
لولا الإسلام لأكلت تغلب العرب، هذه كلمة تتردد كثيرا بين قراء العربية ومحبي التاريخ العربي، وترتبط عادة بقراءة معلقة عمرو بن كلثوم التي سرت بين الناس.
هذا المقال تحقيق لهذه الكلمة ودراسة حال قبيلة تغلب قبل الإسلام ومعرفة مراحل قوتها وضعفها بأسلوب تحقيقي يساعدنا على رؤية أفضل للتاريخ ولدراسة معلقة عمرو بن كلثوم.
وأنبه أن هذا بحث تاريخي يهدف لفهم أفضل للمعلقة والتاريخ، وليس له علاقة بالانتماءات والأنساب الحالية، فلا داعي لأن يتخذ البعض موقفا دفاعيا شديدا من الأمر، لأن مثل هذا يحدث حتى الآن للأسف.
مرحلة قوة تغلب مع كليب ومعركة خزازى
ارتفعت مكانة تغلب عندما انتصرت في معركة قديمة تسمى خزازى. وكان كليب قائد العرب العدنانيين أو أحد قوادهم البارزين. وخزازى معركة قديمة قامت بين العرب المضريين العدنانيين وبين اليمنيين القحطانيين الذين كانوا يسيطرون على المضريين فلما هزموا تحرر العدنانيون من سيطرة عرب اليمن.
وفي تفاصيل المعركة اختلافات كبيرة حول موعدها وأطرافها وتفاصيلها. لأنها من التاريخ القديم الموغل في القدم، وبسبب الانتماءات القبيلة والتحيزات. لدرجة أن عمرو بن العلاء قال: لولا عمرو بن كلثوم ما عرف يوم خزاز، فقد فخر بها وذكرها في معلقته. ومهما كانت تفاصيل المعركة فإن ما يهمنا هو أنها كانت لحظة مجد لقبيلة تغلب. وعلى إثرها ارتفعت مكانتها وارتفعت مكانة زعيمها كُليب بن ربيعة بين العرب.
حرب البسوس وهزيمة تغلب.
بعد خزازى مباشرة وبسببها تجبر كليب وبغى بغيا شديدا. فكان يتحكم فيمن ينزل المراعي ويمنع من شاء. ولم يكن يسمح لأحد برعي الكلأ أو شرب الماء إلا بإذن منه. ولا تدخل إبل غيره مع إبله على الماء. وعندما دخلت ناقة تملكها امرأة تسمى البسوس من قبيلة بكر أولاد عمه المرعى بغير إذنه قتلها، فقتله رجل من بني شيبان من بكر. وعلى إثر ذلك قامت الحرب التي سميت حرب البسوس بين بكر وتغلب. وهي من أطول حروب العرب.
قاد المهلهل أخو كليب قبيلة تغلب في حرب انتقامية ضد بني شيبان وانتصر عليهم في البداية. ولم تساند بقية قبيلة بكر أولاد عمهم من شيبان لأنها استقبحت أن يقتل زعيم مثل كليب على ناقة. لكن المهلهل أسرف في الدماء حتى طال بالقتل بطونا أخرى من بكر فاجتمعت على تغلب بقيادة الحارث بن عباد في يوم تحلاق اللمم الذي انهزمت فيه تغلب هزيمة نهائية.
انهزم المهلهل وفارق قومه بعد الهزيمة حتى نزل على بني جنب من مذحج، فأجبروه أن يزوج ابنته لرجل منهم على صداق من جلود، وتفرقت تغلب بعد هذه الوقائع حتى نزلت الجزيرة الفراتية بين العراق والشام.
جلاء تغلب عن جزيرة العرب وتنصرها
عندما هزمت تغلب في حرب البسوس ارتحلت عن بلاد العرب ونزلت إلى الجزيرة الفراتية بين العراق والشام. وهي التي أصبحت تسمى ديار ربيعة. وربما تحولت القبيلة إلى الديانة المسيحية في هذه الفترة بفعل التأثر أو السياسة. وهكذا فقد ابتعدت تغلب عن أصلها العربي قليلا وجاورت أمما أخرى وتأثرت بهم قبل الإسلام.
حزن شعراء تغلب على فقدان الأوطان
ومما يؤيد فقدان تغلب لأرضها وتشتتها في البلاد الشعر الموثق في ديوان المفضليات. وهو واحد من أوثق مصادر الشعر العربي التي لا يختلف عليها أحد. فقد وردت قصيدتان لشاعرين من تغلب يبكيان البلاد المفقودة وتشرد القبيلة بين البلاد.
قصيدة الأخنس بن شهاب التغلبي. وهي رقم (41) في ديوان المفضليات. يذكر فيها هجر بلاده وخلوها ويذكر مساكن كثير من قبائل العرب، ويحدد مواضعهم في أبيات طويلة ثم يشتكي أن تغلب ليس لها وطن خاص ولا مسكن محدد كبقية القبائل. وأن تسكل الصحراء تتبع الخيل. وذكر ياقوت الحموي في معجم البلدان أن هذه القصيدة قيلت في تشتت تغلب في البلاد بعد حرب البسوس.
