صاحبها.
أرنت: ارتدت وضربت وكان لها رنين.
تشج: تقطع وتجرح.
قفا: مؤخر الرقبة.
الجبين: الجبهة.
إذا حاول الرجل تقويم القناة وضغط عليها بشدة لتستقيم، ترفض ثم ترتد عليه فتضربه كالسوط على قفاه ووجهه، يظهره هنا بشكل حقير ومضحك.
أي أنه إذا حاول إجبارهم على أمر ما سينقلب عليه الحال ويجرحونه.
____________________________
فصل: تفاخر بالنسب والأجداد
____________________________
60- فَهَلْ حُدِّثْتَ فِي جُشَمَ بْنِ بَكْرٍ … بِنَقْصٍ فِي خُطُوبِ الأَوَّلِينَا
جشم بن بكر: هذا جده الكبير وبطن في قبيلة تغلب.
خطوب: أخبار.
يقول له هل سمعت يوما أو حدثك أحد بنقص وعيب في أخبار أسلافنا؟ وهل رضي بنو جشم بن بكر بمذلة قبل ذلك؟
هذا لا يكون ولن يكون.
61- وَرِثْنَا مَجْدَ عَلْقَمَةَ بْنَ سَيْفٍ … أَبَاحَ لَنَا حُصُونَ المَجْدِ دِينَا
المجد: العز والشرف.
علقمة بن سيف: أحد أجداده الذين يفخر بهم.
أباح: جعلها مباحة لنا.
دينا: عادة.
يقول أننا ورثة هذا الرجل العظيم: علقمة بن سيف، وهو الذب علمنا وعودنا أن نقتحم حصون المجد ونحصل عليه.
62- وَرِثْتُ مُهَلْهِلًا وَالخَيْرَ مِنْهُ … زُهَيْرًا نِعْمَ ذُخْرُ الذَّاخِرِينَا
مهلهلا: هو جده لأمه، وهو مهلهل الشهير أخو كليب وصاحب حرب البسوس.
والخير منه: أي وورثت من هو خير ومنه: زهير، ولا أعلم من زهير هذا
نعم ذخر: يمدح ما تركه السابقون للاحقين.
63- وَعَتَّابًا وَكُلْثُومًا جَمِيعًا … بِهِمْ نِلْنَا تُرَاثَ الأَقْدَمِينَا
عتابا: جده لأبيه
كلثوما: هو أبوه وكان فارس تغلب.
نلنا: حصلنا على.
تراث: ما يورث ويؤخذ من الأسلاف.
64- وَذَا البُرَّةِ الذِّي حُدِّثْتَ عَنْهُ … بِهِ نُحْمَى وَنَحْمِي المُحْجَرِينَا
ذا البرة: أي صاحب الحلقة، رجل من أجداده يفخر به أيضا.
المحجر: الاجئ المحتاج إلى الحماية.
65- وِمِنَّا قَبْلَهُ السَّاعِي كُلَيْبٌ … فَأَيُّ المَجْدِ إِلَّا قَد وَلِينَا ؟
الساعي: الذي يسعى في ابتغاء المجد
كليب: هو كليب المعروف ملك تغلب الذي انتصر لها في معركة خزازى، وهو أخ المهلهل جد عمرو بن كلثوم لأمه.
ولينا: ولي الشيء، أي ملكه، أي أنه تمكن من أسباب المجد.
وبعد تعداد كل هؤلاء الأسلاف الذي يفخر بهم على الملك وخصومه، يقول لهم ليس هناك مسلك إلى المجد إلا وحصلناه، وأخذوه من جميع أطرافه وأسبابه.
_____________________
عودة للفخر بالقوة
_____________________
66-مَتَى نَعْقِدْ قَرِينَتَنَا بِحَبْلٍ … تَجُذُّ الحَبْلَ أَوْ تَقِصِ القَرِينَا
متى: أداة شرط.
قرينتنا: أصل القرين هو الدابتان تقرنان معا أي تربطان في حبل واحد، ومنها القرين وهو الشبيه والمثيل، أو المتعلق به كأنه مربوط به في حبل واحد.
تجذ: تقطع.
تقص: تكسر أقدامه أو توقعه.
شبه قبيلته بجمل قوي، إذا ربط معه حيوان آخر فإنه لا يقدر على إحكامه، فإما أن يقطع الحبل لفرط قوته أو يكسر عظام من ارتبط به.
