
معلقة طرفة بن العبد هي أطول معلقة جاهلية، رغم أن صاحبها هو أصغر الشعراء سنا، فقد قتل في عمر السادسة والعشرين على يد الملك عمرو بن هند.
_________________________________
موضوع معلقة طرفة بن العبد ومحتواها
________________________________________________
سبب إنشاد المعلقة هو الخلاف والافتراق عن القبيلة، مثل ذلك بمشهد السفينة المسافرة والغزالة التي تترك قطيعها، ثم الذهاب لنجدة لصديقه على ناقته التي أطال في وصفها كثيرا لأنها كانت وسيلته للخلاص، ونوه بصفات السيادة عنده يتحدى من يشكك فيه بذريعة صغر سنه، وبرر سلوكه وإسرافه في الملذات واستهانته بالموت، وذكر خلافه مع أولاد عمه دون أن يخطئ نفسه بالطبع، وذكر أنه حاول رأب الصدع معهم وقدم كثيرا من أجلهم وأنه مستعد لحمايتهم وفعل أي شيء، لكن كل ما يفعله لا يلقى التقدير منهم، ولهذا يطلب منهم إن كانت أخلاقه لا تعجبهم أن يتركوه لحاله، وأنه يتمنى لو كأن أقاربه أناسا غيرهم، ويؤكد أنه يفعل ما يريد فيختار ناقة كبيرة من أمواله ويقتلها رغم اعتراضات أهله، كأنه يتعمد إغاظتهم ويؤكد استقلاليته.
وبسبب كل ما حدث بينهم أكد أنه جاهز لهم بالسيف وتحدث عن صفات السيف القاطع وسرعته في القيام به وشدة ضرباته تهديدا لهم، وفي النهاية قال إن كل ما يحدث لا يقلقه ولا يهمه وأن حياته مقامرة فلا يدري ما سيحدث معه وختم القصيدة بأنهم سيعلمون في قادم الأيام من هو المحق فيهم، وأن الأيام ستبدي لهم ما كانوا يجهلون وسيعلمون أنه على الحق. هذه باختصار أفكار المعلقة وهي تعد اختصارا لكل أحداث حياته.
القصيدة طويلة ومنوعة الفصول، تتصاعد ببطء حتى تبلغ ذروة القوة والفتوة في آخرها، وقد أبدع في كل فصل حتى أنك تغوص في الفصل ودقة وصفه حتى تكاد تنسى غيره وتعجب كل أجاد في كل غرض منها واستخدمه لغرضه في إثبات تفرده عن قومه.
أقدم لكم شرحا ميسرا مع معاني الكلمات لهذه القصيدة الخالدة وأتمنى أن ينال إعجابكم.
1- لِخَوْلَةَ أَطْلَالٌ بِبُرْقَةِ ثَهْمَدِ … تَلُوحُ كَبَاقِي الوَشْمِ فِي ظَاهِرِ اليَدِ
أطلال: آثار البيوت، الأجزاء التي تبقى قائمة من آثار البيوت بعد خرابها.
بُرقة: بضم الباء، هي الأرض التي تختلط بها الصخور بالرمال، أو تتخللها الصخور فتبرق تحت الشمس.
ثهمد: اسم موضع في جزيرة العرب.
تلوح: تبدو من بعيد، تلَوَّح الهلال: أي ظهر ، ولوح بالشيء، أظهره ولمع به
الوشم: تلوين الجلد ونقشه بغرز الإبر فيه بلون مزرق، وكان عادة شائعة عند العرب.
ظاهر اليد: يؤكد أن الوشم موجود ومرئي على ظهر اليد يراه كل مبصر، وليس مخفيا.
يشعر طرفة بحضور الحبيبة التي سماها خولة أو كأن خيالها حاضر معه في أرض ثهمد الصخرية اللامعة. تظهر خافتة كما يظهر باقي الوشم على طهر اليد، واضح ويمكن الإحساس به، فحضورها محسوس في قلبه.
يعبر البيت عن الفراق المحتم مع قبيلته وخفوت علاقتهم بحيث لم يبق منها إلا شيء قليل، مثل الوشم الذي بقي منه أثر قليل على اليد وسرعان ما سيزول،
2- وُقُوفاً بِهَا صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيَّهَمْ … يَقُولُونُ لَا تَهْلِكْ أَسَىً وَتَجَلَّدِ
مطي: هي الحيوانات التي تركب، سميت كذلك لأنه يمتطى ظهرها أي تركب، والتمطي هو التمدد.
أسى: الحزن.
تجلد: أظهر الجلد، أي أظهر القوة والصبر على المصائب.
المعنى: أن أصحابه يقفون فوق رأسه على حيواناتهم فيما يتفقد هو المكان، يدعونه ألا يهلك نفسه من الحزن وأن يظهر القوة والجلد في هذا الموقف.
في البيت تأثر واضح ببيت امرؤ القيس الذي مر علينا في معلقته:
وقوفا بها صحبي علي مطيهم … يقولون لا تهلك أسى وتجمل
هذا التأثر اقتباس لقول شهير وليس سرقة أدبية. لأن نسبة البيت الأول لامرؤ القيس مشهورة، ولن يؤثر أخذ طرفة منها شيئا، لأن كل العرب في وقتهم كانوا يعلمون البيت الأصلي وصاحبه، فهي مثل اقتباس أحدنا أسلوبا قرآنيا أو تطعيم مقالته بمثل شهير.
وليس هذا هو البيت الوحيد الذي اقتبسه طرفة من امرؤ القيس كما سنرى. ولا طرفة الشاعر الوحيد الذي اقتبس من امرؤ القيس. ولا عجب، فامرؤ القيس هو الذي علمهم هذا الفن وخسف لهم عين الشعر.
ومن جميل المعاني أن كلمة تجمل تليق أكثر على امرؤ القيس لأنه ملك ينغي عليه الحفاظ على مظهره، أما طرفة فشاب صغير، يغلب عليه أن يضعف، لهذا ينصحه مرافقوه بإظهار القوة فكلمة تجلد تناسبه أكثر.
لما ناداه أصحابه وطلبوا منه التجلد، عادت به ذاكرته إلى ذكر خولة، فتذكر مشهد رحيلها، وهذا في البيت التالي:
3- كَأَنَّ حُدُوجَ المَالِكِيَّةِ غُدْوَةً … خَلَايَا سَفِينٍ بِالنَّوَاصِفِ مِنْ دَدِ
الحدوج: من مراكب النساء التي تثبت فوق الإبل، وحدج الأحمال أي شدها.
المالكية: بنو مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة (قوم طرفة).
غدوة: في أول النهار، كناية عن الإبكار.
خلايا: هي السفن العظيمة، ترافقها سفن أخرى صغيرة، كأنها قطيع جمال مع صغارها.
النواصف: جمع ناصفة، مواضع تتسع من الوادي، مثل بطن، وهي مسيل الماء بين مرتفعين، كناية عن انتصاف الطريق والانفصال، وسميت ناصفة لأنها قدر نصف الوادي والطريق.
دد: اسم موضع في بلاد العرب.
بالنواصف من دد، الجار والمجرور متعلق بحدوج المالكية، فالنواصف وصف لها، فيكون البيت بعد إعادة ترتيبه، كأن حدوج المالكية غدوة بالنواصف من دد، كأنها سفين.
يصف كبر قافلة أهله وهم يغادرون، كأنها سفن كبيرة كثيرة في منتصف الطريق، وهو الوادي المسمى دد.
يوشي هذا البيت بموضوع القصيدة، وهو خلاف طرفة مع أقاربه، فها هو يكني عنهم بقافلة مغادرة، كأنه يفارقهم.
4- عَدَوْلِيَّةٌ أَوْ مِنْ سَفِينِ بْنِ يَامِنٍ . . . يَجُورُ بِهَا المَلَّاحُ طَوْراً وَيَهْتَدِي
عدولية: ينسب السفن إلى قرية بالبحرين تسمى عدولة تشتهر بصناعة السفن
سفين: جمع سفينة
ابن يامن: رجل من أثرياء العرب، يملك السفن، ويبدو أنه هو نفسه الرجل الذي ذكره امرؤ القيس في قوله (أو من نخيل بن يامن).
يجور: يخطئ في قيادتها ويضل الطريق.
الملاح: قائد السفينة.
طورا: مرة.
نسب السفن إلى قرية عدولة أن لصاحبها، تسير سفن قومه مبتعدة، يضل ملاحها أحيانا فلا يسير في الطريق الصحيح ويهتدي أحيانا أخرى، مثل القبيلة وأقاربه، يخطؤون مرة في رأيهم ويهتدون مرة.
5- يَشُقُّ حَبَابَ المَاءِ حَيْزُومُهُا بِهَا . . . كَمَا قَسَمَ التُّرْبَ المُفَايِلُ بِاليَدِ
حباب الماء: أمواجه.
حيزومها: مقدمة السفينة.
المفايل: هي لعبة، كانوا يجمعون التراب ثم يخبئ الطفل شيئا ويقسم كومة الرمل إلى نصفين، ويخمنون مكان الخبيئة يمينا أم يسارا، وكانت من ألعاب القمار كما قال لبيد بن ربيعة: كما لعب المقامر بالفيال.
تشق السفينة الماء وتفصله قسمين بينما هي تبتعد، ولا يدري هل يلتقيان ثانية أم لا، فهو كالمقامر بالفيال لا يدري ما يكون.
6- وَفِي الحَيِّ أَحْوَى يَنْفُضُ المَرْدَ شَادِنٌ … مُظَاهِرُ سِمْطَيْ لُؤْلُؤٍ وَزَبَرْجَدِ
أحوى: ما شاب حمرته أو خضرته سود كالمحترق، وهي صفة الغزال الأعفر العربي، على بطنه شريط أسود، وفي القرآن الكريم: فجعله غثاء أحوى.
المرد: الغض اللين من ثمر الأراك.
شادن: ولد الظبية إذا شب واستقل عن أمه.
مظاهر: يرتدي ثوبين فوق بعضهما.
سمطي: السمط هو العقد أو السلسلة من خيط وجواهر.
زبرجد: حجر كريم.
يصف فتاة في الحي، شبهها بالظبي العربي الأعفر في بطنه سواد، وفي مقتبل الشباب فيه حيوية، أصبح قويا فينفض ثمار الأراك، ترتدي عقدين من الجواهر فوق بعضهما، أحدهما من اللؤلؤ و الآخر من الزبرجد.
7- خَذُولٌ تُرَاعِي رَبْرَباً بِخَمِيلَةٍ . . . تَنَاوَلُ أَطْرَافَ البَرِيرِ وَتَرْتَدِي
خذول: تترك صواحبها.
ربرب: قطيع من الحيوان
خميلة: الرمل اللين ينبت فيه الشجر.
البرير: شجر الأراك. وأطرافه أي المتباعد منه.
ترتدي: تتغطى بالشجر فيحجبها، كأنه ثوب ترتديه.
يقول أن الغزالة ترعى مع قطيعها لكنها تخذلهم وتتركهم لترعى بمفردها من أطراف الشجر البعيد فيخفيها وراءه.
كناية عن انفصال طرفة عن قبيلته، كما تنفصل هذه الظبية الشابة.
8- وَتَبْسِمُ عَنْ أَلْمَى كَأَنَّ مُنَوِّراً … تَخَلَّلَ حُرَّ الرَّمْلِ دِعْصٌ لَهُ نَدِي
ألمى: شفة سمراء.
منور: الكوة أو الفتحة الصغيرة يدخل منها النور فيضيء موضعه.
دعص: الرمل المجتمع اللين.
ندي: فيه طراوة وأثر من الماء.
تتبسم حبيبته عن شفة سمراء فتظهر أسنانها البضاء لامعة، كأن شعاعا من ضوء الشمس اخترق الغيوم وسقط على كثيب ندي من الرمل المبتل بالمطر فأناره.
9- سَقَتْهُ إِيَاةُ الشَّمْسِ إِلَّا لِثَاتِهِ . . . أُسِفَّ وَلَمْ يُكْدَمْ عَلَيْهِ بِإِثْمِدِ
إياة: ضوء الشمس إذا وقع على ماء فلمع.
أسف: أي نثر عليها وسف.
يكدم: يضغط عليه بقوة حتى يترك أثرا.
إثمد: حجر يتخذ منه الكحل للزينة، لونه أسود.
أي أن وجهها مشرق كأن ضوء الشمس سقط عليه فأخذ منها نورها، إلا لثاتها فهي سمراء محددة كالذي وضع عليه قليل من الإثمد ولم يزد ويكبس فيصبح قبيحا، فسمارها محدد جميل.