قال فيها: لكل أناسٍ من مَعَدٍّ عِمارة … عَروضٌ إليها يلجؤون وجَانِبُ
ثم يعدد مساكل القبائل في أبيات كثيرة قبل أن يقول:
ونحن أناسٌ لا حِجازَ بأرضنا … مع الغيث ما نُلقى ومن هو غَالِبُ
والقصيدة الأخرى رقم (42) لجابر بن حُني التغلبي، وهو صاحب امرئ القيس في المفضليات أيضا.
اشتكى فيها من تفرق قومه تغلب بن وائل، وكيف تفرقوا بعد القوة. وأنهم أصبحوا يقبلون الديات فيمن يقتل منهم لأنهم لا يقدرون أخذ حقهم، يقول: أَنِفْتُ لهم من عَقل قيسٍ ومَرثدٍ … إذَا وَرَدُوا ماءً ورُمح بن هَرثَمِ
وذكر كيف أن صاحب المال يأخذهم بالقوة ويلطمهم ويدفعون الإتاوات في أسواق العراق. وتفرض عليهم المكوس وأنهم يرعون الأراض القاحلة التي تترك لهم. وهدد بثورة ضد كل هذا.
ويظهر جدا من هاتين القصيدتين أن تغلب كانت مقهورة بعد حرب البسوس. وليس لها أرض تسكنها وأنها تدفع الإتاوات والمكوس في العراث ولا ترعى إلا الأراضي القاحلة. فلم تكن ظاهرة ولا عزيزة على الإطلاق.
منعة بكر وانتصارها في ذي قار
أما في الناحية المقابلة فقد وقعت معركة ذي قار بين بني بكر والإمبراطورية الفارسية قبل الإسلام بقليل. أراد الفرس إذلال ملك الحيرة الذي ترك بناته وسلاحه أمانة عند قبيلة بكر وتحملت مسؤولية جمايتها. وفيها انتصرت قبيلة بكر انتصارا حاسما. وكانت المرة الأولى التي يهزم فيها العرب إمبراطورية فارس في حرب مفتوحة. وكانت العرب قبل ذلك تخاف الفرس جدا ولا تجرؤ على حربها. فأزالت معركة ذي قار هذا الخوف وتعلم العرب الجرأة على الفرس.
وبالطبع فخر شعراء بكر بهذا الانتصار أيما فخر، وارتفعت مكانتها كثيرا بين العرب. فأنشد الأعشى شاعر بكر الأبرز القصائد الكثيرة بهذه المناسبة. ومما قال فيها: لو أن أن كل معد كان شاركنا … في يوم ذي قار ما أخطاهم الشرف. أي أن الشرف الذي أحرزته بكر يكفي جميع العرب. فهو شرف يكفي العرب جميعا وقد أتت به بكر.
وحدثت هذه المعركة قبل الإسلام بقليل أو وقت بداية الإسلام. وهناك قول منسوب للرسول صلى الله عليه وسلم أنه استبشر بها. وقال هذا يوم انتصفت فيه العرب على العجم. لكن للأمانة يرى بعض المؤرخين أنه حديث غير مؤكد أو ضعيف. وعلى كل حال أكسب هذا الانتصار قبيلة بكر مكانة قوية جدا بين العرب قبل الإسلام بقليل.
القصة المعروفة للتحكيم وأخذ الرهائن
كما نعرف القصة الشهيرة عندما حكم عمرو بن هند بين قبيلتي تغلب وبكر وأخذ منهما الرهائن، فكان يحتفظ بسبعين شابا من كل قبيلة ليكونوا رهنا عنده ليضمن ولاءهم. وهذا يدل على سلطته عليهم وأنهم ليسوا بهذه القوة التي توحي بها المقولة.
وقوع عمرو بن كلثوم نفسه في الأسر
في ديوان عمرو بن كلثوم قصة من كتاب الأغاني تحكي وقوعه في الأسر على يد رجل يسمى يزيد بن عمرو بن شمر. أسره وقال له أنت الذي تقول: متى نعقد قرينتا بحبل … تجذ الحبل أو تقص القرينا؟ أما أني سأقرنك إلى ناقتي، أي أن الرجل أراد إذلاله بربطه إلى الناقة، لكنه تراجع بعد كلام قومه فأكرم عمرو بن كلثوم لمكانته وأطلقه.
والمقصود أن حتى عمرو بن كلثوم الفارس القوي ينتصر ويهزم ويخذ أسيرا كما يحدث بين العرب طوال الوقت. وأنه ليس بهذه المنعة الأسطورية التي تكونت بتأثير معلقته.
