مقالات

كيميت، هجوم على العربية وتشويه لحضارة مصر القديمة.

الحضارة المصرية القديمة - كيميت.

ظهرت في مصر مؤخرا دعوات تنسب نفسها إلى الحضارات المصرية القديمة التي اندثرت منذ زمن طويل. تسمي نفسها (كيميت) وهو كما يقولون اسم مصر بإحدى لغاتها القديمة الكثيرة. ويرددون دائما أنهم ليسوا عربا، وأن مصر ليست عربية.

وهم لا يحاولون دراسة مصر القديمة كما يدرسها قارئ التاريخ. بل يبحثون عن عالم مثالي له تصورات أقرب إلى الهوس بمصر القديمة. ويستدعون حضارتها للمكايدة الشعبية والسياسية وإثارة النعرات بين الشعوب العربية. ضمن تصور قاصر يدعي أنه سيعيد إحياء وجودها على حساب اللغة والثقافية العربية، وادعاء أن هذا هو الأصل، مع عدم وجود منهج محدد إلا العداء للغة العربية والشعوب الأخرى وترديد شعارات شديدة القومية. فترى شبابا وربات منازل من أواسط المصريين يسبون العرب الذين ينتمون لهم ويتغنون بإحياء الحضارات القديمة. مدفوعين باحتقان شديد غير مبرر.

 قصور شديد في فهم التاريخ.

لا تضم سرديات حركة كيميت تصورات علمية صحيحة، ولا يقرؤون التاريخ بتعقيداته. بل هو هوس وتعظيم شعبوي للبحث عن عظمة ضائعة تعوض الشعور الحالي بالتراجع. وهو بذلك تاريخ تخيلي ومزيف حسب الطلب. ومنطقهم أننا إذا كنا متأخرين الآن عن الأمم فلنبحث عن شيء قديم. ثم نلصق كل أسباب التأخر بالآخرين الذين سببوا الاضمحلال. 

لكن التاريخ الحقيقي يعلمنا أن الحضارات تنشأ وتزول بسبب عوامل اجتماعية كثيرة. ومنها العوامل الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية وظهور فلسفات أو أديان جديدة تغير المجتمع من الداخل. إضافة إلى العلاقات مع الجيران والتأثر بهم. وقد حدث كل هذا في مصر القديمة، فتبدلت النظم السياسية عدة مرات وتغيرت الأديان والأسر الحاكمة. يتصور أتباع (كيميت) أن الحضارة المصرية كانت شامخة تسبق الجميع، ثم جاء مجموعة من الأعراب البدو كما يحبون تصويرهم فدمروا كل ذلك واستولوا على مصر.

والحقيقة أن التاريخ غير ذلك، فمصر نفسها مرت بمراحل متعددة من التاريخ. فأحيانا تكون مستقلة قوية تتوسع على حساب جيرانها وأحيانا تضعف فتتعرض لهجمات مثلما حدث من الهكسوس والفرس والرومان واليونان. وعندما جاء العرب المسلمون إلى مصر، لم تكن دولة مستقلة. وإنما كانت خاضعة منذ قرون للرومان الذين بدلوا شكلها ولغتها وكانوا يضطهون المصريين لاختلاف المذاهب المسيحية. كما المسيحية نفسها دين لم ينشأ في مصر وإنما دخل إليها من بلاد مجاورة. واللغة حينها لم تكن مصرية خالصة وإنما يونانية في كثير من ملامحها. وكل هذا طبيعي يفهمه دارس التاريخ المتزن الذي يحترم نفسه، لكن أتباع (كيميت) يقرأون التاريخ، إن قرأوا بنظرة شديدة السطحية.

 ليس هناك تاريخ فرعوني واحد

استكمالا للقصور عند حركة (كيميت) فهم يظنون أن مصر القديمة دولة واحدة متصلة ويضعونها جميعا في سلة واحدة. ولا يدركون أن التاريخ المصري والفرعوني نفسه لم يكن شيئا واحدا لأن عمره طويل جدا، فقبل عصر الأسر الفرعونية كان هناك رعاة يعيش في الصحراء التي كانت مروجا خضراء، ثم استقر الناس على ضفاف النيل وبدأ قبسات من الحضارة في الظهور.