10- وَوَجْهٍ كَأَنَّ الشَّمْسَ حَلَّتْ رِدَاءَهَا . . . عَلَيْهِ نَقِيِّ اللَّوْنِ لَمْ يَتَخَدَّدِ
حلت رداءها عليه: أسقطت عليه ثوبها.
نقي اللون: أي أنه صافٍ ليس عليه علامات ولا حبوب ولا أثر جدري وغيره.
يتخدد: تظهر فيه الشقوق والأخاديد.
شبه نور الشمس بالرداء، وهو العباءة الخارجية فوق الثوب، وحلته عليه أي وضعته عليه، أعطتها الشمس من نورها فأضاء وجهها صافيا، وهو وجه شاب نفي ليس فيه عيوب من حبوب ولا جدري ولا تشققات وغيره مما يعيب.
___________________________
فصل وصف الناقة
___________________________
ثم خرج طرفة إلى وصف ناقته التي يرتحل عليها ابتعادا عن همومه ومن أجل نجدة صاحبه إن طلبه، وقد أطال كثيرا في وصف الناقة وأضفى عليها الصفات الأسطورية، ربما لأنها متنفس من همومه، وكثرة الكلام عنها تنسيه ضيقه وخلافه مع أهله وحياته المهددة وإحساسه باقتراب موته، فأكثر واستطرد واستمتع بصفات ناقته التي تأخذه بعيدا عن كل هذه الهموم.
11- وِإِنِّي لَأُمْضِي الهَمَّ عِنْدَ احْتِضَارِهِ . . . بَعَوْجَاءَ مِرْقَالٍ تَرُوحُ وَتَغْتَدِي
أمضي: أُذهب وأُبدد.
احتضار: على وزن افتعال، أقوى في الدلالة من حضر، فهو يفيد بذل الجهد القوة في الفعل.
عوجاء: وصف لساق الناقة، والاعوجاج في ساق الحيوان يجعلها أقوى، فهي صفة مدح. ويقال خيل أعوجية، وقال طرفة في قصيدة أخرى يصف خيولهم أنها أعوجيات.
مرقال: ترقل في سيرها أي تسرع
تروح: تعود وقت الرواح أي منتصف النهار
تغتدي: تذهب وقت الغدوة، أي باكرا.
غادرت القبيلة مثل السفن العظيمة، أما هو فيغادر عندما يحضره الهم قويا بالسفر على ظهر ناقة عوجاء سريعة المشي معتادة على كثرة الذهاب والمجيء والسفر الطويل، وسيشرع في وصفها تفصيليا.
12- أَمُونٍ كَأَلْوَاحِ الإِرَانِ نَسَأْتُهَا . . . عَلَى لَاحِبٍ كَأَنَّهُ ظَهْرُ بُرْجُدِ
أمون: سماها بصفتها، من الأمن، أن يأمنها الإنسان على نفسه.
الإران: ألواح الأخشاب التي يوضع عليها الموتى.
نسأتها: دفعها في السير وساقها.
لاحب: طريق بين له علامات.
برجد: كساء مخطط من ألبسة الأعراب.
يصف الناقة بأن مأمونة، يأمنها راكبها على نفسه في عبور الصحراء، وهي صلبة الجسد كأنها الألواح الخشبية التي يسجى عليها الموتى، وقد دفعها على طريق بَيٍّنٍ واضح العلامات كأنه ثوب مخطط. أي أن طرفة يعرف طريقه جيدا وسيسير فيه بثبات.
وهذا البيت بمعناه يشبه قول امرئ القيس
وَعَنْسٍ كَأَلْوَاحِ الإِرَانِ نَسَأْتُهَا … عَلَى لَاحِبٍ كَالبُرْدِ ذِي الحِبَرَاتِ
13- تُبَارِي عِتَاقاً نَاجِياتٍ وَأَتْبَعَتْ . . . وَظِيفاً وَظِيفاً فَوْقَ مَوْرٍ مُعَبَّدِ
تباري: تسابق وتنافس.
عتاقا: الكريمة معروفة الأصول.
ناجيات: التي تنجو بصاحبها من الصحراء.
وظيفا: عظم الساق، أتبعت الوظيف الوظيف، أنها تضع قدمها في نفس موضع يدها، وهي صفة في الجمال الكريمة.
مور: هو الطريق يروح عليه الناس ويجيؤون.
معبد: مذلل مجهز.
يقول أنها في قوتها تنافس أغلى الجمال الكريمة ولا تقل عنها، تضع قدمها موضع يدها (وهي صفة في الجمال الكريمة) وتسير بثبات على طريق مجهز مذلل.
14- تَرَبَّعَتِ القُفَّيْنِ فِي الشَّوْلِ تَرْتَعِي … حَدَائِقَ مَوْلِيِّ الأَسِرَّةِ أَغْيَدِ
تربعت: نزلت في المكان وقت الربيع.
القفين: القف من الأرض ما على وارتفع كأنه قفة، (في معلقة امرئ القيس: ذي قفاف عقنقل)، ويكون عشبها أفضل لأن الأقدام لا تطؤه كثيرا.
الشول: الشئلة هي التي ليس لها ولد فيكون جسدها أقوى، وهي أيضا التي تشول بذيها أي تحركها لقوتها.
مولي: المطر المولي هو المطر الثاني الذي يلي الوسمي، أي نزل عليها مطر كثير أنبت الأرض.
الأسرة: جمع سرير وهو أوسط الشيء وأطيبه، بطون الأودية وأفضل ما فيها.
أغيد: الأغيد من العشب الطري المتمايل، والغيداء، هي الفتاة الناعمة المتمايلة.
حاصل معنى البيت أنها رعت من أفضل الحدائق ذات العشب الكثير الطيب وقت الربيع، وليس معها طفل يشرب منها اللبن فتضعف، فأصبحت في غاية الصحة.
15- تَرِيعُ إِلَى صَوْتِ المُهِيبِ وَتَّتَقِي . . . بِذِي خُصَلٍ رَوْعَاتِ أَكْلَفَ مُلْبِدِ
تريع: ترجع نشطة، الروع والريعان هو النشاط.
المهيب: المنادي، يقصد راعيها.
تتقي: تحمي نفسها.
ذي خصل: أي ذيل ذي خصل، والخصل هي الشعر المتجمع أو الضفيرة.
روعات: حالات هياج الذكر.
أكلف: مولع بها، كَلِف بالشيء أي تعلق به وأراده بشدة، يقصد ذكرا مولعا بها ويطلبها.
ملبد: ملبد الشعر، أي كثيف شعره متلاصق، وكل شعر أو صوف نتلاصق فهو لبد.
يقول أنها تعود إلى صوت الراعي عندما يناديها لأنها مستأنسة غير وحشية وتفهم إشاراته، فعندما يطاردها فحل كلف بها للتزاوج، يناديها صاحبها فتذهب له وتحمي نفسها من الفحل بطرب ذيلها ذي الخصل.
16- كَأَنَّ جَنَاحَيْ مَضْرَحِّيٍ تَكَنَّفَا . . . حِفَافَيْهِ شُكَّا فِي العَسِيبِ بِمَسْرَدِ
مضرحي: هو النسر الكبير.
تكنفا: أحاطا به.
حفافيه: حوافه.
شكا: أدخلا.
العسيب: عظم الذنب.
مسرد: هو سيخ الشواء.
يصف ذنبها الذي تسد به الطريق على الذكر، فيقول أنه كبير كأنما شك فيه جناحا نسر، وأحاطا به من حوافه، يريد أن يصف كثرة الشعر على ذيلها وأنه كثيف عريض كأنه جناحان حول العظم.
17- فَطَوْراً بِهِ خَلْفَ الزَّمِيل ِوَتَارَةً . . . عَلَى حَشَفٍ كَالشَّنِّ ذَاوٍ مُجَدِّدِ
طورا: مرة
الزميل: الراكب الثاني خلف قائدها.
حشف: كل رديء جاف هو حشف، كالتمر أو الجلد الجاف، يقصد هنا ضرعها اليابس، لأنها لا ترضع.
الشن: الجلد البالي.
ذاوٍ: ذابل
مجدد: لا لبن فيه.
يقول أنها تتلاعب بذيلها لأنها صحيحة قوية، فمرة تضرب به خلف الراكب الثاني أو على موضعه، ومرة تضرب به ضرعها الجاف.
وبهذا أظهر طرفة أنها قادرة على حمل رجلين والسير بهما دون تعب، وأنها لا ترضع فتحتفظ بقوتها كاملة وجاهزة للرحلات والسفر.
18- لَهَا فَخِذَانِ أُكْمَلَ النَّحْضَ فِيهِمَا . . . كَأَنَّهُمَا بَابَا مُنِيفٍ مُمَرَّدِ
النحض: اللحم المكتنز.
منيف: قصر مشرف مرتفع.
ممرد: مصقول أملس، يقصد بابي قصر منيف
يصف اكتناز اللحم في فخذيها وطولهما كأنها بابان حجريان لقصر شانخ مشيد بالحجارة.
19- وَطَيُّ مَحَالٍ كَالحَنِيِّ خُلُوفُهُ . . . وَأَجْرِنَةٌ لُزَّتْ بَدَأْيٍ مُنَضَّدِ
طي: مطوية.
محال: هي فقرات الظهر.
الحني: هي الأقواس، سميت كذلك لأنها منحنية الشكل.
خلوفه: هي الأضلاع الخلفية في الجمل.
أجرنة: جمع جران، وهو رقبة الجمل من الأمام، وما يمس الأرض من الرقبة عندما تجلس، والناقة لها جران واحد.
لزت: ألزقت.
دأي: عظام الصدر.
منضد: مرصوص ومرتب.
كل كلمات البيت تحتاج إلى إيضاح، لأنه يصف تشريح الجمل وأجزاء جسده وأغلبنا لا يعرف هذه الأوصاف الآن.
فهو يشرح جسدها ويفصله تفصيل الخبير.
يقول أن لها فقرات وأضلاع محنية كالأقواس من الخلف، وعنق ملتصقة بعظام صدر مرصوصة ومرتبة، فكأن جسدها بنيان مرصوص.
20- كَأَنَّ كِنَاسَيْ ضَالَةٍ يَكْنُفَانِهَا . . . وَأَطْرُ قِسِيٍّ تَحْتَ صُلْبٍ مُؤَيَّدِ
كِناسي: الكِناس هو حفرة تحت الشجر يحفرها الحيوان في الرمل ليجلس في الظل والرمل البارد.
ضالة: حيوان بري، وشجر الضال هو السدر، والمعنى يحتمل هذا وهذا.
يكنفانها: يحيطان بجوانبها.
وأطر: إطارات.
قسي: أقواس.
صلب مؤيد: يقصد ظهرا صلبا ومعززا.
يقول أن إبطيها واسعان كأنهما الكناس، وهو الفتحة الواسعة التي يصنعها الحيوان في الأرض، يشير إلى وسع الإبط في الحيوان عن جسدها وهذا أفضل لسيره، حيث يتحرك الطرف متسعا وتكون خطواته كبيرة واسعة.
ويشير إلى إنحناء ضلوعها مثل الأقواس، وهي مثبتتة تحت عظم صلب يعززها، فهو يضع لها صفات دقيقة جدا للجمال العتيقة.
21- لَهَا مِرْفَقَانِ أَفْتَلَانِ كَأَنَّمَا . . . أُمِرَّا بِسَلْمَيْ دَالِجٍ مُتَشَدِّدِ
مرفقان: المرفق هو الذي نسميه الآن الكوع، المفصل بين العضد والساعد في الذراع.
أفتلان: مشدود العضلات، وعندما يكون الجسد مفتولا فإن الذراع تبتعد عن الجسد، وهذا في الإنسان أيضا. المفرق الأفتل هو البعيد عن جسدها فلا يحتك بها كلما سار.
بسلمى: السلم هو الدلو
دالج: دلو يدلج داخل البئر، أي داخل عميقا فيها
متشدد: مشدود بفعل الثقل والوزن.
يقول أن مرفقيها صلبان مفتولا العضلات متباعدان عن الجسد بفعل العضلات البارزة، فيهما شدة كأنهما حبال الدلو الثقيل المشدود، فإن الحبل إذا ربط فيه دلو ثقيل يكون صلبا ومشدودا بالثقل، وهكذا شبه مرفقي الناقة، عضلاتهما شديدة مفتولة.
22- كَقَنْطَرَةِ الرُومِيِّ أَقْسَمَ رَبُّهَا . . . لَتَكُتَنَفَنْ حَتَّى تُشَادَ بِقَرْمَدِ
قنطرة: الجسر المقوس الذي يبنى فوق النهر ونحوه ليعبر فوقه الناس.
الرومي: أي من الروم، وكان الروم أهل حذق في المباني الكبيرة، قياسا بالعرب.
