
دراسة اللغة العربية تنقسم إلى عدة أفرع. من أهمها علم الصرف الذي يختص بالكلمة، لأن الكلمة هي وحدة البناء الأولى. ثم الفرع الآخر وهو النحو. ثم تكتمل بعلوم البلاغة.
علم الصرف: هو دراسة الكلمة العربية وما يطرأ عليها من تغير حروفها لتأدية معان مختلفة. ومن هنا أتى اسمه: فالتصرف أو التصريف هو التحول والتغير. وهو ما يحدث للكلمة العربية عند إضافة حرف أو عدة أحرف، وما يتبعه من تغير المعنى حسب قواعد معروفة هي محل الدراسة.
معنى الصرف أو التصريف ومباحثه:
اشتق اسم الصرف من كلمة التصريف وهو التحويل أو التغيير. صرف الله الرياح أي حولها، شمالا وجنوبا وشرقا وغربا. وصرف المال أي غيره، ومنه المصرف الذي تغير فيه الأموال. وفي الاصطلاح: هو التغير الذي يحدث للكلمة العربية في أحوالها المختلفة لتوليد معانٍ جديدة. فالصرف هو لعم يبحث أحوال التغيير في الكلمة العربية.
ففي العربية يكون لدينا أصل مثل: (كَتَب) ويمكن تحويله إلى فعل مضارع فيصبح (يَكتب) أو أمرا (اكتب). كما يتصرف مع الضمائر المختلفة: (كتبتَ)، (كَتَبتْ)، (كتبوا)، إلى آخره. ويمكن أن يعني اسم الفاعل الذي قام بالكتابة (كَاتِب) ويشتق منها ألفاظ كثيرة مثل: كِتاب – مَكتبة – مكتبة – كتيبة، إلى آخره.
البحث في هذه التغيرات وضبطها هو موضوع الدراسة في علم الصرف. وتقسم الكلمات في مباحث بحسب حروف بنائها الأصلية والزائدة، فنعرف الزيادة والأثر التي أحدثته في المعنى.
كما نتعلم اشتقاق الأفعال المضارعة وأفعال الأمر من الفعل الماضي. وتصريفات الأفعال مع الضمائر المختلفة. ومشتقات أخرى بالغة الأهمية وكثيرة الاستعمال في الكلام. مثل اسم الفاعل واسم المفعول واسم المكان والصفة المشبه وغيرها، وهي مباحث مهمة لفهم وإتقان اللغة العربية.
وهناك أيضا حاجة لدراسة بعض الكلمات التي لا تتصرف أيضا. يحتاجها ناشئة العرب والطلبة من غير العرب الذين يريدون دراسة العربية، كذكر كلمات الاستفهام ومعاني الحروف وغيرها، فرأيت أن تجمع في أبواب مغ غيرها، ويكون المجال الأوسع لعلم الصرف: هو دراسة كل الكلمات العربية، التي تتصرف وهي الغالبية، والكلمات الأخرى التي يحتاجها الطالب.
دراسة الصرف قبل النحو.
النحو والصرف شقيقان يكملان بعضهما. فاللغة العربية تتكون من جمل بما فيها قواعد الإعراب، وهذا مجال علم النحو. والجمل تتكون من كلمات، ودراسة مباني الكلمات العربية هي مجال علم الصرف. فالصرف والنحو يكملان بعضهما، حيث يبدأ النحو تقريبا من حيث ينتهي الصرف.
وكان العلمان يُدرسان معا في الأزمنة القديمة، ثم فُصلا تسهيلا على الطلاب. وما زال بينهما تداخل كبير في الدروس. فلكي نفهم مثلا إعراب جمع المذكر السالم، نحتاج أولا أن نعرف كيف نجمع الكلمة ونحولها من مفرد إلى جمع. وهذا بحث صرفي، ثم ندرس كيف يتغير جمع المذكر السالم في الجملة رفعا ونصبا وجرا، وهذا بحث نحوي.