كيف كان الوضع عندما ظهر الإسلام؟
بدأت قبيلة بكر منفردة هجمات على تخوم فارس الملاصقة لها. فقام سيدها المثنى بن حارثة الشيباني (وشيبان من بكر) بحملات عسكرية على فارس في العراق. وهو أول افتتح السواد وهاجم الفرس في الفتوحات الإسلامية قبل أن يأمره الخليفة أبو بكر الصديق. ثم وفد على أبي بكر فأكرمه وأمره على قومه وأقره على ما فتح. ثم أرسل له خالد بن الوليد في مدد، وبهذا بدأت فتوحات العراق.
ويظهر من هذا أن قبيلة بكر كانت قوية ممتنعة في أرضها لدرجة أنها تبادر لتهاجم الفرس وتشارك بعفالية بقيادة سيدها المثنى بن حارثة الشيباني.
وقد أغار المثنى بن الحارث نفسه قبل الإسلام على تغلب. فظفر بهم وقتل منهم وغرق منهم ناس كثيرون في نهر الفرات. والقصة مذكورة في كتاب الكامل في التاريخ، ويظهر من اجتماع القصص أن بكرا كانت بارزة وظاهرة على تغلب في الفترة التي سبقت ظهور الإسلام.
حرب تغلب ضد المسلمين وتأخرها في الإسلام
مر بنا أن تغلب قد استقرت بين الروم والفرس قبل الإسلام وتحولت إلى المسيحية، وعندما قامت الفتوحات الإسلامية حاربوا مع الروم والفرس ضد العرب، فيذكر اسمهم صراحة في معركة الولجة ومعركة عين التمر ضد خالد بن الوليد. ويذكرون ضمن نصارى العرب في معارك كثيرة لاحقة مما يعرفه المتخصصون في تاريخ الفتوحات الإسلامية.
وبعد الإسلام دخل عدد قليل من تغلب في الإسلام، وبقي أغلبهم على المسحية حتى القرن الثالث الهجري. فحيث استفادوا من تسامح المسلمين. وكانوا يدفعون للمسلمين أموالا باسم الصدقة حددها عليهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه. ويمكنكم أن تبحثوا عن قصة تغلب مع عمر بن الخطاب. ومن مشاهيرهم من النصارى الشاعر الأخطل الذي كان نديما للخليفة عبد الملك بن مروان الأموي وجرير والفرزدق ولهم معهم أخبار كثيرة.
وهكذا نرى أن تغلب لم تكن غالبة على العرب قبل الإسلام. بل كانت منسجمة مع وضعها الجديد خارج الحدود الأصلية لبلاد العرب وقد تأثرت بقوة بمحيطها الجديد.
خاتمة البحث وتحقيق المقولة:
يتضح أن كلمة (لولا الإسلام لأكلت تغلب العرب) غير صحيحة من ناحية حقائق التاريخ. وهي من إطلاقات الكتاب القدامى المبنية على الحكايات الشعبية. فالحقيقة أنه لولا الإسلام لذابت تغلب خارج محيطها العربي. وأن الإسلام هو من أعادها للعرب بعدما كادت تنفصل. ونعرف أن أيام مجد تغلب وعزها كانت مع كليب بن ربيعة بعد معركة خزازى ثم ضعفوا في حرب البسوس وما بعدها.
أما سبب انتشار المقولة فهو التأثير البالغ لمعلقة عمرو بن كلثوم. وقد أثرت هذه المعلقة في رواية التاريخ نفسه فاشتهرت وغطت على ما عداها. وأدرك البعض ذلك عندما رأى كثة ترديد قبيلة تغلب للقصيدة حتى ألهتهم كأنه يعيب عليهم ذلك. فاقل
ألهت بنو تغلب عن كل مَكرُمةٍ … قصيدة قالها عمرو بن كلثوم
يفاخرون بها مذ كان أولهم … يا للرجال لشعر غير مسؤوم
وهذا يدل على القوة الهائلة للشعر وصاحب الصوت الأعلى يحكي القصة ويفرض ريته على التاريخ. وعلى قوة القصيدة نفسها. لكنها تكتب أحيانا تاريخا مخالفا للتاريخ الحقيقي الذي يكون أقل متعة من الصورة الشعرية.
كما أن مثل هذه الكلمات تتردد كثيرا. وتحب كل قبيلة أن تنسب هذه الكلمة لنفسها: فيقال: لولا الإسلام لأكلت بكر العرب، ولولا الإسلام لأكلت عامر العرب. وهو من باب المفاخرة العربية القديمة والحاضرة. يذكرني أيضا بالمقولة التي يكررها كل العرب حاليا منسوبة للقائد الألماني هتلر: أعطني جنديا مصريا وسلاحا ألمانيا لأغزو بهم العالم. وتتغير جنسية الجندي في كل بلد عربي. كما كان العرب القدماء يفعلون مع كلماتهم.


شكرا لك استاذنا الفاضل على هذا الشرح