ربها: صاحبها.
لتكتنفن: تكتنف أي يحيط بها ويحميها حتى ينتهي منها، وأكد طرفة على ذلك بنون التوكيد الخفيفة.
تشاد: تبنى.
قرمد: أحجار الطوب.
شبهها في شكلها وصلابة جسدها بقوة وشكل القنطرة الحجرية، والقنطرة مقوسة كجسد الناقة وسنامها، وقد اعتنى بها صاحب القنطرة وأقسم على بنائها على أقوى شكل وأحكمه.
23- صُهَابِيَّةُ العُثْنُونِ مُوجَدَةُ القَرَا . . . بَعِيدَةُ وَخْدِ الرِّجْلِ مَوَّارَةُ اليَدِ
صهابية: لونها أصهب، الأحمر الذي يشوبه صفرة وبياض.
العثنون: شعر كلحية الرجل ينبت على رقبة الجمل عند حلقه، وهو صفة خلقية لها.
موجدة القَرا: القرا هو الظهر، وموجدة القرا أي قوية الظهر.
وخد: الخطوات، بعيد وخد الرجل أي واسعة الخطوات.
موارة: التي تجيء وتذهب في سيرها، ومر علينا المَور، وهو الطريق الذي يجيء الناس عليه ويذهبون.
24- أُمِرَّتْ يَدَاهَا فَتْلَ شَزْرٍ وَأُجْنِحَتْ . . . لَهَا عَضُدَاهَا فِي سَقِيفٍ مُسَنَّدِ
أمرت: أي فُتِلت، شددت وقُويت.
فتل: هو الشد والإحكام.
شزر: نفس المعنى، الشد المحكم القوي.
أجنحت: أي اعتمدت عليه واستندت، أجنح على مرفقه أي استند عليه.
عضداها: ما بين الكوع إلى الكتف، في الإنسان والحيوان.
سقيف: كل ما رفعته هو سقيف.
مسند: مسنود، مدعم.
أي شدت يداها كما يشدد الحبل المفتول فتلا شديدا، وثبتت يداها وانغرزت في أساس من جسد قوي مسنود أيضا، كأنها مصنوعة صناعة وكل جزء فيها قوي ومثبت بإحكام.
25- جَنُوحٌ دِفَاقٌ عَنْدَلٌ ثَمَّ أٌفْرِعَتْ . . . لَهَا كَتِفَاهَا فِي مُعَالىً مُصَعَّدِ
جنوح: أي تجنح نحو الجانب وتميل لشدة سرعتها، فكأن سائقها لا يقدر على توجيهها على الطريق لشدة اندفاعها.
دفاق: تتدفق بالسير كما يتدفق النهر المندفع بالماء.
عندل: ضخمة الرأس.
أفرعت: نبت لها كتفان كالفرعين من جسدها.
معالى: أي مرفوع للاعلى.
مصعد: أي صاعد للأعلى أيضا.
هذه الناقة تجري بسرعة لدرجة أن سائقها لا يستطيع توجيهها فتميل وتجنح، وتتدفق كالنهر الغزير، قوية كبيرة الرأس، ثم تفرع لها كتفان من جسد قوي صاعد للأعلى.
26- كَأَنَّ عُلُوبَ النِّسْعِ فِي دَأَيَاتِهَا . . . مَوَارِدُ مِنْ خَلْقَاءَ فِي ظَهْرِ قَرْدَدِ
علوب: الآثار المحفورة على الجسد من شد السيور.
النسع: الحبل الذي يشد به الحيوان.
دأياتها: عظام الصدر.
موارد: المورد مكان الماء، يقصد الأنهار ومساير الماء.
خلقاء: الصخرة الملساء الناعمة.
قردد: المرتفع من الأرض.
يصف آثار الأخاديد التي تصنعها السيور المشدودة على عظام صدرها بأنها كعروق الماء وأنهاره المحفورة على ظهر صخرة لامعة.
والغريب أن طرفة يمدح الناقة بكل هذه الأوصاف ثم يشد عليها الحزام بلا رحمة ويسيئ لها ويصف الأخاديد على جلدها، وغيره من شعراء العرب عندما يصفون كريم النوق يشددون أنها صافية لا تؤثر فيها السيور
قال سويد بن أبي كاهل يصف ناقته الكريمة:
كالمَغَالِي عَارِفَاتٍ للسُّرَى … مُسْنِفَاتٍ لَمْ تُوَشَّمْ بِالنِّسَعْ.
فيما يشدد سويد أن ناقته الكريمة ليس بها علامات سيور، يتفنن طرفة في وصف الأخاديد عليها.
27- تَلَاقَى وَأَحْيَاناً تَبِينُ كَأَنَّهَا . . . بَنَائِقُ غُرٌّ فِي قَمِيصٍ مُقًدَّدِ
تلاقى: تتلاقى.
تبين: من البين وهو البعد.
بنائق: المفرد بنيقة، هي لبنة القميص، قطعة من قماش غليظ توضع تحت رقبة الثوب أو كتفه لتقويته، أو الغرز الناتئة في الثوب من خيوط وفتائل ونحوه.
غر: أي بيضاء اللون، يصف لون البنائق.
مقدد: أي مخطط.
يصف هذه الأخاديد على ظهر الجمل أنها تتلاقى أحيانا مثل الشبكة وأحيانا تتباعد، وأن لونها بيضاء، وأنها بارزة في ظهرها كأنها الفتائل في قميص مخطط، أي أن ظهر الحيوان مشوه بهذه التشوهات التي تدل على شدة الظروف، ربما هي انعكاس لظروف طرفة نفسه، وربما تكون أخاديدها المتداخلة أحيانا والمتباعدة أحيانا انعكاسا لطرفة وأقاربه.
28- وَأَتْلَعُ نَهَّاضٌ إِذَا صَعَّدَتَ بِهِ … كَسُكَّانِ بُوصِيٍّ بِدِجْلَةَ مُصْعِدِ
أتلع: أي عال مرتفع، يقصد عنقها، والتلعة هي التلة العالية.
نهاض: دائم النهوض للأعلى كأن يتقافز.
صعَّدَت به: أي إذا رفعته وهي تسير.
سكان المركب: هو خشبة الصاري العالية فيه.
بوصي: مركب من البوص. وقيل أنها مشتقة من كلمة فارسية للمراكب (بوزيه).
دجلة: النهر المعروف في العراق.
يصف طول عنقها بأنه مرتفع كأنه يتأرجح إلى الامام والخلف وتنهض به كل مرة، وهو بارز كصاري المركب في نهر دجلة، فشبه الناقة بالمركب وعنقها العالي ببرج المركب أو خشبة الصاري فيها.
29- وَجُمْجُمَةٌ مِثْلُ العَلَاةِ كَأَنَّمَا . . . وَعَى المُلْتَقَى مِنْهَا إِلَى حَرْفِ مِبْرَدِ
الجمجمة: عظم الرأس.
العلاة: السندان الذي يطرق عليه الحداد.
وعى: التحم، وعى العظم أي انجبر وبقيت عليه علامات.
مبرد: الأداة التي تبري الحديد وتنحته.
يصف صلابة جمجمتها كأن السندان الحديدي الذي يطرح عليه الحداد، وكأنها مكونة من صفائح حديدية ملحومة وقد عمل فيها المبرد ليهذب أطراف الصفائح.
ومن المعروف أن الجمجمة تتكون من عدة عظام ملتحمة معا وبينها حدود، فهي تشبه الصفائح الحديدة التي يلحمها الحداد، فهو تشبيه في غاية الدقة.
30- وَعَيْنَانِ كَالمَاوِيَّتَيْنِ اسْتَكَنَّتَا . . . بِكَهْفَيْ حِجَاجَيْ صَخْرَةٍ قَلْتِ مَوْرِدِ
الماويتان: مثنى ماوية ، وهي المرآة، يشبه عينيها بمرآتين.
استكنتا: أي استقرتا في موضعهما.
كهفي: مفردها كهف وهو الفتحة أو النقرة في الجبل.
حجاج: عظام الحاجب الناتئة.
قلت: هو النقرة التي تمسك مياة الأمطار في الصخر، وتكون لامعة جميلة، وما زالت تمسى بنفس الاسم في بعض البلدان العربية.
مورد: مكان الماء.
يصف عيانيها بأنهما تلمعان كالمرآة من آثار صحتها، وهما مستقرتان في فتحتين كالكهوف تحت عظم الحاجب داخل الجمجمة، أو كنقرة الماء اللامعة في الصخر.
قال امرؤ القيس:
وعينان كالماويتين ومحجر … إلى سند مثل الصفيح المنصب
31- طَحُورَانِ عُوَّارَ القَذَى فَتَرَاهُمَا . . . كَمَكْحُولَتَيْ مَذْعُورَةٍ أُمِّ فَرْقَدِ
طحوران: يطحران الأذى أن يبعدانه.
عوار: العائر كل ما يؤذي العين.
القذى: هو الأذى الذي يقع في العين من تراب أو تبن ونحو ذلك، وتستعار للمناظر المؤذية.
مكحولتي: العين المكحولة هي المتزينة بالكحل، مثل عين المها.
أم فرقد: الفرقد ابن المها.
يقول أن عيناها تبعدان الأذى عنها فتظل جميلة مثل عين المها المكحولة الخائفة، والخوف يجعل العين أجمل لأنها تتسع وتلمع ويظهر فيها الحنان على ولدها.
32- وَخَدٌّ كَقِرْطَاسِ الشَّآمَى وَمِشْفَرٌ . . . كَسِبْتِ اليَمَانِي قَدُّهُ لَمْ يُحَرَّدِ
قرطاس: الورقة الناعمة التي يكتب عليها.
الشآمى: أهل الشام، وهم أهل حضارة مشهورون بالكتب والكتابة، لهذا يذكرهم.
مشفر: المشفر للجمل مثل الشفة للإنسان.
سِبت: النعل السبتية هي نعل دقيقة الصناعة ناعمة لا شعر فيها، وردت معلقة عنترة (يحذى نعال السبت)
قده: القَدُّ هو القطع في الجلد، واللحم المقدد هو المقطع شرائح، فيقصد حافته.
يحرد: أي يعوج, والحرد في السير هو المعوج، والحريد هو البعيد القاصي.
يقول أن خدها ناعم كأنه الورقة التي يكتب عليها أهل الشام، وجلد شفتها ناعم كأنه السبت اليماني، أفضل أنواع الجلود وأفخرها، حوافه مستقيمة ناعمة غير معوجة.
33- وَصَادِقَتَا سَمْعِ التَّوَجُّسٍ للسُّرَى . . . لِهَجْسٍ خَفِيٍّ أَوْ لِجَرْسٍ مُنَدِّدِ
الصدق في أي أمر هو إجادته وشدته، يقصد أذنين تسمعان بدقة.
التوجس: الاستماع إلى الصوت الخفي.
السرى: سير الليل.
الهجس: الصوت الخافت الذي يهجس في القلب، أي يحركه من فزع.
الجرس: الصوت العالي المسموع.
مندد: العالي الظاهر، الذي يشكل مصدر تهديد، ومنه التنديد إي إظهار صفات الشخص.
ويمدح أذناها وسمعها الدقيق لأي صوت خافت أثناء سير الليل، تسمع الأصوات المريبة الخافتة وتنتبه لها فتنقذ صاحبها وتميز الصوت العالي المهدد.
34- مُؤَلَّلَتَانِ تَعْرِفُ العِتْقَ فِيهِمَا . . . كَسَامِعَتَيْ شَاةٍ بِحَوْمَلَ مُفْرَدِ
مؤللتان: محددتان، يكمل وصف الأذن.
العتق: الصفات الكريمة لأفضل السلالات.
حومل: موضع بري بعيد عن الناس.
مفرد: أي منفردة عن قطيعها فتكون أكثر انتباها وأشد حساسية للأصوات.
يقول أن الأذنين محددتان بخطوط واضحة عندما تراهما تعرف أن هذه الناقة كريمة من أفضل السلالات، شديد الحساسية للأصوات كأنها شاة وحيدة في موضع حومل، وهو موضع بري ليس فيه بشر، وحيواناته شديدة الحذر من الناس لأنها غير معتادة عليهم.
هذا البيت مما أخذه طرفة من امرؤ القيس إذا قال في وصف حصانه
له أذنان تعرف العتق فيهما … كسامعتي مذعورة وسط ربرب
35- وَأَرْوَعُ نَبَّاضٌ أَحَذٌّ مُلُمْلَمٌ . . . كَمِرْدَاةِ صَخْرٍ فِي صَفِيحٍ مُصَمَّدِ
أروع: الروع هو النشاط وهياج الحركة، يقصد ضربات قلبها القوية.