دراسة الصرف تسهل النحو كثيرا على الطالب. لهذا يبنغي أن يدرس أولا. رغم أن أكثر الطلاب لا يهتمون بتخصيص وقت للصرف. لأنهم يظنون معلوماته مسلما بها ولا تحتاج إلى دراسة. كما اعتاد العلماء الاهتمام بالنحو لأن أكثر الأخطاء تحدث فيه.
جماليات علم الصرف.
يتوجس بعض الطلبة خيفة من دراسة علم الصرف. وهو في الحقيقة بسيط وممتع، فكثير من القواعد نعرفها بالفعل ونستعملها بشكل طبيعي في حديثنا اليومي. ولا يتبقى إلا بعض القواعد لتظبطها، كما أن التأمل في هذه القواعد ممتع وجميل.
ويكشف الصرفُ عن جمال اللغة العربية ودقة المعاني، وهي المزايا التي استغلها الشعراء في قصائدهم: حيث تختلف دلالات الألفاظ مع اختلاف مبانيها: ف(قَتَل) يختلف عن (قَتَّلَ) بالتشديد وعن (قَاتَل) بوجود ألف المد. الأول يعني القيام بالفعل نفسه، أما قتَّل بالتشديد فتعني أنه أمعن في القتل وأسرف. وأما قاتل على وزن فاعل، فتعني الاستمرار في الأمر فترة، أي أن المعركة استمرت فترة وكانت متبدالة من الطرفين.
كما أن المعنى يختلف بين الفعل (خَرَجَ) وبين (اسْتَخْرَجَ) وبين (تَخَارَج) ، وكلها مشتقة من مادة واحدة.
الاختلافات في الأمثلة السابقة من طبيعة اللغة العربية وأسرار جمالها ودقة تعبيرها عن المعاني. وهذا يعرفه العربي فقط بتمييزه للوزن الذي أتى عليه الفعل. و تجد هذه الملامح الدقيقة بكثرة في القرآن الكريم والشعر العربي. ينتبه لها الذكي وتزداد بها قيمة النص. فإذا فهمتها وأنت تقرأ نصوص اللغة، ستقدر علم الصرف كثيرا. ويمكنك أن تطبقها على كتابتك لتزداد قيمة. وسوف ندرسها بالتفصيل في باب أطلق عليه (دلالات الأوزان الصرفية).
مبادئ أساسية في علم الصرف.
لعلم الصرف عدة مبادئ أساسية، هي خواص أساسية للغة العربية، إذا استوعبتها جيدا في البداية ستضح لك معالم الدروس بشكل كبير وسيسهل عليك فهم قواعد اللغة صرفا ونحوا. وإذا لم تفهمها غب البداية ستعاني قليلا مع بعض الدروس.
وسوف أخصص لها الفصل الأول، لتدخل الدرراسة مزودا بالمعرفة الأساسية اللازمة، وستلاحظ أن الدروس مبنية على هذه الأفكار الأساسية.
1- فكرة الجذر أو الأصل اللغوي والاشتقاق منه.
الجذر هو الكلمة التي تتكون كلها من حروف أصلية ولا يمكن حذف حرف منها، ويتفرع منها كلمات كثيرة تؤدي معانٍ مختلفة كلها متربطة بالمعنى الإجمالي الأول، كما ذكرت في مثال (كَتَب) في أول المقال. فكل الكلمات المشتقة منها لها علاقة بمعنى الكتابة وتدور حوله، هذه الفكرة مركزية جدا في اللغة العربية ويجب أن تسوعبها في ذهنك، ودراسة هذه التغيرات تشغل أغلب فصول الصرف.
كما أن المعاجم العربية ترتب حسب الجذور اللغوية. فتبحث أبجديا عن الجذر في المعجم، ثم تجد تحته كل الكلمات التي اشتقت منه بشواهدها ومعانيها، ولهذا فمعرفة الجذر مهمة للبحث في القواميس، وتعينك عليه قواعد الصرف في تمييز الحروف الأصلية والزائدة في الكلمةظن ويمكنك القراءة عنها بالتفصيل في هذا المقال.
2- الكلمة العربية لا تبدأ بساكن، ولا تنتهي بحرف متحرك.