وحاصل المعنى أنه لا يوجد أحد يقارن بنا، ولو حاول أحد إيقافنا أو تكبيلنا سنقطعه ونهزمه
67- وَنُوجَدُ نَحْنُ أَمْنَعُهُم ذِمَارًا … وَأَوْفَاهُمْ إِذَا عَقَدُوا يَمِينَا
المَنَعَة: العز والقوة.
ذمار: ما ينبغي حمايته من المال والشرف.
عقدوا اليمين: تحالفوا أو عقدوا اتفاقا.
يقول: ونحن أمنع الناس وأعزهم وأقدرهم على حماية الأهل والمال، وأوفى الناس إذا عقدوا يمينا، فإنهم يلتزمون به.
كأنه يعرض بالملك عمرو بن هند الذي يتهمه عمرو بن كلثوم بعدم الحفاظ على كلمته والتسبب في مقتل شباب تغلب.
68- وَنَحْن غَدَاةَ أُوقِدَ فِي خَزَازَى … رَفَدْنَا فَوءقَ رِفْدِ الرَّافِدِينَا
خَزَازَى: هو جبل معروف، وترجع أهميته لعمرو بن كلثوم إلى موقعة خزازى التي دارت عنده وفيها انتصر جده كليب على اليمن، ومنها اكتسبوا صيتهم ومكانتهم، فمعركة خزازى هي مأثرتهم وانتصارهم الأكبر.
رفد:
69- وَنَحْن الحَابِسُونَ بِذِي أُرَاطَى … تَسَفُّ الجِلَّةُ الخُورُ الدَّرِينَا
الحابسون: أي الذي حبسنا وأوقفنا خيلنا وجيشنا في ذلك الموضع.
ذي أُراطَى: موضع.
تَسَف: تأكل الحب من فوق الرمل أو مختلطا برمل.
الجلة: الإبل العظيمة، ومر علينا في معلقة طرفة، فمرت كهاة ذات خيف جلالة. أي ناقة عظيمة.
الخور: الشجر الضعيف.
الدرينا: البالي من الشجر.
يعني أوقفنا حيواناتنا وجيشنا بذلك الموضع حتى سفت النوق جذور النبات الجاف من بين التراب، أي أننا تحملنا مشقة كبيرة في ذلك اليوم حتى انتصرنا، فنحن أهل للحرب.
70- وُكُنَّا الأَيْمَنِينَ إِذَا الْتَقَيْنَا … وَكَانَ الأَيْسَرِينَ بَنُو أَبِينَا
الأيمنين واليمين: توحي دائما بالخير عن العرب، أو الصدارة والتفوق.
أما الأيسر فتوحي بالشؤم والشر، أو قلة الخير والدرجة الثانية
بنو أبينا: يقصد قبيلة بكر أولاد عمهم.
وفي ذلك اليوم، كنا في موقع الصدارة والتقدم في الحرب، وكان أبناء عمنا من بكر متخلفين عنا، يقول أنهم يسبقون بكر في القوة والحرب.
71- فَصَالُوا صَوْلَةَ فِيمَنْ يَلِيهِمْ … وَصُلْنَا صَوْلَةً فِيمَنْ يَلِينَا
صالوا، صولة: صال الرجل أن يثب ويهجم على عدوه.
في من يليهم: أي في من يواجههم من العدو.
يعقد مقارنة بينهم وبين بني عمهم، ليظهر أيهم أشد بأسا في الحرب، فكل منهما يهجم على من يقابله من الأعداء وياتي بمكاسب مختلفة على قدره، ويكمل المعنى في البيت التالي.
72- فآبُوا بِالنِّهَابِ وَبِالسَّبَايَا … وَأُبْنَا بِالمُلُوكِ مُصَدَّفَدِينَا
آبوا: عادوا
النهاب: الغنائم والأموال
السبايا: الأسرى من النساء وغيرهن.
مصدفينا: أي عليهم الأصفاد، مقيدين وموثقين في الأصفاد.
عاد بنو بكر بأموال وأسرى، وعاد تغلب من الميدان بملوك الأعداء مكبلين. فارق كبير بين من يرى المعارك فرصة للنهب واستلاب الأموال، وآخرين ينافسون الملوك، فهمهم ليس سواء
73- إِلَيْكُمْ يَا بَنِي بَكْرٍ إِلَيْكُمْ … أَلَمَّا تَعْرِفُوا مِنَّا اليَقِينَا
إليكم: هذا تحذير، يقال للرجل، إليك عني أي ابتعد عني
ألمَّا: ألم تعلموا بعد؟
فالمعنى: انتهبوا يا بكر عما تفعلون قبل أن يأتيكم منا اليقين الذي تعرفوه من قوتنا وبطشنا.