وقبل عصر الفراعنة أتت هجرات من منطقة الهلال الخصيب، ثم تتابعة الهجرات من أماكن كثيرة كما يعرف المتخصصون، وهذا متوقع لدولة كبيرة تقع وسط العالم، وحتى بعد قيام الأسر ظل التاريخ المعقد، فقد تغير فيه الدين واللغات والأسر الحاكمة والنظام السياسية عدة مرات، لأن الأسر الفرعونية تختلف كثيرا حتى كأنها عوالم مختلفة لا يجمعها إلا وجودها في نفس المكان. وهناك أسر فرعونية ذات أصول أجنبية فعلا.

وعندما جاءت كليوباترا اليونانية كانت أهرام الجيزة قديمة جدا لدرجة أنها لم تعرف عنها شيئا. وهكذا فتاريخ مصر مراحل كثيرة متعددة.

والسؤال الذي يطرح نفسه أمام حركة (كيميت)، أي مرحلة من التاريخ يريدون العودة لها؟ وأي لغة من لغاتها سيتكلمون؟ وهل سيقدسون آلهتها الكثيرة المتعددة؟ لا توجد إجابة محددة. 

 الهروب للماضي ليس حلا لمشاكل الحاضر

إن الهروب إلى عظمة الفراعنة وحضارتهم لن يكون حلا للمشاكل التي تواجهها المجتمعات العربية في العصر الحالي، وإلقاء تبعة التعثر على العرب هو طفولة أيضا. فالتاريخ يدرس للمتعة ولأخذ العظة ولفهم الحاضر، أما استنساخ لحظة واحدة وإيقاف الزمن عندها فليس حلا لشيء. 

حركة كيميت تشوه الاستمتاع بالحضارة المصرية القديمة. 

الحضارة المصرية القديمة عظيمة فعلا، وقد تركت آثار مدهشة، أتوقف كثيرا أمام الأهرام وأتأمل العظمة في إنشاءها ثم الدقة الكبيرة في نحت التماثيل المتنوعة. لا شك أن الحضارة المصرية كانت مبهرة وهي مصدر فخر لمصر. لكن تعصب أتباع (كيميت) ومبالغاتهم تفسد التجربة. لأنهم يصرون على فرض أنفسهم أمام كل باحث وزائر. وهم في طريقهم لتحويل موضوع جميل وجذاب إلى موضوع منفر.

إصرار (كيميت) على التقسيم العرقي وادعاء النقاء العرقي للمصريين.

يتبنى أتباع (كيميت) منهجا يصر على تقسيم الناس حسب أصولهم العرقية. وهو منهج يثير الحساسيات بين الناس ويفرق بينهم، فالعقل السليم والدين الإسلامي يدعوون إلى مساواة البشر. فيقومون بإجراء الاختبارات الجينية ويكثرون الكلام حولها ليقسموا الناس حسب أصولهم. وإذا أتت الاختبارات بدلائل معينة يحكمون أن هذا الشخص ليس مصريا، أي أنه من سلالة المحتلين. 

ومن المعروف تنتشر الشعب المتصل عرقيا قد ينتشر بين الدول المختلفة، كما أن الدولة الواحدة تتكون من مزيج من الأعراق. والمصريون الحاليون هم نتيجة لكل الشعوب الكثيرة الي مرت على مصر. لكنهم يصرون على فكرة النقاء العرقي للمصريين، وهي مستحيلا عمليا مع ربط أنفسهم ببقعة جغرافية محددة هي أرض مصر المعروفة الآن. وهذا قصور كبير يتنافى مع تعقيدات المجتمعات البشرية. كما أنه دعوة مباشرة لعزل مصر عن محيطها واستعداء جيرانها وخلق بلد انعزالي. 

