
يهتم طلبة اللغة العربية بدراسة النحو اهتماما بالغا، ويقدمونه على ما سواه خاصة الصرف الذي يميلون عادة إلى تجاهله لقلة أهميته في نظرهم. أو اهماله على اعتبار أن محتواه معروف بسهولة ولا يحتاج دراسة.
ويظل النحو هو العلم الأكبر من علوم العربية لأنه يتعلق بأحكام الجملة وتركيب الكلام الصحيح. فإجادته تعني الحديث والكتابة بطريقة صحيحة. ولأنه ظاهر يظهر أثره سريعا على الطالب، وكذلك فإن الخطأ فيه واضح.
دراسة الصرف قبل النحو.
لكن من التجربة العملية وجدت أن دراسة الصرف أولا هو السلوك الأمثل لأنه تهيئة قوية لعلم النحو. وأن طالب النحو الذي لا يعرف القواعد الصرفية الأساسية قد يتعثر في الدروس ويضطر لمراجعتها قبل إكمال درسه النحوي. وقد جربت ذلك على نفسي، فقد كنت أتوقف في بداية دروس النحو لأعرف كيف تصاغ الكلمات وأقسامها ومصطلحاتها، فتركت النحو ودرست الصرف أولا، ولما تحقق لي ذلك عدت إلى النحو وشرعت أسير فيه بأقدام راسخة.
موضوع علم الصرف.
يدرس علم الصرف تكوين الكلمات العربية من حيث أبنيتها وأوزانها وتحولاتها أو تصاريفها المختلفة. وعند الانتهاء منه يكون محيطا بأقسامها وصياغاتها ومهيئا للمرحة التالية وهي إدخالها في الجمل ومعرفة الإعراب والبناء.
موضوع علم النحو
يدرس علم النحو تركيب الجملة العربية الكاملة المفيدة، بما في ذلك حركات الإعراب على أواخر الكلمات، وغايته حفظ اللسان من الخطأ والكتابة بشكل صحيح.
وكما يظهر من التعريفين، فالبداية بالصرف هي المنطقية لأنها صعود من الكلمة وهي الأصغر إلى الجملة الكاملة وهي الأكبر، ولأن دراسة الجملة لا يمكن أن تقوم على أساس صحيح دون فهم مكوناتها وهي الكلمات. فيدخل إلى النحو واضعا نصب عينية إعراب الكلمات وبناءها لأنه وقف على أساس صلب ويعرف قواعدها الأولية.
ولهذا أخالف رأي بعض الأساتذة الذين ينصحون الطالب بتأخير الصرف حتى إلى ما بعد دراسة الألفية كما سمعت أحدهم يقول ذلك.
أمثلة عملية لفوائد دراسة الصرف أولا قبل النحو.
1- تمييز أقسام الكلمة.
يبدأ دارس النحو بدرس عن أنواع الكلمة الثلاثة، وهي الاسم والفعل والحرف. ثم يتعرف على طرق تمييز كل نوع منها بعلامات، وهي ضرورة من أجل تطبيق أحكام النحو فيما بعد.
ولو درس الطالب الصرف أولا قبل النحو لأمكنه تمييز الكلمات بسهولة تامة. لأنه تعرف في الصرف على كل نوع منهم وأقسامه المختلفة وأبنيته، فقد درس أبنية الفعل المجرد منها والمزيد، ودرس الأفعال الصحيحة والمعتلة، وتقسيم الفعل إلى ماضٍ ومضارع وأمر وكيفية صياغة كل منها. فطالب الصرف يعرف كل شيء عن الأفعال ولا يحتاج لعلامات بسيطة ليتعرف عليها.
وكذلك الأسماء، فقد درس المجرد والمزيد فيها، وكيف يبحث عنها في المعجم. وعلم كثيرا من أبنيتها ودلالتها، ودرس فصلا كاملا عن المشتقات. فيسهل على طالب الصرف جدا أن يتعرف على الأسماء.
وهكذا نرى أن طالب الصرف يدخل إلى النحو وهو عارف بأقسام الكلمة وكثير من أحكامها. ومهيئ ليعلم مواضعها في الجمل وإعرابها، لا أن يتعرف عليها لأول مرة وتبقى العلمات التي يدرسها في بداية دروس النحو من باب التمام والزيادة.
2- الحديث عن أنواع الأفعال.
قبل دراسة إعراب الأفعال وبناءها، يتوقف طالب النحو لمعرفة الفروق بين الماضي والمضارع والأمر وكيفية صياغة كل فعل، وهذه معلومات ينبغي أن يكون الطالب محيطا بها قبل درس النحو، لأنها تتعلق بصياغة الكلمات وتراكيبها. بينما يكون تركيزه في النحو منصبا على مواضع البناء والإعراب، والعلامات الإعرابية المختلفة.
3- الحديث عن أنواع الجمع.
ونفس الأمر يتكرر عند الحديث عن صياغة جمع المذكر السالم وشروطه قبل الحديث عن علامات إعرابه. ثم الحديث عن صياغة جمع المؤنث السالم والخلاف حول اسمه قبل الحديث عن علامات إعرابه. ثم الحديث عن جمع التكسير وشروطه وأنواع الجمع المختلفة، وهي كلها مسائل صرفية بحتة لأنها تتعلق بصياغة الكلمات وتصاريفها. ويضطر الأستاذ للبدء بها لأن الطلاب قد لا يعرفون أنواع الجموع. ولو درسوا الصرف أولا قبل النحو لأتوا إلى الدرس مجهزين ليضعوا كامل تركيزهم على قواعد الإعراب.
الخلاصة
دراسة الصرف قبل النحو لها فوائد عملية كبيرة يدركها من درسها، وهو يساعر كثيرا على ترتيب المادة العلمية في ذهن الطالب على أساس علمي تصاعدي صحيح.