74- أَلَمَّا تَعْلَمُوا مِنَّا وَمِنْكُمْ … كَتَائِب يَطَّعِنَّ وَيَرْتَمِنَا
كتائب: أشوف اشتقاقها
يطَّعن: على وزن يفتعلن
ويرتمينا: يرمون أنفسهم في المهالك ولا يبالون
ألم تعلموا من أخبارنا وتشاهدوا بأنفسكم كتابنا التي ترمي بنفسها على العدو وتطاعنه؟
يحذرهم من قوة كتائب تغلب.
75- عَلَيْنَا البَيْضُ وَاليَلَبُ اليَمَانِي … وَأَسْيَافٌ يَقُمْنَ وَينْحَنِينَا
البيض: خوذة الرأس الحديدة.
اليلب اليماني: أثواب من الجلد يوضع بينها رمل ويضعها المحارب.
يصف المحاربين بأنهم يرتدون ملابس الحرب والخوذ، ويرفعون سيوفهم ويخفضونها ضربا في أجساد أعدائهم.
76- عَلَيْنَا كُلُّ سَابِغَةٍ دِلَاصٍ … تَرَى فَوْقَ النِّطَاقِ لَهَا غُضُونَا
سابغة: يقصد درعا طويلة تحمي صاحبها.
دلاص: ملساء، أو حديدها أملس.
النطاق: منطقة منتصف البطن.
غضونا: علامات الطرق والتكسر والتثني.
يقول: يرتدي الأبطال منهم دروعا طويلة عليها علامات من الطرق والانثناءات من آثار معاركهم الكثيرة، فهذه العلامات ليست عيوبا، بل دلالات على التمرس والخبرة.
77- إِذَا وُضِعَتْ عَنِ الأَبْطَالِ يَوْمًا … رَأَيْتَ لَهَا جُلُودَ القَوْمِ جُونَا
جونا: مسودة من أثر الحديد.
إذا وضعها الأبطال عن أجسادهم رأيتها أثرت على جلودهم فأصبحت سوداء، لطول ملازمتهم للحرب وعدتها. أي أن الحديد يؤثر في جلد الأبطال لكثرة ما لبسوه.
78- كَأَنَّ غُضُونَهُنَّ مُتُونُ غُدْرٍ … تُصَفِّقُهَا الرِّيَاحُ إِذَا جَرَيْنَا
غضونهن: الغضون، هي العلامات على الحديد.
غدر: جمع جمع غدير، نهر الماء الصغير
تصفقهَا: تضربها الريح وتقلبها.
يصف تموجات الحديد على أجساد الابطال، كأنها الموجات التي يحدثها الهواء عندما يمر على سطوح الأنهار.
أو كأن هذه العلامات والتشققات كغدران الماء الصغيرة على دروعهم.
79- وَتَحْمِلَنَا غَدَاةَ الرَّوْعِ جُرْدٌ … عُرِفْنَ لَنَا نَقَائِدَ وَافْتُلِينَا
الرَّوع: الهيجان، يقصد هيجان الحرب.
جرد: خيول جراء، محلوقة الشعر.
نقائد: أي حيوانات نقودها ونهجم علينا
افتلينا: نفل عليها أي نعود عليها.
يصف ويمدح خيلهم التي يقودون ويحاربون عليها.
80- وَرَدْنَ دَوَارِعًا وَخَرَجْنَ شُعْثًا … كَأَمْثَالِ الرَّصَائِعِ قَدْ بَلِينَا
وردن: دخلن إلى المعركة.
دوراعا: عليها دروعها.
شعثا: مشعث الشعر وملبد ومترب.
الرصائع: المجوهرات التي يرصع بها الشيء.
بلينا: تفسخت وتمزقت
دخلت الخيول المعركة مدرعة ومرتبة، وخرجت منها مشعثة مغبرة، تدل على ضراوة المعارك وشجاعة راكبيها. أصبحت مغبرة كالعقد المرصع بالجواهر وقد بلي وتفسخ، أي أنها كالعقود والجواهر في قيمتها، ثم فسدت بسبب ضرواة المعارك ولا يعيبها ذلك.
81- وَرِثْنَاهُنَّ عَنْ آبَاءِ صِدْقٍ … وَنُورِثُهَا إِذَا مُتْنَا بَنِينَا
ورثنا الخيول عن أباء عظام، وسوف نورثها لأولادنا، ولا يقصد عمرو بن كلثوم الخيول نفسها فقط، بل المكانة والقوة الحربية، فهم أقوياء جيلا بعد جيل.
_____________________________________
فصل: يحفز المقاتلين بذكر النساء
_____________________________________
82- عَلَى آثَارِهِنَّ بِيضٌ حِسَانٌ … نُحَاذِرُ أَنْ تُقَسَّمَ أَوْ تَهُونَا
آثارهن: خلف هذه الجياد نساء.
بيض: نساء بيضاء، إشارة للمكانة والجمال.
نحاذر: على وزن نفاعل الذي يدل على امتداد الوقت وملازمة الفعل، أي أن الحذر ممتد وطويل.
تقسم: أي أن يأخذها الأعداء أسرى ثم يقسمهن بين فئام الجنود.
تهون: من الهوان
يقول أننا نترك وراءنا نساءنا الجميلات ذوات الجمال والحسب والنسب، نستبسل في القتال من أجلهن، فنحن نحذر أن يأسرهن الاعداء بعدنا أن يعتدين على كرامتهن، وهن نساء أولاد حسب ونسب ومكرمات بيننا.
أي أنه يحفز نفسه ويحفز أبناء قبيلته بحماية النساء.
83- أَخَذْنَ عَلَى بُعُولَتِهِنَّ عَهْدًا … إِذَا لَاقُوا كَتائِبَ مُعْلِمِينَا
بعولتهن: أوزاجهن
مُعْلِمِينَا: لها أعلام ورايات.
أي أن النساء أخذن على الجال عهدا عندما يلاقون كتائب الاعداء
84- لَيَسْتَلِبُنَّ أَفْرَاسَاً وِبِيضاً … وَأَسْرِى فِي الحُرُوبِ مُقَرَّنِينَا
يستلبن: يأخذن هذه الأشياء في الأسلاب، يأخذونها عنوة من العدو بعد دحره.
مقرنين: أي مربطين إلى بعضهم أزواجا.
عاهدت النسوة أزواجها واعتدن منهم أن يعودوا منتصرين وقد اخذوا غنائم النصر من خيول العدو ودروعه ثم من فرسان العدو وأنفسهم وهم مربطون في الأغلال، ثم اثنين مقرنين في قيد واحد.
85- إِذَا مَا رُحْنَ يَمْشِينَ الهَوَيْنَى … كَمَا اضْطَرَبَتْ مُتُونُ الشَّارِبِينَا
الهوينى: مشية فيها بطء ودلال وتراقص.
اضطربت: اهتزت
متون: ظهور الرجال وأكتافهم.
الشاربين: يقصد شاربي الخمر السكارى.
يتغزل في أنوثتهن واضطراب أجسادهن في المشي كأكتاف السكارى
86- ظَعَائِنَ مِنْ بَنِي جُشَمَ بْنِ بَكْرٍ … خَلَطْنَ بِمِيسَمٍ حَسَبًا وَدِينَا
ظعائن: الظعينة هي المرأة عامة، وهذا الموضع دليل أن الكلمة تستعمل للنساء ولا يلزم في السفر خصوصا
ميسم: من الوسامة وهي الجمال، عليهن علامات الجمال
حسب: الأصل والنسب والشرف.
دين: لا يقصد بها الالتزام بالدين والإسلام كما نستعملها الآن، بل بطيب العادات وهذا أصل الكلمة.
يقول أنهن نسوة من علية القوم من بني جشم بن بكر مثله، فهن أولاد عمه ونساؤه، مزجت بجمالهن الحسب والشرف وطيب العادات والأصول.
87- وَمَا مَنَعَ الظَّعَائِنَ مِثْلُ ضَرْبٍ … تَرَى مِنْهُ السَّوَاعِدَ كَالقُلِينَا
منع: حمى
السواعد: أذرع الرجال
القلينا: المقلاة، لها ذراع ترتبط بوعاء حديدي
يقول، لا شيء يحمي النساء إلا القوة الغاشمة التي تضرب أيادي الاعداء وتسقطها مقطعة على الأرض، فهو سيقطع الأيدي التي تمتد على النساء. وشبه الأذرع المرتبطة بالساعد كالمقلاة لها يد.
ويقصد أن تتناثر أيدي الأعداء المقطعة على ميدان المعركة، فهذا ما يمنع الاعداء ولا شيء آخر.
89- كَأَنَّا وَالسُّيُوُفُ مُسَلَّلَاتٌ … وَلَدْنَا النَّاسَ طُرًّا أَجْمَعِينَا
مسلَّلات: بارزة من غمدها مشرعة للقتال.
طرا: جميها، بأكملهم.
يعني عندما يبرزون سيوفهم ويوغلون في قتل الاعداء، تأخذهم نشوة النصر وجبروت القوة، حينها لا يرون أحدا أمامهم فيتضاءل الناس جميعا في أعينهم، وكأنهم الأصل وأسياد العالم.
90- يُدَهْدُونَ الرُّؤوسَ كَمَا تُدَهْدِي … حَزَاوِرَةٌ بِأَبْطَحِهَا الكُرِينَا
يدهدون: يدحرجون
حزاورة: الغلمان الذي قاربوا البلوغ
الأبطح والأباطح: الأرض المستوية ذات الحصا
الكرينا: الأحجار المدورة
يدحرجون رؤوس القتلى ويلعبون بها كما يدحرج الغلمان الأقوياء الأحجار على الأرض.
فصل: ما زال في جعبته بعض الفخر، كأن عمرو بن كلثوم لم يكتفي فآثر أن يختم القصيدة بأبيات شاملة كاملة لتؤكد علوهم عن الجميع.
91- وَقَدْ عَلِمَ القَبَائِلُ مِنْ مَعَدٍّ … إِذَا قُبَبٌ بِأَبْطَحِهَا بُنِينَا
معد: يقصد قبائل العرب العدنانية، فكلها تنتهي إلى معد بن عدنان
قبب: قبب الخيام.
أبطحها: الاربض البطحاء هي المستوية ذات الحصا.
بنينا: أي نصبت الخيام.
يقول أن العرب كلها تعلم ما الذي يحدث عندما ننزل في مكان وننصب خيمنا الكبيرة ذات القباب على الأرض البطحاء المستوية.
92- بِأَنَّا المُطْعِمُونَ إِذَا قَدَرْنَا … وَأَنَّا المُهْلِكُونَ إِذَا ابْتُلِينَا
المطعم: أي أننا نطعم الناس ونعمهم بخيرنا إذا قدرنا عليهم.
ابتلينا: اختبرنا.
يقول أننا عندما نقدر يعم خيرنا على الناس ونطعمهم ونقوم بهم، وإذا اختبر صرنا وقوتنا فإننا نهلكمهم جميها. يحذر بكر والملك.
93- وَأَنَّا المَانِعُونَ لِمَا أَرَدْنَا … وَأَّنا النَّازِلَونَ بِحَيْثُ شِينَا
وأنا نقدر على منع ما نريد فلا يقدر أحد على أخذه منا، وأننا ننزل حيث نشاء من الأرض ولا يقدر أحد على منعنا.
94- وَأَنَّا التَّارِكُونَ إِذَا سَخِطْنَا … وَأَنَّا الآخِذُونَ إِذَا رَضِينَا
سخطنا: غضبنا.
يقول أننا نترك الشيء إذا غضبنا عليه، بمعنى أنه لا يريد شيئا من الملك، وأنه يأخذ منه فقط إذا رضي هو بذلك، فلا يأخذ شيئا شفقة ولا عن ضعف.
وَنَشْرَبُ إِنْ وَرَدْنَا المَاءَ صَفْوًا … وَيَشْرَبُ غَيْرُنَا كَدَرًا وَطِينَا
صفوا: نقيا نظيفا
كدرا: معكرا ممتزجا بالأقذار.
يقول أنهم المقدمون على غيرهم، فإذا نزلوا هم وغيرهم في مكان شربوا هم أولا من الماء الصافي الزلال، ويتركون الماء الممتزج بالطين والقذارة لغيرهم.
أي أنهم أعلى درجة من الباقين.
إذا بلغ الفطام لنا صبي … تخر له الجبابر ساجدينا
الفطام: قطع اللبن عن المولود.
يقول أن الأقوام الاخرى كلها تخضع لنا ولا نخضع لأحد، فإذا فطم الصبي منا عن اللبن، سجد له الملوك من القبائل الاخرى، وهذه مبالغة شديدة في تمثيل المكانة والتعالي على الآخرين.