 العربية ليست عرقا

وبينما يصر أتباع كيميت على تقسيم الناس حسب البقعة التي يتواجدون فيها الآن. يغفلون أن الشعب المصري الحالي مزيج من أمم كثيرة، ومن المستحيل تقريبا تواجد عنصر نقي. بل إن كثيرا من الفراعنة أنفسهم كانوا من أصول أجنبية مثل الأسرة الخامسة عشرة والأسرة الثانية والعشرين. وهذا متوقع في دولة تقع في منتصف العالم ولها طويل تاريخ معقد كمصر، فقد امتزجت الأعراق في خلاط حضاري كبير أنتج الشعب المصري الحالي. 

أثناء إنشغال المتعصبين في تقسيم الناس يفوتهم أن الثقافة العربية ليست قائمة على التقسيم العرقي للناس. وأن اللغة العربية تخطت الارتباط بعرق معين منذ اللحظة التي نزل بها القرآن الكريم للبشر كافة، وجاءت العربية بالإسلام الذي يؤكد على سواسية البشر، فأصبحت اللغة منهجا وطريقة تفكير، تقبل بانضمام كل البشر لها. فالعرب الآن منهم بيض وسود وخمريون وأفارقة وأسيويون وأوروبيون في إطار من الغخوة والاحترام المتبادل، المبني على أساس ديني وحضاري قوي.

مصر دولة ذات ثقافة عربية راسخة.

توالت على مصر هجرات عربية كثيرة جدا بعضها قبل الإسلام.  فوجود العنصر العربي ليس غريبا على مصر. وبعد الإسلام توالت هجرات كثيرة جدا من قبائل الجزيرة والشام وتونس والمغرب والأندلس. وقد ترسخت اللغة العربية جدا في مصر على مدى ألف عام كاملة، وهي فترة طويلة جدا، فقبلها كل السكان

وفي مصر دونت بعض أمهات الكتب العربية والإسلامية التي انتشرت في العالم الإسلامي كله، ككتاب الأم للشافعي ، وشرح المعلقات لابن النحاس، ومر بها ابن مالك صاحب الألفية، وفيها كتب ابن عقيل شرحه الشهير لها، وفيها ظهر ابن هشام النحوي وكتب جميع كتبه، وفيها عاش قراء القرآن من القرون الأولى كورش بن نافع صاحب القراءة المعروفة.

فاللغة العربية مترسخة تماما في مصر ربما أكثر من أي لغة أخرى في تاريخها، وقد قبلها كل السكان حتى غير المسلمين الذي كتبوا الإنجيل باللغة العربية، ومحاولة إنكار ذلك وسلخ اللغة العربية من مصر هو إنكار بالغ وإهانة للتاريخ فيها، فبصمة المسلمين والعرب في مصر أقوى كثيرا من أي مؤثر آخر. ولن يستطيع أبناء (كيميت) تغيير ذلك.

الفراغ والجهل جعل أتباع كيميت يرددون أي حديث

إن فكرة (كيميت) واسترجاع الحضارة الفرعونية فكرة سطحية جدا، فالتاريخ لا يعود بهذه الطريقة، وهناك فارق هائل بين دراسة التاريخ والاستمتاع بعظمته وبين عيش الحاضر. خاصة مع وجود قيم دينية تؤكد على أنه لا فرق بين عربي ولا أعجمي إلا بالتقوى. ويتوجب على الإنسان أن يضع كل شيء في موضعه.

لم تنتشر مثل هذه الأفكار غير الطبيعية الضعيفة إلا بسبب فراغ الشباب وقلة علمهم. ما جعل تهييجم وشحنهم أمرا سهلا. وهنا أنا أدعو الشباب لإعادة التفكير. فكرة حركة كيميت عرقية ومتعصبة تجاه اللغة العربية والإسلام المرتبط بها بشدة.  ويستعجب الشباب قولنا أنها تتعارض مع الإسلام. لأن ثقافتهم العربية ضعيفة، فهم لا  يدركون ارتباط اللغة العربية بالدين الإسلامي، ولا يدركون النتائج المترتبة على ترديد شعاراتهم.