نبَّاضٌ: قوي شديد النبض، ونبض القلب هو ضرباته.
أحذ: قلب أحذ أي قلب شديد النبض، وسيف أحذ أي حاد سريع قاطع.
ململم: أي مجتمع متراكب، ولملمت كل شيء إذا جمعته.
مرداة: الردى هو السقوط من الأعلى، والمرداة هي الصخرة الصلبة لأنها تتردى عندما تسقط لثقلها، وأرداه بالصخرة أي ضربه بها فسقط، يشبه قلب الناقة بالصخرة الصلبة.
صفيح: الحجارة العريضة، يقصد ضلوع الصدر الذي يحتوي القلب.
مصمد: الشيء المصمت لا جوف له.
يصف ضربات قلبها الذي يخفق في صدرها ويشعر به الراكب، فهو نشط هائج، متراكب وكثيف وقوي، كأنه صخرة ثقيلة بين صخور قوية مصمتة.
36- وَإِنْ شِئْتُ سَامَى وَاسِطَ الكُورِ رَأْسُهَا . . . وَعَامَتْ بِضَبْعَيْهَا نَجَاءَ الخَفَيْدَدِ
سامى: ساوى وأصبح مثله.
الكور: هو الرحل، الأحمال التي تُحمل على الدابة (في إحدى روايات معلقة امرئ القيس: فيا عجبا من كَورها المتحملِ)
عامت: مددت جسدها ويديها كالذي يعوم، أي يسبح.
ضبعيها: العضدان، أي يداها من تحت المرفق حتى الأمام.
الخفيدد: هو ذكر النعام، وهو سريع وعندما يجري يمد رجله باستقامتها.
يقول أنه يتحكم فيها كما يريد، فإذا شاء دفعها للجري بأقصى جهد فتمد يديها للأمام كالذي يسبح، وحينها يتمدد جسدها فيتساوى ارتفاع رأسها وسنامها، لأنها ممدة وهي صورة دقيقة وعجيبة أتى بها طرفة، وحينها تصبح مثل ذكر النعام في جريه.
وحاصل المعنى أن يفعل فيها ما يريد ومتحكم فيها، ويدفعها لأقصى جهد إذا شاء.
37- وَإِنْ شِئْتُ لَمْ تُرْقِلْ، وِإِنْ شِئْتُ أَرْقَلَتَ . . . مَخَافَةَ مَلْوِيٍّ مِنَ القِدِّ مُحْصَدِ
ترقل: تسرع في سيرها.
ملوي: أي سوط ملوى، ملتف حول نفسه كصفة السياط الجلدية.
القد: السيور الجلدية.
محصد: يحصد كل ما أمامه.
بعد كل هذا الوصف للناقة تظن أنه سيدللها ويحرص عليها، لكنه يتباهي بضربها بالسوط ليفعل بها ما يشاء. فلو جاء جعلها تسرع في المشي ولو شاء تركها تمشي بطيئة، لخوفها من ضربات السوط الملوي الذي يحصد ما أمامه.
هذا انعكاس لما يفكر فيه عقله الباطن في خلافه مع أقاربه، يفكر في أنه المسيطر، فإذا أراد دفع الأمور بالعنف والقوة وإذا أراد تركها تمضي سهلة.
38- وَأَعْلَمُ مَخْرُوتٌ مِنَ الأَنْفِ مَارِنٌ . . . عَتِيقٌ مَتَى تُرْجَمْ بِهِ الأَرْضُ تَزْدَدِ
أعلم: صفة لأنفها لأنه علامة واضحة كالعلامات التي توضع في الطريق. ويقال نار على علم، أي نار أقيمت علامة في الطريق فيراها الجميع. فيقصد أن أنفها كبير بارز.
مخروت: مُطًّول ممدود، كالحديدة المخروتة التي طرقها الحداد حتى استطالت، وهذه صفة أنوف الجمال، ففيها استطالة وبروز
مارن: المرونة هي صفة في الجسم الصلب عندما يهتز في نعومة ولا ينكسر، كهيئة غضاريف الأنف.
ترجم: يقذف ناحية الأرض، عندما يسرع الحيوان فتنخفض أنفه كأنه يضرب الأرض.
يقول أنها لها أنف معلم واضح مرن الغضاريف، عليه صفات العتق والجمال الكريمة، إذا أومأت برأسها ناحية الأرض، أي زادت سرعتها فمدت رقبتها للأمام، تزداد سرعتها.
39- عَلى مِثْلِهَا أَمْضِي إِذَا قَالَ صَاحِبِي … أَلَا لَيْتَنِي أَفْدِيكَ مِنْهَا وَأَفْتَدِي
ليت: حرف يفيد تمني الأمر الصعب أو المستحيل.
أفدي: يدفع الغالي والنفيس لينقذ صاحبه، والفداء هو انقاذ المحبوب بدفع المال أو بالنفس في الحرب.
أفتدي: أي أفدي نفسي منها.
انتقال سلس من الحديث عن ناقته إلى صلب موضوعه، على مثل هذه الناقة التي أكثر جدا في وصفها يمضي ويفترق عن أهله، عندما يناديه صاحبه (نخمن أنه عمرو بن أمامة الذي خالف قومه وخرج معه خلافا لرغبتهم في تأييد عمرو بن هند)، وليته يستطيع أن ينقذ نفسه بها أو أن ينقذ صاحبه.
فهو يتمنى السلامة لنفسه ولصاحبه والخروج من هذه الأزمة، والناقة هي وسيلتهم التي ستحملهم بعيدا، ولهذا فهي مهمة عنده وأطال كثيرا في وصفها.
40- وَجَاشَتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ خَوْفاً وَخَالَهُ. . . مُصَاباً وَلَوْ أَمْسَى عَلَى غَيْرِ مَرْصَدِ
جاشت: اضطربت وهاجت.
خاله: ظنه.
مرصد: موضع الرصد، يريد أن صاحبه مرصود ومراقب.
أمسى: تفيد حدوث الخبر في آخر اليوم، أي الانتهاء، انتهى به الأمر غير مرصود.
يقول أن نفسه اضطربت من أجل صاحبه الواقع في أزمة، يتهيأ له أنه مصاب وسيقع في أيدي أعداءه ولو أنتهى به الامر بعيدا عنهم، أي أنه قلقه على صاحبه شديد (وقد قتل عمرو بن أمامة فعلا وتأزم موقف طرفة كثيرا)
41- إَذَا القَوْمُ قَالُوا مَنْ فَتَىً خِلْتُ أَنَّنِي. . . عُنِيتُ فَلَمْ أَكْسَلَ وَلَمْ أَتَبَلَّدِ
فتى: شاب في مقتبل حياته، وقد أتت منونة تنوين عوض عن الجملة، والمعنى: من فتى يقوم بهذا الأمر وينقذ صاحبه؟
خلت: ظننت، وتفيد أحيانا التأكيد، بمعنى علمت وتأكدت أنني المراد.
عنيت: قًصدت بالحديث.
أتبلد: أظهر البلادة وهي الكسل مع ثقل الفهم والغباوة.
إذا وقع أصحابه في أزمة وقالوا من ينقذنا، من الفتى الذي يقدر عليها؟ ظن أنهم يقصدونه هو دونا الجميع، لأنه الأكثر نبوغا ورجل النخوة، وهو رجل جعل الوقوف مع المحتاج واحدا من أهادف حياته كما سيأتي، ولهذا لم يتكاسل عندما ناداه صاحبه ولم يتبلد، وخرج مسرعا على الناقة التي أكثر في وصفها.
42- أَحَلْتُ عَلَيَهَا بِالقَطِيعِ فَأَجْذَمَتْ . . . وَقَدْ خَبَّ آلُ الأَمْعَزِ المُتَوَقِّدِ
أحلت: أحال العمل إلى فلان أي أناطه به ووكله، احال عليها بالسوط أي ضربها بالسوط ضربات في إثر بعضها.
القطيع: هو السوط تقطع سيورا تفتل حول بعضها حتى يكون كالعصا.
أجذمت: الجذم هو القطع، أي انكمش جسدها وجرت بسرعة تحت الضربات.
خب: هاج واضطرب، خب البحر أي ارتفعت أمواجه.
آل: هو السراب وقت الظهر، والسراب هو وهم يراه البعيد كأنه ماء، فإذا اقترب لم يجد شيئا.
الأمعز: الأرض كثيرة الحصى، والحصى يكون ساخنا محرقا إذا وقعت عليه الشمس الحامية.
نزل طرفة على الناقة بالسير المجدول فانكمشت المسكينة تحت ضرباتها كأنها قطعت، وجرت تحت شمس الظهيرة المحرق حيث يضطرب السراب والوهم في عز الظهيرة.
43- فَذَالَتْ كَمَا ذَالَتْ وَلِيدَةُ مَجْلِسٍ. . . تُرِي رَبَّهَا أَذْيَالَ سَحْلٍ مُمَدَّدِ
ذالت: خضعت.
وليدة: فتاة صغيرة في مجلس، والوليد عند العرب هو الطفل الصغير، قال امرؤ القيس: أغادي الصبوح عند هر وفرتنى … وليدا، وهل أفنى شبابي غير هر
سحل: ثوب أبيض رقيق.
فخضعت له الناقة خوفا من سوطه ومشت كما يريد، مثلما تطيع الجارية أو الفتاة أباها مستكنة وهي تجر ثوبها أمام سيدها.
وليس المعنى أنها متبخترة في مشيها كما يقال في بعض الشروح، فهذه الناقة تضرب بالسوط كثيرا وشد عليها النسع حتى أثر على جلدها بخطوط تتلاقى وتتباين، ويرهبها طرفة كثيرا، وكرر على هذا أكثر من مرة، فلا مجال هنا أن تمشي متبخترة، بل هو يستعرض قوته في الإخضاع وفرض نفسه.
______________________
فصل: طرفة يفخر بنفسه
______________________
44- وَلَسْتُ بِمِحَلَالِ التِّلَاعِ مَخَافَةً . . . وَلَكِنْ مَتَى يَسْتَرْفِدِ القَوْمُ أَرْفِدِ
محلال: كثير الحلول والنزول في المكان.
التلاع: جمع تلعة، وهي ما ارتفع من الأرض.
مخافة: مفعول لأجله، أي بسبب الخوف من مقابلة الناس أو الكرم.
يسترفد: يطلبون الرفادة، والرفادة هي الدعم والصلة والعطاء للناس.
التلعة هي الأرض العالية، يصعد إليها من يريد التحصن كيلا يباغته أحد في الأرض المنبسطة، فيصعد لها حماية من الغارات، أو خوفا من الغرامة وانفاق المال كما يفعل البخلاء، وينفي طرفة ذلك عن نفسه، فهو لا يتهرب من أحد بل يواجه خصومه مباشرة ويقدم المعروف لمن يريد.
45- وَإِن تَبْغِنِي فِي حَلْقَةِ القَوْمِ تَلْقَنِي . . . وَإِنْ تَقْتَنْصْنِي فِي الحَوَانِيتِ تَصْطَدِ
تبغني: أردتني وطلبتني.
حلقة القوم: جماعة القوم وجماعتهم يجلسون في دائرة.
تقتنصني: القنص هو الصيد، وتقتنص على وزن تفتعل أي تبذل جهدا كي تصيده لأنه غير متاح إلا بصعوبة.
مكان طرفة الذي تجده هو مجلس كبار القبيلة وحلقة اجتماعاتهم، يحضر ويبرز بينهم، ثم هو شاب يحب اللهو وقد تقتنصه اقتناصا لتجده يرفه عن نفسه في حانة مع الشباب.
يتقنص تفيد أنه قليل الظهور في الحوانيت، أو يذهب إليها قليلا، فتحتاج إلى السرعة في ضبطه، أما في حلقة الكبار هو موجود دائما، أي أنه كبير معظم مع السادة ومع ذلك يلهو أحيانا.
يريد أن يقول لأقاربه أنه سيد مسؤول عما يفعل، وهو المعنى الذي يتردد في القصيدة كلها.
46- مَتَى تَأْتِنِي أُصْبِحْكَ كَأْساً رَوِيَّةً. . . وِإِنْ كُنْتَ عَنْهَا ذَا غِنَا فاغن وازدد
متى: هنا أداة شرطية تدل على الزمن، بمعنى إذا أتيتني وقت كذا.
أصبحك: أسقك وقت الصباح.
كأسا: يقصد كأسا من الخمر.
روية: تروي الإنسان وتكفيه. وارتوت الأرض أي شربت ما يكفيها.
غانيا: أي مستغنٍ عنها وغير محتاج.
أي أنا رجل منفق أحب عيش حياتي، إذا أتيتني صباحا سأعطيك كأسا كبيرة من الخمر نشربها معك، وإن كنت مستغنيا ولا تريد، أتمنى أن تغنى وتزداد أكثر، بمعنى لا تزعجني.
هنا يرد على من يعيب كثرة شربه للخمور وإنفاقه، وهو ما لم ينكره، أنه يحب الإنفاق اللهو.
47- وَإِنْ يَلْتَقِ الحَيُّ الجَمِيعُ تُلَاقِنِي . . . إِلَى ذِرْوَةِ البَيْتِ الرَّفِيعِ المُصَمَّدِ
الحي الجميع: يقصد جميع بطون القبيلة، لأن القبائل تتفرق أغلب أيام السنة حسب المراعي ومواطن الماء، ثم تجتمع على ماء محدد أو سوق في وقت من السنة، كما ورد في خبر اجتماع بطون بكر على ماء ذي قار وقت الصيف قبل معركتهم الشهيرة مع الفرس، فاجتمعوا في ذلك الموضع وتشاوروا قبل المعركة. وهذا ما يقصده بقوله إن يلتق الحي الجميع، عندما تتلاقى بطون القبيلة في موعدها السنوي ويتشاورون في أمورهم، يجلس هو ضمن الصدارة، أي أنه كبير في كل بطون بكر لا عشيرته فقط.
ذروة: قمة.
المصمد: المقصود، الذي ينظر له الجميع ويلجؤون إليه.
ومع شربه وتمتعه بشبابه، فإنك يكون جالسا في الصدارة في ذروة مجلس القبيلة، عندما تجتمع كل وجميع بطون القبيلة وتتباحث أمورها، ويقصدون أعلى مجالسا، فيكون حاضرا في الصدارة، فشبابه وحبه للهو لا يمنعانه من السيادة.
48- نَدَامَايَ بِيضٌ كَالنُّجُومِ وَقَيْنَةٌ . . . تَرُوحُ عَلَيْنَا بَيْنَ بُرْدٍ وَمُجْسَدِ
نداماي: النديم هو الرفيق المصحب، على الشرا أو غيره. يقصد جلسائي المقربين.
بيض: يقصد بها علو المكانة.
قينة: خادمة، والقين هم الصناع والعمال في كل شيء.
برد: البردة هي العباءة الخارجية التي توضع فوق الملابس.
مجسد: أي يصف جسدها.
عاد لوصف الشرب في الحانة، أصحابه من الكرام الوجهاء كأنهم النجوم، ومعهم خادمة تروح عليهم وتأتي، ترتدي عباءة واسعة على ثوب مجسد ضيق.
49- رَحِيبٌ قِطَابُ الجَيْبِ مِنْهَا رَفِيقَةٌ . . . بِجَسِّ النَّدَامَى بَضَّةُ المُتَجَرِّدِ
رحيب: واسع.
قطاب الجيب: فتحة القميص.
رفيقة: متساهلة.
جس الندامى: أي مد أيديهم.
بضة: ذات جلد رقيق ناعم.
المتجرد: الجزء الظاهر منها.
وصف جاهلي يظهر لهوه، فهذه الخادمة ترتدي ثوبا مفتوحا من الأعلى وتتساهل مع عبث طرفة وأصحابه.
50- إِذَا نَحْنُ قُلْنَا أَسْمِعِينَا انْبَرَتْ لَنَا . . . عَلَى رِسْلِهَا مَطْرُوقَةً لَمْ تَشَدَّدِ
انبرت: وقفت لنا، انبرى للأمر أي قام ليفعله. وانبرى له وقف أمامه يناقشه
على رسلها: بتأن وهدوء، غير مستعجلة.
مطروفة: تطرف عينها أي تغلقها، لتركيزها في الغناء
لم تشدد: تغني وهي مرتاحة وتترنم
إذا سألناها أن تطربنا بجميل الغناء قامت هادئة مستكنة غير مشدودة ولا متوترة، قامت بهدوء وهي تغلق عينها لتتغنى بهدوء.
51- إِذَا رَجَّعَتْ فِي صَوْتِهَا خِلْتَ صَوْتَهَا. . . تَجَاوُبَ أَظْآرٍ عَلَى رُبَعٍ رَدِي
رجعت الصوت: أي تنغمت ولحنت وعادت فيه، يفيد أقصى حالات الطرب، فيكون لصوتها شجن.
خلت: ظننت.
تجاوب: أن تغني واحدة وتجيبها الأخرى.
أظأر: هي الإبل أو المراة ترضع ولد غيرها، يعني أنهم يشعرون بألم بعضهم ويتجاوبون.
ربع: يقصد ولد الناقة.
ردي: متردٍ، أي ساقط ميت.
عندما ترجع المغنية صوتها وتنغم فيه بحزن، تظن أنا من فقدت تبكي ولدها وتتجاوب معها أخريات بالكباء. أي أن هذه المغنية تبكيهم بغناءها الحزين الهادئ ويتجاوبون معا، كأنه يسلي همومه مع أصحابه وبالإاني، فهذا وصفه عندما يذهب للحانات.
____________________
فصل: َطرفة يقر بذنوبه
____________________
51- وَمَا زَالَ تَشْرَابِي الخُمُورَ وَلَذَّتِي . . . وَبَيْعِي وَإِنْفَاقِي طَرِيفِي وَمُتْلَدِي
تشرابي: على وزن تفعال، أي كثرة الشرب.
وصيغة تفعال لا تستعمل في لغتنا المعاصرة تقريبا رغم كثرة ورودها في شعر وكلام العرب القدماء
– وإني وتهيماي بعزة، أي كثرة هيامي.
– التسآل: كثرة السؤال.
الملذات: يقصد هنا النساء.
طريف: ماله الحديث المكتسب من عمله.
متلدي: ماله القديم الموروث عن آباءه، والتليد من كل شيء هو العريق المتوارث.
لما ذكر مجالس لهوه تذكر أن هذا يغضب أهله منه ويسبب الخلاف بينهم، فانبرى يتحدث عن ذلك، يعترف أن كثرة شربه للخمور وإنفاقه على الملذات والبيع من أجل ذلك وإنفاق ما يملك من موروث ومكتسب.
يكمل المعنى في البيت التالي.
52- إَلَى أَنْ تَحَامَتْنِي العَشِيرَةُ كُلُّهَا . . . وَأُفْرِدْتُ إِفْرَادَ البَعِيرَ المُعَبَّدِ
تحامتني: تحاماه أي تجنبه، تجنبتني.
العشيرة: هي أقارب الرجل الأقربون في القبيلة وأولاد عمه.
أفردت: أي نحي جانبا وأصبح بمفرده.
البعير المعبد: هو الجمل الأجرب الذي يطلى بالقار ليتخلص من الجرب، والقار يجعل الجلد ناعما ولهذا سمي معبدا، كالطريق المعبد الناعم للسير
تكملة المعنى: أنه ظل يشرب ويذهب وراء ملذاته وينفق ويعبث إلى أن تجنبه أولاد عمه وعشيرته كلها، وأصبح وحيدا كالجمل الأجرب المعزول عن بقية القطيع، وهو يعترف بكل ذلك ولا يهمه
قال لبيد:
ذهب الذين يُعاش في أكنافهم … وبقيت في خلفٍ كجلد الأجربِ
53- رَأَيْتُ بَنِي غَبْرَاءَ لَا يُنْكِرُونَنِي . . . وَلَا أَهْلُ هَذَاكَ الطِّرَافِ المُمًدَّدِ
بني غبراء: الملتصقون بالغبرة أي الفقراء المدقعون، كأنهم أولاد الغبار
هذاك: تدل أنه قريب في مرمى البصر، فهو يتكلم عن مجلس في متناول يده لانه منهم.
الطراف: هي الخيمة الكبيرة لمجلس علية القوم
يقول إن كل الناس يعرفونه، وذكر طرفي المجتمع الذين هما على النقيض، أفقر الفقراء ممن تلتصق بهم الغبرة، وأهل الخيام تلك الفسيحة المجهزة بكل وسائل اللهو، فما بينهما من الناس متضمن بين هذين الطرفين، أي أن كل الناس يعرفون طرفة ويجالسونه ولا ينكره أحد مع انتمائه للأغنياء وقربه منهم. فلم يتنكر عليه أولاد عمه؟
وهذا البيت من شواهد اسم الإشارة هذاك، حيث ألحق الهاء باسم الإشارة المقرون بالكاف، وهذه الصيغة قليلة في كلام العرب، لكنها وردت في مواضع للفصحاء، هذا واحد منها.
54- أَلَا أَيُّهَا الزَّاجِرِي أَحْضُرُ الوَغَى . . . وَأَنْ أَشْهَدَ اللَّذَاتِ هَلْ أَنْتَ مُخْلِدِي؟
الزاجري: الذي تزجرني، أي يا من تلومني وتنهاني.
الوغى: الحرب، وأصل الوغى اختلاط الأصوات الكثيرة في ازدحام في السوق أو الحرب.
يشير إلى اشتراكه في الحروب مع عمرو بن أمامة ضد أخيه عمرو بن هند، وهي الحرب التي ورط نفسه فيها وكانت سبب هلاكه بعد ذلك والتي يلومه عليها أقاربه.
المعنى: يخاطب من يلومه من عشيرته على اشتراكه في الحروب وإنفاق الأموال على لذاته من خمر ونساء، هل تضمن لي الخلود في الحياة؟ فإن لم تقدر على ذلك فاتركني وشأني.
55- فَإِنْ كُنْتَ لَا تَسْطِيعُ دَفْعَ مَنِيَّتِي . . . فَدَعْنِي أُبَادِرْهَا بِمَا مَلَكَتْ يَدِي
تستطيع: تستطيع، وحذفت التاء تخفيفا.
منيتي: موتي.، ودفع المنية أي إبعاد الموت.
أبادرها: أسابقها، أن ما أريد قبل أن يأتيني الموت.
فإن كنت لا تقدر على إبعاد الموت عني، فدعني أسبقه أنا بما أقدر عليه، أي سأفعل ما أريد قبل أن يأتي.
يشير هذا البيت إلى فلسفة طرفة في الحياة، فبما أن الموت قادم في كل الاحوال، وهو لا يهتم بما يكون بعده، وعلى هذا فهو يغامر بحياته ويحرص على نيل أكبر قدر ممكن من اللذات طالما في استطاعته.
56- فَلَوْلَا ثَلاثٌ هُنَّ مِنْ عِيشَةِ الفَتَى … وَرَبِّكَ لَمْ أَحْفِلْ مَتَى قَامَ عُوَّدِي
ثلاثٌ: تنوين العوض، بمعنى ثلاثة أشياء.
أحفل: أهتم.
عودي: هم من يعودونه ويزورونه، من العيادة، وقام عوده، بمعنى انقطعوا عن زيارته نهائيا، أي مات وانتهى أمره.
يبرر بهذا سلوكه، وقيمة الحياة كما يراها، فلولا وجود ثلاث متع في هذه الحياة، لا يهمه متى ينقطع عنه الناس وينقطع عن الناس، أي يحين وقته.
57- فَمِنْهُنَّ سَبْقِي العَاذِلَاتِ بِشَرْبَةٍ . . . كُمَيتٍ مَتَى مَا تُعْلَ بِالمَاءِ تُزْبِدِ
العاذلات: اللائمات، كناية عن كل ما يضايقه، وكل من يلومه.
كميت: اللون الأحمر القريب إلى السواد، لون الخمر الصرف قبل أن تخفف بالماء.
تعل بالماء: أي يزاد عليها الماء.
تزبد: أي تكون الزَّبد وهي الرغوة فوق الشراب.
فالأولى هي حبه للخمر، يشربها ويسبق بها من يلومه ويزعجه، والخمر تجعل الإنسان يسكر وتذهب عقله فلا يذكر ضيقه، وكان العرب قبل الإسلام مولعين بها، ويصفها بأنها خمر مركزة حمراء من العنب الأحمر، عندما يزاد عليه الماء لتشرب تخرج لها رغوة على سطحها.
58- وَكَرِّي إِذَا نَادَى المُضَافُ مُحَنَّباً . . . كَسِيدِ الغَضَا نَبَّهْتَهُ المُتَوَرِّدِ
كري: الكّرُّ هو الهجوم على العدو.
المضاف: الواقع في أزمة.
محنبا: محني الظهر كما يهجم الذئب والأسد.
سيد الغضا: السيد هو الذئب. والغضا هو نبات صحراوي يشكل غابة يختبئ فيها الذئب ويترصد ثم يهجم فجأة هجمة قاتلة، وذئب الغضا هو أخبث وأشرس الذئاب.
المتورد: الذي يرد إلى الماء.
والثانية هي الشرف ودفاعه عن كل مظلوم (وهكذا يرى انحيازه لعمرو بن أمامة ضد رغبة قبيلته) يهجم بقوة كذئب الغضا الذي يهجم بشراسة على من يرد الماء.
59- وَتَقْصِيرُ يَوْمِ الدَّجْنِ وَالدَّجْنُ مُعْجِبٌ . . . بِبَهْكَنَةٍ تَحْتَ الطِّرَافِ المُعَمَّدِ
يوم الدجن: اليوم الغائم، الذي يبقي الناس في بيوتها، والدجن هو لزوم المكان، ومنه الحيوانات الداجنة التي تلزم مع صاحبها.
الدجن معجب: يوم السحاب والغيم جميل وممتع يشجع على اللهو.
بهكنة: امرأة ممتلئة الجسد.
الطراف: هو الخيمة الكبيرة ذات العمد الكثيرة، خيام الأغنياء.
والأمر الثالث الذي يحبه هو النساء، عندما تغيم السماء وينتشر الجون البديع لرائحة المطر ويلزم الناس بيوتهم، ولا يجد الرجل ما يفعله فإنه يقصر اليوم بقضاءه مع فتاة مملئة الجسد تحت الخيمة الكبيرة ذات العمد، خيمة كبيرة مجهزة بكل شيء للإقامة وقضاء الوقت.
60- كَأَنَّ البَرِينَ والدَّمَالِيجَ عُلِّقَتْ . . . عَلَى عُشَرٍ أَوْ خِرْوَعٍ لَمْ يُنَضَّدِ
البرين: الحلقات من الذهب والنحاس تتزين بها المرأة.
الدماليج: جمع دملاج، وهو سوار غليظ يوضع على اليد أو القدم.
عشر: هو شجر طري الجذو والجشب، ينثني في اليد.
خروع: شجر معروف طري الخشب أيضا ويمكن ثنيه باليد.
يخضد: خضد الشجر أي هذبه بإزالة الشوك والأفرع الزائدة.
شبه ذراعها وجسدها الطري بشجر العشر والخروع، وهما نوعان من الشجر ناعما الخشب وينثنيان في اليد، فكأن الأسورة وحلقات الذهب معلقة على هذه الأشجار التي تركت فروعها، والذهب معلق على أذرع الفتاة الغضة.
وذكره للذهب والأساور مع ذكر الطراف في البيت السابق يوحي بالغنى وبأنه يعيش حياة مترفة.
61- ذَرُونِي أُرَوِّي هَامَتِي فِي حَيَاتِهَا . . . مَخَافَةَ شُرْبٍ فِي الحَيَاةِ مُصَرَّدِ
ذروني: اتركوني.
أروي: أسقيها حتى تروى.
هامتي: جبهتي أو أعلى رأسي، كناية عن الرأس والدماغ
مصرد: منقطع.
اتركوني أشرب وأتمتع حتى أرتوي في هذه الحياة، قبل أن ينقطع مني أي قبل أن أموت.
وهذا البيت وما بعده يكشف عن اعتقاد طرفة في الموت، فهو لا يهتم بما يحدث بعده مع تأكيده أنه قادم وقريب، ويريد أن يتمتع بكل شيء قبل أن يموت.
62- كَرَيمٌ يُرَوِّي نَفْسَهُ فِي حَيَاتِهِ . . . سَتَعْلَمُ إِنْ مُتْنَا غَداً أَيُّنَا الصَّدِي
كريم: يقصد بها كريم النسب، من الوجهاء
الصدي: العطش، وربما تكون من الصدى، أي الأثر بعد الموت.
أنا رجل كريم أنفق وأروي نفسي من الخمر وأمتع نفسي طالما أنا حي، وستعلم عندما نموت غدا، أيها عاش مرتويا وقد حقق ما يريد، أينا مات عطشا ولم يفعل شيئا في حياته.
____________________________
تأملات حول الموت.
____________________________
في الأبيات القادمة يتأمل طرفة في حتمية الموت الذي لا يفرق بين غني أو فقر، أو شاب أو كبير، ويؤمن أنه مجرد وقت قبل أن يصيب الجميع، ولا يبدو أن طرفة يهتم بما بعد الموت في هذه المرحلة من حياته، لهذا فهو يتخذ حتمية الموت مبررا لفعل كل شيء وللمتعة قبل أن يذهب.
63- أَرَى قَبْرَ نَحَّامٍ بَخِيلٍ بِمَالِهِ . . . كَقَبْرِ غَنِيٍّ فِي البَطَالَةِ يَسْعَدِ
نحام: شديد البخل، إذا طلب منه مال سعل وتحشرج.
البطالة: عدم الحاجة إلى العمل.
يرى طرفة أن قبور الناس جميعا تتشابه وكلهم ينتهون لقبر متشابه تماما، الذي كان شديد البخل حتى إنه يسعل إذا طلب منه شيء يرقد بجانب الغني الذي كان يسعد في حياته، النهاية ولهذا فكما يرى طرفة سيمتع نفسه كما يشاء، وهذا منطق من لا يهتم بما يحدث بعد الموت، فيحاول فعل كل شيء في حياته القصيرة.
ولا يعني هذا أن طرفة ملحد أو أنه لا يهتم بالله، لكنه كان شابا صغيرا جدا عندما قال هذا، فهي من حماسة الشباب ولا يفهم من كلامه التفلسف، ولو عاش فربما تغير كلامه بعد ذلك،
64- تَرَى جُثْوَتَيْنِ مِنْ تَرَابٍ عَلَيْهِمَا . . . صَفَائِحَ صُمٍّ مِنْ صَفِيحٍ مُنَضَّدِ
جثوتين: الجثوة مثل الكومة، كل تراب متجمع.
الصفيح: هو الحجارة الكبيرة.
صم: مصمت صلب لا فراغ فيه.
منضد: مرتب مرصوص.
قبور الجميع متشابهة، ترى كومتين من التراب عليهم قطع كبيرة ضماء من الحجارة المرصوصة. وهكذا سيموت الجميع ويتساوون.
65- أَرَى المَوْتَ يَعْتَامُ الكِرَامَ وَيَصْطَفِي. . . عَقِيلَةَ مَالِ الفَاحِشِ المُتَشَدِّدِ
يعتام: يعم الجميع، مأخوذة من العموم والشمول.
يصطفي: ينتقي ويختار.
عقيلة: هو النفيس من كل شيء، وعقيلة المال يقصد بها قطعان الإبل، حيث كانت أنفس أموال العرب، وموضع خلاف طرفة مع أقاربه.
المتشدد: الذي يحرص على أمواله.
المعنى: أرى الموت يعم كرام القوم ممن ينفق ولا يبالي ويفنيهم ولو لم يحسبوا لهم حسابا، ويختار أكرم أموال البخيل الحريص الذي يحمي أمواله من الأنعام، لكن الموت يختارها، فلا ينجو من الموت أحد من أصناف الناس.
أَرَى المَوتَ أعْدَادَ النُّفُوسِ وَمَا أرَى .. بَعِيداً، ألا ما أقرب اليَوْمَ مِنْ غَدِ
هذا البيت في بعض الروايات دون غيرها.
أعداد النفوس: يرى الموت متكررا بعدد الناس جميعا، إذا وجد ألف إنسان فهناك ألف قصة موت، فكل الناس سيموتون.
يرى طرفة الموت متكررا بعدد حيوات كل الناس، ولا يرى هذا اليوم بعيدا، لأن كل يوم يأخذ بما بعده بسرعة وتتوالى الأيام.
66- أَرَى الدَّهْرَ كَنْزاً نَاقِصاً كُلَّ لَيْلَةٍ . . . وَمَا تَنْقُصِ الأَيَّامُ وَالدَّهْرُ يَزْدَدِ
الدهر: الزمن.
كنزا: يصف الزمن بأنه كنز لنفاسته.
يرى طرفة أن الزمن كنز ينقص منه قدر كل ليلة ولا يعود، والأيام تتوالى والعمر يزداد.
67- لَعَمْرُكَ إِنَّ المَوْتَ مَا أَخْطَأَ الفَتَى . . . لَكَالطِّوَالِ المُرْخَى وَثُنْيَاهُ بِاليَدِ
لعمرك: يحلف بحياة مخاطبه، كما يقول البعض: وحياتك.
لكاطوال: أي أنه مثل الحبل الطويل.
المرخى: المتروك وغير المشدود.
ثنياه: الجزء المثني منه حول اليد. مقبض الحبل.
يقسم بحياة مخاطبه أن الموت لم يخطئنا، بل هو يتركنا فترة فقط ونحن تحت رحمته في أي وقت، كالدابة المربوطة بحبل مرخي زمامه في يد صاحبه، فإن شاء جذب الحبل في أي لحظة وأمسك بالحيوان، فالإنسان مع الموت مثل هذا الحيوان المربوط.
__________________________
فصل: اعتراضه على أولاد عمه.
__________________________
بعدما شرح لهم نظرته في الموت والحياة ومساعدة المظلوم، يبدي اعتراضه على المعاملة الجافة التي يراها من أولاد العم والعشيرة، لم أنه لم يسئ لهم من وجهة نظره ويقف معهم عند الحاجة.
68- فَمَا لِي أَرَانِي وَابْنَ عَمِّيَ مَالِكاً . . . مَتَى أَدْنُ مِنْهُ يَنْأَ عَنِّي وَيَبْعُدِ
أراني: أرى نفسي.
أدن: أتقرب منه
ينأ: يبعد عني
يتساءل مستنكرا، فلم بعد كل هذا أرى هذا الوضع بين وبين ابن عمي مالك، كلما أتقرب منه يبعد نفسه عني؟
69- يَلُومُ وَمَا أَدْرِي عَلَامَ يَلُومُنِي . . . كَمَا لَامَنِي فِي الحَيِّ قِرْطُ بْنُ مَعْبَدِ
يلوم: اللوم هو العتاب والاعتراض
علام: أي على ماذا
ينكر طرفة معرفة السبب، ينكره جدالا وخصومة لا إنكارا حقيقيا، لأن أقر بكل شيء في بداية القصيدة، من شربه للخمر ولهوه وإنفاق المال، كما أنه أضاع الإبل، لأن الملك عمرو بن هند أمر أخاه قابوس بأخذ إبل طرفة التي كانت تحت يديه لأنه انضم لعمرو بن أمامة، ويبدو أنها لم تكن إبل طرفة وحده فقد كانت شراكة للقبيلة وضاعت بسببه.
فالقبيلة كلها تعاقب بسبب تصرفات طرفة، ولهذا يلومونه بشدة
70- وَأَيْأَسَنِي مِنْ كُلِّ خَيْرٍ طَلَبْتُهُ . . . كَأَنَّا وَضَعْنَاهُ عَلَى رَمْسِ مُلْحَدِ
أيسأسني: فعل متعد، بمعنى جعلني أيأس.
خير طلبته: يقصد إصلاحا وحلا للمشكلة.
رمس: في الأصل هو التغطية بالتراب، والقبر المسوى بالأرض هو رمس.
ملحد: اسم مكان، موضح اللحد وهو دفن الميت، لحد الميت أي واراه التراب.
يسد عليه ابن عمه كل الحلول ولا يقبل سلوك طرفة وبحثه عن حل حتى جعله ييأس، ويشكو كأن طرفة قد قتله ووضعه في القبر.
71- عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ قُلْتُهُ غَيْرَ أَنَّنِي . . . نَشَدْتُ فَلَمْ أُغْفِلْ حَمُولَةَ مَعْبَدِ
نشدت: نشد أي طلب شيئا وبحث عنه، يقصد أنه حاول استرجاع الإبل الضائعة.
أغفل: ترك وأهمل.
حمولة معبد: الحمولة هي البضاعة المحمولة على وسيلة النقل.
سبب اللوم هو تضييعه لحمولة ابن عمه معبد، فيلومه مالك ابم عمه على ذلك، وهو يؤكد أنه لم يقل ما يسيء وأنه سعى في إعادتها وكان حريصا عليها ولم يهملها لكنها ضاعت رغما عنه بمصادرة الملك لها.
72- وَقَرَّبْتُ بِالقُرْبَى وَجَدِّكَ إِنَّنِي . . . مَتَى يَكُ أَمْرٌ لِلنَّكِيثَةِ أَشْهَدِ
قربت بالقربى: تقربت منه كما تقتضي الواجبات والعادات.
جدك: يقسم بما هو غال عنده.
النكيثة: الأمر الصعبة ينكث فيها الناس ويتراجعون، نكث العهد أي خانه، ونكث الاتفاق أي لم يلتزم به.
أشهد: أحضر.
يقول طرفة أنه لم يقصر معه، ويقسم أنه تقرب له وتحبب لأنه ابن عمه، وعندما يخونه الآخرون ويتخلون عنه في المواقف الشديدة يقف طرفة معه ولا يتركه.
73- وَإِنْ أُدْعَ لِلجُلَّى أَكْنْ مِنْ حُمَاتِهَا . . . وَإِنْ يَأْتِكَ الأَعْدَاءُ بِالجَهْدِ أَجْهَدِ
الجلى: الأمر الجلل الكبير، من معارك ومواجهات ونحوه.
الجهد: الصعوبة والضيق.
يقول وإن وقعت في أزمة كبيرة وحضرت المعركة أكون من حماة القبيلة ولا أتخلف عن واجباتي معكم، وإن يأتك الأعداء بالمشقة والضيق أتعب معكم ولا أترككم.
74- وَإِنْ يَقْذِفُوا بَالقَذْعِ عِرْضَكَ أَسْقِهِمْ . . . بِكَأْسِ حِيَاضِ المَوْتِ قَبْلَ التَّهَدُّدِ
القذع: كل ما يؤذي الإنسان من كلام قبيح، وأصله ما يقع في العين ويؤذيها.
عِرض: الشرف.
حياض الموت: شبه الموت بأحواض الماء، كأنه سيسقيهم الموت.
قبل التهدد: أي أنه يواجه الأعداء عندما يتكلمون، حتى قبل أن يهددوا جديا
وإن أساء أحد لأولاد عمه بما يقدح شرفهم فإنه يدافع عنهم سريعا، بمجرد نطق الإساءة، ويسقيهم من حياض الموت بمجرد القول ولا ينتظر ان يهدووا أولاد عمه، بل يشرع مباشرة إلى الفعل ويسقي الأعداء كؤوسا من الموت.
75- بَلَا حَدَثٍ أَحْدَثْتُهَ وَكَمُحْدِثٍ . . . هِجَائِي وَقَذْفِي بِالشَّكَاةِ وُمْطَرَدِي
بلا حدث: أن يسيئ إليه أولاد عمي ولم أحدث شيئا
كمحدث: يعاملونني أنني أحدثت الأفعال فعلا.
هجائي: الذم والإساءة.
قذفي بالشكاة: يشتكون مني ويقذون الاتهامات علي.
مطردي: يهددون طرفة بالطرد أو يطردونه (وقد أبعد طرفة من القبيلة فعلا في إحدى مراحل حياته).
لم أفعل شيئا ليعاملني بهذه الطريقة، فيعاملني كأنني فعلت وأنا لم أفعل، فيذومنني ويسيؤون إليه، ويقذفونني بالشكوى والتهديد بالطرد.
76- فَلَوْ كَانَ مَوْلَايَ امَرْأً هُوَ غَيْرُهُ . . . لَفَرَّجَ كَرْبِي أَوْ لَأَنْظَرَنِي غَدِي
المولى: هو الحليف والصاحب، وهنا كبير القوم أو ولي الأمر المسؤول عنه.
فرج كربي: الكرب هو الغم والحزن، وتفريجه أي إزالته.
أنظرني: أعطاني مهلة.
يقول لو كان مولاي أو كبير عشيرتي رجلا غير ابن عمي مالك، لعاملني خيرا من ذلك، فقد يساعد في جمع أموال ندفعها، أو يتنظرني حتى يأتي.
77- وَلَكِنَّ مَوْلَايَ امْرُؤٌ هَوَ خَانِقِي . . . عَلَى الشُّكْرِ وَالتَّسْآلِ أَوْ أَنَا مُفْتَدِي
على هنا بمعنى: رغم.
التسآل: كثرة السؤال والطلب.
مفتدي: أخلص نفسي منه بدفع ما علي.
ولكن مولاي رجل يخنقني ويضيق علي، رغم أنني أشكره كثيرا وأثني عليه ورغم كثرة سؤالي وطلبي في حل المسألة، أو أن أجد مالا أدفعه فأخلص نفسي.
78- وَظُلْمُ ذَوِي القُرْبَى أَشَدُّ مَضَاضَةً . . . عَلَى النَّفْسِ مِنْ وَقْعِ الحُسَامِ المُهَنَّدِ
مضاضة: ألما، المضض هو الألم
الحسام: السيف، سمي ذلك لأنه قاطع يحسم الأمور.
المهند: الكبير المنسوب للهند.
يقول أن الظلم الواقع من الأقارب يكون أشد ألما على النفس من غيره، لأنه يتوقع منهم الإحسان والمودة، لا هذه المعاملة، فيكون أشد حتى من السيف المهند.
79- فَذَرْنِي وَخُلْقِي إِنَّنِي لَكَ شَاكِرٌ . . . وَلَوْ حَلَّ بَيْتِي نَائِياً عِنْدَ ضَرْغَدِ
ذرني: اتركني.
خلقي: أخلاقي وطبيعتي.
نائيا: بعيدا
ضرغد: جبل بعيد.
بعد الشكوى من أقاربه عاد لتحديهم بل ويسخر منهم، يقول له اتركني وأخلاقي، هذا أنا ولن أتغير وشكرا على ما تفعل، ولا تهم بي حتى وإن ابتعدت عنكم إلى موضع جبل ضرغد.
80- فَلَوْ شَاءَ رَبِّي كُنْتُ قَيْسَ بْنِ خَالِدٍ . . . وَلَوْ شَاءَ رَبِّي كُنْتُ عَمْرَو بنَ مَرْثَدِ
يعير أولاد عمه ويذكر غيرهم من وجهاء القبيلة كأنه يستفزهم، فكأن أن هؤلاء اشرف منهم أخلاقا، ولو كانوا أولياءه ما تعاملوا معه بهذه الخسة
قيس بن خالد وعمرو بن مرثد هما سيدان كبيران من سادات بكر، معروفان بالغنى والكرم.
81- فَأَصْبَحْتُ ذَا مَالٍ كَثِيرٍ وَعَادَنِي . . . بَنُونَ كِرَامٌ سَادَةٌ لِمُسَوَّدِ
عادني: زارني وعاد لزيارتي
مسود: رجل يشغل موضع السيادة ويعترف به الناس.
لو كان هؤلاء أولاد عمي لكنت الآن صاحب أموال كثيرة من كرمهم ورعايتهم، ولكنت محاطا بزوار كثيرين ومجالس، منهم أولاد الكرام.
ولما وصلت هذه الأبيات لعمرو بن مرثد دعا أولاده وأحفاده وجمع منهم مائة ناقة أرسلهم إلى طرفة ليسدد بها غرامته، وهذا يدل على قوة الشعر والبلاغة في المجتمع العربي القديم.
بعد ذلك عاد للفخر بنفسه، يذكرهم بقيمته بل ويهددهم فهو يرى أنه يستحق هذا رغما عن أقاربه.
82- أَنَا الرَّجُلُ الضَّرْبُ الذَّي تَعْرِفُونَهُ . . . خَشَاشٌ كَرَأْسِ الحَيَّةِ المُتَوَقِّدِ
الضرب: أي ماهر في الضرب والحرب، خفيف الحركة.
خشاش: خفيف الحركة، له صوت مخيف كالخشخشة، وهي احتكاك اليابس ببعضه.
رأس الحية: يقصد حركة رأس الحية المباغتة، حيث أنها تترصد ثم تضرب في لحظة واحدة ضربة سامة قاتلة.
المتوقد: المشتعل فطنة وسرعة بديهة.
يقول أنني أتدخل في الأمور بقوة وسرعة حاسمة ، أهدد وأتحرك بسرعة كرأس الحية المهسهس القاتل، شبه نفسه في خطورة وقوة الضربات برأس الحية التي تنقض بسرعة فائقة وقوة قاتلة.
83- فَآلَيْتُ لَا يَنْفَكُّ كَشْحِي بِطَانَةً. . . لِعَضْبٍ رَقِيقِ الشَّفْرَتَيْنِ مُهَنَّدِ
آليت: أقسمت.
لا ينفك: لن ينفك أن سيظل على هذه الحال.
كشحي: جانب الجسد.
عضب: سيف قاطع.
مهند: سيف كبير مثل سيوف الهند.
عندما رأى عداوة أقاربه وحرج موقفه أقسم أنه سيقف بسلاحه بأن يكون في وضع الجاهزية للقتال في أي وقت، وسيكون جانبه مخدعا لسيفه القاطع الكبير، أي أنه سيتوشح السيف وسيكون جاهزا لاستعماله في أي لحظة.
84- أَخِي ثِقَةٍ لَا يَنْثَنِي عَنْ ضَرِيبَةٍ . . . إِذَا قِيلَ مَهْلاً قَالَ حَاجِزُهُ قَدِ
أخي ثقة: صاحب الثقة ومتصف بها.
ينثني: أي يعود مرة أخرى.
ضريبة: أي الهدف الذي يضرب.
مهلا: أي تمهل.
حاجزه: الذي يحجز بين المتخاصمين أو المقاتلين.
قد: بمعنى قد انتهى الأمر.
يصف سيفه بأنه ينهي الأمر بضربة واحدة فلا يحتاج أن يثنيه ليعود بضربة ثانية، وإذا اشتبك مع أحدهم وقام أحد الحضور يحجزون بين المتخاصمين يكون طرفة قد أنهى المعركة قبل أن تبدأ، فيقول الحاجز قد انتهى الامر وقتل طرفة عدوه بضربة واحدة.
والمعنى أنه يهددهم بسرعة فتكه إذا فكروا في استعمال القوة معه.
85- حُسَامٍ إِذَا قُمْتُ مُنْتَصِراً بِهِ . . . كَفَى العَوْدَ مِنْهُ البِدْءُ لَيْسَ بِمُعْضَدِ
حسام: تسمية للسيف بصفته: سيف يحسم الأمور.
العود: أن يعود للضربة الثانية.
البدء: يقصد الضربة التي يبدأ بها.
معضد: هو حديدة تجذب بها الأشجار لقطع، ولا تكون قاطعة كالسيف أبدا.
يقول أن سيفه قاطع حاسم إذا قام ينتصر به، تكفي منه ضربة واحدة لتنهي كل شيء، فلا يحتاج أن يعود بضربة ثانية، وهذا هو السيف الذي يهددهم به.
كلمة العود مفعول به منصوب، والبدء فاعل مؤخر.
86- إِذَا ابْتَدَرَ القَوْمُ السِّلَاحَ وَجَدْتَنِي . . . مَنِيعاً إِذَا بَلَّتْ بِقَائِمِهِ يَدِي
ابتدر: على وزن افتعل، أي تسابقوا إلى السلاح
قائم السيف مقبضه، وبلت به يدي أي لامس يدي وحراراتها.
يقول إذا تسابق القوم إلى السلاح سيكون هو واقفا بالفعل منيعا في لحظة، بمجرد أن تلامس أصابعه مقبض السيف، أي أنه يهددهم بأنه أسرع منهم وصولا إلى السلاح وأسبق.
__________________________________________________
عرض آخر للحماقة أو لتحدي قومه وإثبات استقلاله عنهم.
___________________________________________________________________
87- وَبْرِكٍ هُجُودٍ قَدْ أَثَارَتْ مَخَافَتِي . . . نَوَادِيِهِا أَمْشِي بِعَضْبٍ مُجَرَّدِ
برك: جمع بارك، وهي الإبل الجالية على الأرض.
هجود: نائمة راقدة.
نواديها: تجمعاتها، النوادي حيث حيث يجتمع الناس والحيوان، أصلها أن ينادى عليهم فيتجمعوا.
عضب: سيف قاطع.
مجرد: مكشوف خارج من جرابه.
يتحدث عن قطعان الإبل الراقدة النائمة، التي تخاف مجموعاتها منه عندما تراه يمشي بسيف مشهر خارج من جرابه، لعلمها أنه سيقتل منها مثلما اعتاد كل مرة.
وفي هذا البيت دلالة على ماله، فهو يملك قطعان من الإبل تتجمع في مجموعات، وهو يقتل منها كثيرا بلا اكتراث كما سيقول.
88- فَمَرَّتْ كَهَاةٌ ذَاتُ خِيفٍ جُلَالَةٌ . . . عَقِيلَةُ شَيْخٍ كَالوَبِيلِ يَلَنْدَدِ
كهاة: الناقة الضخمة المسنة.
خيف: هو جلد الضرع عندما يسترخي، أي أنها ستلد بعد قليل. أو معها صغير مولود للتو، وكل هبوط وارتفاع هو خيف، ومنه خيف الجبل أي منحدراته.
عقيلة: أنفس ما يملك أو ما يعمل عليه.
شيخ: رجل كبير في السن.
يلندد: يبدو أنها صيغة غير مشتهرة من التنديد، الشدة في العداوة، يسب طرفة الشيخ الراعي للإبل.
فمرت ناقة عظيمة ذات ضرع مسترخ، أي أنها ستلد قريبا، وهي أنفس مال شيخ يكرهه طرفة ويعيبه بشدة.
هذه الإبل ملك لطرفة لكنه ككثير من أصحاب الأموال لا يعمل عليها بنفسه، بل يعمل عليها هذا الراعي الشيخ، وهي ملك لطرفة، يحرص عليها الشيخ ويرتبط بها لأنه يعيش معها وقد ألفته، أما طرفة فمثل كثير من الملاك غير مرتبط بها وفيه قسوة بالغة، فبقتل منها دون اكتراث، ويعارضه الشيخ كثيرا على تبذيره وعنفه لهذا يكرهه طرفة ويسبه، وهذا البيت وما بعده يظهر النزق البالغ في طرفة والتهور العجيب فقط كي يثبت أنه يفعل ما يريد.
89- يَقُولُ وَقَدْ تَرَّ الوَظِيفُ وَسَاقُهَا . . . أَلَسْتَ تَرَى أَنْ قَدْ أَتَيْتَ بِمُؤَيَدِ؟
تر: انقطع.
الوظيف: ذراع الحيوان من الأسفل في الموضع الذي يستدق فيه.
مؤيد: الداهية والمصيبة الكبيرة.
ضرب طرفة الناقة بالسيف فقطع أيديها وأرجلها وقتلها بلا رحمة، رغم أنها ستلد قريبا أو معها مولود صغير، يفعل هذا ليغظيهم ويثبت أنه يتصرف في أمواله كما يشاء، وبينما هو يفعل ذلك، يصرخ عليه الشيخ المسكين؟ ألا ترى يا طرفة أنك أتيت بمصيبة؟ لكن طرفة لا يهتم.
90- وَقَالَ أَلَا مَاذَا تَرَوْنَ بِشَارِبٍ شَدِيدٍ عَلَيْنَا بَغْيُهُ مُتَعَمَّدِ؟
شاربٍ: ييقصد طرفة نفسه، فهو يفعل هذا تحت تأثير الشرب.
بغيه: ظلمه.
متعمد: أي قاصدا، يفعل طرفة هذا وهو يقصده ليغيظهم.
يصرخ الشيخ أمام الحاضرين يشكو إليهم طرفة، ماذا ترون مع هذا الشارب السكران ضائع العقل، يظلمنا ظلما شديدا عن عمد وقصد.
91- وَقَالَ ذَرُوهُ، إِنَّمَا نَفْعُهَا لَهُ . . . وَإِلَّا تَرُدُّوا قَاصِيَ البَرْكِ يَزْدَدِ
ذروه: اتركوه.
قاصي البرك: الإبل القاصية البعيدة.
ثم قال الشيخ، اتركوه فلا فائدة من الحديث، وليفعل ما يريد فخير هذه الناقة إنما له لأنها أمواله، هذه الناقة لاقت مصيرها وانتهى أمرها، والآن عليهم أن ينقذوا بقية القطيع والبعيد، كي لا يزداد في القتل.
92- فَظَلَّ الإِمَاءُ يَمْتَلِلْنَ حُوَارَهَا . . . وَيُسْعَى عَلَيْنَا بِالسَّدِيفِ المُسَرْهَد
الإماء: يقصد الخادمات.
يمتللن: يشوينها على المُلَّة، وهي الرمل والحطب الساخن.
حوارها: وليدها الصغير
السديف: شحم السنام.
المسرهد: السمين.
بعد قتل الناقة وصغيرها، أمر الخادمات أن تشوي الصغير، وكان العرب يكرهون أكل الجمال الصغيرة، لكن طرفة فعل ذلك استعراضا بقوته أو إغاظة لأهله، واستمتع طرفة بالجلسة التي يمر عليهم فيها أسمن السنام وأطيبه.
وخلاصة معنى هذه الأبيات أنه أعلن تمرده الكامل وقدرته على فعل ما يريد وأنه لا يهتم بأي معارضة، ثم غناه واستهتاره بالأموال، لهذا يرى أنه سيد مستقل عنهم تماما برأيه وأنه يفعل ما يريد. ويطالب بالمعاملة التي يستحقها شخص في مكانته، وألا يساوى بالصعاليك.
93- فَإِنْ مُتُّ فَانْعِينِي بِمَا أَنْا أَهْلُهُ وَشُقِّي عَلَي الجَيْبَ يَا ابْنَةَ مَعْبَدِ
انعيني: النعي إذاعة خبر الميت ومدح صفاته.
بما أنا أهله: بما أستحق من كريم الصفات.
شقي علي الجيب: جيب القميص هو فتحة الرأس، وشقه أن تقطع المرأة فتحة ثيابها وهي تندب الميت إظهارا لشدة المصيبة، وكان العرب يفعلون ذلك.
يقول لإحدى قريباته، وقيل أنها اخته، إذا لم أخرج من هذه الأزمة ومت فيها، فأحيي ذكراي وأذيعي صفاتي بين الناس واذكريني بما أستحقه، قولي أنني كنت سيدا شريفا، وأظهري شدة الجزع على فقدي، لأن مثلي يستحق الجزع.
كان طرفة يعلم أنه مهدد بالموت، ولهذا يوصي قريبته بتذكره إذا حدث، هاجس النسيان من أشد ما قد يقاسيه الإنسان، خاصة الشجاع الفخور بنفسه، فإذا نسيت كأنك لم تكن كمصرع طائر، حتى سيدنا إبراهيم طلب من الله تعالى أن يجعل له لسان صدق في الآخرين
94- وَلَا تَجْعَلِينِي كَامْرِئٍ لَيْسَ هَمُّهُ كَهَمِّي وَلَا يُغْنِي غَنَائِي وَمَشْهَدِي
همه: ما يهمه ويشغل باله.
يغني غنائي: لا يقوم مقامي.
مشهد: الموقف الذي يشهده الناس.
لا يريد طرفة أن يُذكر بعد موته كشاب مشاغب مفسد للأموال ولا يريد أن تكون هذه ذكراه، فإنه يرى نفسه سيدا وقف أمام أقاربه في الحق وأمام الملك الذي لا يحبه، حتى إسرافه في المال كان لإثبات موقف، فيطلب من قريبته ألا تقارن بالصعاليك والحقراء، فما يهمهم في الحياة ليس ما كان يهمه، وهم لا يسدون مكانه في المواقف، فلا يريد أن يذكره الناس كأنه منهم.
95- بَطِيءٍ إِلِى الجُلَّى سَرْيعٍ إِلَى الخَنَى ذَلِيلٍ بِأَجْمَاعِ الرِّجَالِ مُلَهَّدِ
الجلى: الأمر العظيم كموقعة أو مواجهة.
الخنى: الفحش والتافه.
ملهد: حقير، ينكز ويضرب بالمرافق.
لا تجعليني في المكانة كمن يتباطئ ويهرب عند الأمور العظيمة، ويسرع عند الفواحش والتوافه، التافه الإمعة الذي يلحق بالناس أينما ذهبوا، ويكزه الرجال ويضربونه احتقارا.
96- فَلَوْ كُنْتُ وَغْلاً فِي الرِّجَالِ لَضَرَّنِي عَدَاوَةُ ذِي الأَصْحَابِ وَالمُتَوَحِّدِ
وغلا: الداخل بين الرجال وهو غريب ليس منهم، أي ليس صاحب مكانة بينهم.
ضرني: سبب لي الضرر، أو لقدروا علي.
لو كان طرفة دخيلا على مجالس الرجال ودخلها بغير حق، لأمكن لأي رجل الضرر به وأذيته، أو لمن له أتباع، لكن لا هذا ولا هذا يقدرون علي.
97- وَلَكِنْ نَفَى عَنَّي الرِّجَالِ جَرَائَتِي عَلَيْهِمْ وَصِدْقِي وَإِخْلَاصِي وَمُحْتَدِي
نفى: أبعد.
جراءتي: الصريح المقدام الشجاع.
صدقي: أي صدق قضيتي، أنه محق في ما يفعل.
محتدي: كرم الأصل والشرف.
ما أبعد الرجال عن طرفة وجعلهم يهابونه هو اجتماع كل الصفات فيه، فهو شجاع لا يهاب الرجال، وهو صادق وعلى الحق كما يرى نفسه، فهو يرى أن ما يفعله من معارضة أقاربه والقبيلة ذو وجاهة وهو صادق فيه، ولهذا يفعله بجرأة، ثم هو يستند إلى نسبه ومكانته.
98- لَعَمْرُكَ مَا أَمْرِي عَلَيَّ بِغُمَّةٍ نَهَارِي وَلَا لَيْلِي عَلَيَّ بِسَرْمَدِ
لعمرك: يقسم بحياة مخاطبه.
ما: نافية.
غمة: الحيرة والضيق.
سرمد: دائم أبدي لا ينتهي.
يقسم أن كل ما يحدث لا يهمه، فهو لا يغتم بالنهار ولا يطول ليله ولا يسهر كأصحاب الهم، أي أنه لا يكترث لكل ما يحدث، وهذا دفاع يتخذه لكنه في الحقيقة مهموم، بل إن كل هذه القصيدة تعبير عن الهم والضيق.
99- وَيَوْمَ حَبَسْتُ النَّفْسِ عِنْدَ عِرَاكِهَا حِفَاظاً عَلَى عَوْرَاتِهَا وَالتَّهَدُّدِ
عراك: العرك هو الضغط والشدة، ومنها المعركة لأن الناس يضغطون فيها.
عوراتها: العيب الذي يجب أن يحمى.
يقول أنه يستطيع ضبط نفسه، رغم ادعاء أقاربه بالعكس، فيذكر أنه حبس نفسه وأقفها رغم شدة اليوم، فعل ذلك من أجل الحفاظ على العورات.
100- عَلَى مَوْطِنٍ يَخْشَى الفَتَى عِنْدَهُ الرَّدَى مَتَى تُعْتَرَكْ فِيهِ الفَرَائِصُ تُرْعَدِ
الردى: التردي والهلاك.
تعترك: تنضغط لأقصى حد.
ترعد: ترتعش من الخوف.
حبس نفسه ووقف قويا في هذا الموقف الذي يرتعد منه الإنسان بطبعه.
101- أَرَىَ المَوْتَ أَعْدَادَ النُّفُوسِ وَلَا أَرَى بَعِيداً، مَا أَقْرَبَ اليَوْمَ لِلْغَدِ
يستهين مرة أخرى بالموت ويقبله بما إنه أنه حقيقة وسيحدث على أي حال.
102- وأَصْفَرَ مَضْبُوحٍ نَظَرْتُ حَوَارَهُ … عَلَى النَّارِ وَاسْتَوْدَعْتُهُ كَفَّ مُجْمِدِ
وأصفر: يقصد عود أصفر من أعواد القمار.
مضبوح: أثرت فيه النار، وكانوا يجلسون للقمار في أيام البرد ويشعلون النار.
نظرت حواره: انتظرت فوزه، أو رأيت كيف يخرج
كف المجمد: هو الذي يدير القمار ويرمي الأسهم للاعبين.
كأنه حياته القادمة ومستقبله رهان كرهان المقامرين، يقول أنه كمن راهن على سهم في جلسة قمار أمام النار وجلس ينظر ماذا يخرج وكيف سيكون حظه، وهذه حياته لا يعلم ما يكون منها.
..
102- سَتُبْدِي لَكَ الأَيَّامُ مَا كُنْتَ جَاهِلاً وَيَأْتِيكَ بِالأَخْبَارِ مَنْ لَمْ يُزَوِّدِ
ستبدي: ستظهر.
لم تزود: كان العرب إذا طلبوا الأخبار أتوا برجل وزودوه بما يحتاج لرحلة طويلة ليأتي بالأخبار.
يقول لأقاربه أن الأيام ستظهر لكم ما لا تعلمونه الآن، وستأتي لكم الأخبار دون جهد ودون الحاجة لتجهير رجل، أي أنها ستكون معروفة للجميع، حينها ستعلمون من هو المحق في هذا الخلاف. وهذا البيت من أبواب الحكمة البليغة.
103- وَيَأْتِيكَ بِالأَخْبَارِ مَنْ لَمْ تَبِعْ لَهُ بَتَاتاً وَلَمْ تَضْرِبْ لَهُ وَقْتَ مَوْعِدِ
لم تبع له: أي لم تبتع من أجله، لم تشتر ولم تجهز.
بتاتا: الزاد والمؤونة.
يؤكد على المعنى، لن تحتاج إلى أن تتفق مع دليل على موعد كعادة العرب، ستأتيك الأخبار مع كل الوافدين والقادمين، أي أنها ستكون مشاعة معروفة، لكنها ستكون بلا فائدة لأن الوقت سيكون قد فات.