قد تكون الحروف العربية متحركة بفتحة أو ضمة أو كسرة، وأحيانا تكون ساكنة لا حركة فيها. والقاعدة التي يجب تذكرها دائما هو أنه لا يمكن أن تبدأ الكلمة العربية بحرف ساكن أبدا. لأن الابتداء بالحرف الساكن ثقيل على اللسان أو متعذر. لهذا تضع العرب ألفا متحركة في بداية الكلمات التي تبدأ بحرف ساكن كي يسهل نطقها. كالأفعال السداسية نحو : (استفهم) فهذه الألف الأولى ليس من الكلمة، وإنما أتي بها فقط لتسهيل النطق بها، وإذا وصلت الكلمة بما قبلها وكان متحركا لا يعود هناك سبب لوجودها فتحذف من النطق كقولنا: أتى ثم استفهم.
أيضا لا إذا كان الحرف الأخيرا متحركا، (وكثيرا ما يكون كذلك لدواعي الإعراب) واحتاج المتكلم إلى التوقف. فإنه يسكن الحرف مهما كانت حركته الأصلية. فإذا وصلها بما بعدها وضع الحركة بشكل طبيعي.
3- لا يلتقي ساكنان في اللغة العربية.
لا يمكن أن يلتقي حرفان ساكنان في اللغة العربية، لثقل النطق على اللسان، واللغة العربية لا تحب صعوبة النطق، لهذا يتحرك أحد الحرفين طلبا للسهولة.
فإذا قلنا اقرأ الدرس، فإن الهمزة في آخر اقرأ ساكنة، وكذلك الألف في أول الدرس، ولهذا توضع كسرة عارضة على الساكن الأول ليتحرك ويسهل النطق به، فتكون عند الكلام: اقرإِ الدرس، بكسرة، وهذه الكسرة ليست علامة إعرابية، بل هي فقط للتخلص من التقاء الساكنين.
وفي الصرف أبواب تسمى الحذف والإعلال هي تطبيق مباشر لهذا المبدأ، فإذا التقى ساكنان فقد يحذف أحدهما أو يتغير إلى حرف آخر تبعا لهذا المبدأ، وسوف ندرس الأمثلة في حينه.
4 – حروف العلة وتحولاتها في الكلمات.
حروف العلة هي الحروف المد الثلاثة، الألف والواو والياء. تسمى هذه الحروف (حروف العلة) وتعني المرض، لأنها تتغير مثلما يتغير حال المريض، فهي حروف ضعيفة. وتتعلق بها كثير من قواعد الصرف.
حروف العلة في اللغة العربية هي حروف ساكنة لأن اللسان لا يتحرك عند نطقها. ةوتنطبق عليها قواعد عدم الالتقاء بساكنين. فإذا وجدت في كلمة مع حرف ساكن فإنها تتغير أيضا تبعا لقاعدة ألا يلتقي ساكنان. وهذا يتحقق في قواعد صرفية كثيرة في تصرف الأفعال المعتلة وقواعد الإعلال. مثلا في الفعل الأجوف (قال)، عندما نصرف منه فعل الأمر يكون (قُولْ) وهذان حرفان ساكنان، فيحذف حرف العلة تسهيلا للكلام، لتصبح (قُلْ).
وسوف ندرس هذا في أبوابه.
هذه مبادئ أربعة أساسية، هي جوهر علم الصرف كله. تذكرها دائما وأنت تقرأ الدروس، فكل ما سترى من تصريفات يرجع إلى واحدة.
كتاب الصرف الصالح – قواعد الكلمة العربية.
سوف أجمع المقالات المكتوبة على الموقع في كتاب أسميه الصرف الصالح – قواعد الكلمة العربية، وهو عمل أرجو من خلاله أن أقدم قواعد اللغة العربية بشكل علمي واضح خدمة لأهلها ونشرها بين غير المتحدثين بها. ليتكامل مع أخيه الأكبر: كتاب النحو الصالح، وسوف تنشر المقالات على الموقع أولا، ثم سأجمعها في كتاب واحد.