ما الذي يجمعنا حقا بالحضارة المصرية القديمة؟ 

فقدت الحضارة المصرية القديمة عوامل الاستمرار، وأهمها الدين واللغة. فالمصريون الآن مسلمون ومنهم مسيحيون ولا وجود لأي دين قديم. وبالطبع لن يترك الناس أديانهم ليعبدوا أمون ويقدسوا مفتاح الحياة مرة أخرى، إضافة إلى أن أديان المصريين القدماء كثيرة وليست دينا واحدا.

أما اللغة، فمن الطبيعي أنها كانت لغات كثيرة ولم تكن لغة واحدة بسبب تطاول الزمن. واللغات تتغير بطبيعتها مع الزمن، وحتى لو بقيت كلمات من لغات قديمة فقد استوعبتها العربية تماما وفقدت العلاقة مع أصلها. العربية ستستمر لأنها مترسخة وتقوم بحاجات المجتمع ومرتبطة بالدين الإسلامي، ولهذا فهي باقية.

أما الأصول العرقية للناس فليست عاملا مؤثرا لأن الإسلام ألغى هذه الفكرة منذ زمن بعيد ولا يوجد في مصر تقسيمات عرقية واضحة مثل دول أخرى. فقد امتزجت الأجناس كلها في وعاء حضاري كبير.

حتى نموذج الدولة المصرية القديمة لن يعيش في هذا الزمن. فرعون يعامل كالإله (أو هو إله فعلي) ويملك كل شيء ويجمع أكواما من الذهب لتوضع في مقبرته ويحيطه كهنة يشكلون طبقة تضمن له السيطرة. وباقي الشعب يحمل الأحجار ليبني مقربة للملك طول الليل والنهار. هذا النموذج لن يعيش في هذا الزمن وسقط لأن وقته انتهى.

ما يجمعنا حقا بالفراعنة هو الجغرافيا ودروس التاريخ. فنحن نعيش في نفس البقعة التي عاشوا عليها ونتأمل آثارهم التي هي مبهرة بحق. لكن زمنها انتهى والتاريخ يسير إلى الأمام.

 

 ينتشر مثل ذلك في بقية البلدان العربية. 

أليس غريبا أن توجد في كل دولة عربية فكرة شبيهة في نفس الوقت؟ وكلها مبنية على إحياء القوميات القديمة والحط من شأن العرب؟

ففي بلاد المغرب العربي يوجد دعاة الأمازيغية. وهم أكثر تخبطا من دعاة كيميت لأنهم لا يستندون على شيء في الحقيقة، فلا آثار واضحة كالآثار الفرعونية ولا لغة ولا شيء يمكن البناء عليه في ادعاءتهم. ومع ذلك فهم يصدقون أنفسهم، وفي العراق وبلاد الشام حركات أقل تأثيرا للدعوة للآشورية والسيريانية وفي اليمن هناك من يدعو للتبابعة وإن كان بشكل أقل.

هذا التزامن في الدعوة للقوميات القديمة والعداء الصارخ للعربية يطرح أسئلة منطقية ومن المفترض أن يلفت نظر الشباب والشابات الذين انطلقوا وراءهم.

تعلم الأدب العربي من الصغر يمنع هذه الأفكار. 

وأخيرا، فهذه الأفكار ضعيفة ولا تقف على أساس تاريخي ولا اجتماعي ، ويمكن أن نمنع انتشارها إذا اهتممنا بنشر الثقافة العربية بين الشباب، حينها لا تكون عقولهم فارغة وقابلة لسماع كل مار في الطريق. إذا درس الشباب أشعار امرأ القيس وطرفة وأحبوهما وتعلموا ما فيها من لغة وأدب، وإذا تشبعوا بحب العربية من صغرهم، فلن تجد هذه الأفكار طريقا إلى رؤوسهم، وهذه إحدى أوجه قوة اللغة العربية. فهذه الدعاوات منقطعة وليس لها رصيد أدبي يذكر مقارنة باللغة العربية الحية القوية.

محمد صالح

مدون وكاتب عربي، أهتم باللغة العربية وشرح الشعر والأدب العربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي