
قبل أن تنشر كتابك الأول. هذه حقائق قاسية يجب أن تعرفها لتقف على أرض صلبة تساعدك على التخطيط لعالم الكتب ونشر الكتاب. يجب عليك أن تعلمها جيدا قبل أن تبدأ لتنجح في حياتك ككاتب. وهي مستقاة من مراقبة عالم النشر العربي والعالمي وأقوال الخبراء على منصات التواصل المختلفة. سأنقلها لك بأمانة وصراحة ودون تجميل للكلام، كي تساعدك على اختيار المسار العملي الناجح. وأتمنى لك التوفيق.
1- وضع كتاب جيد لا يعني النجاح التجاري.
كثير من الكتب التي يضعها كتاب جيدون جدا في مجالاتهم وتعجب المتخصصين لا تحقق الانتشار المأمول في سوق النشر. تبيع عددا لا بأس به، لكنه لا يغير حياة الكاتب كما كان يأمل. كثير من الكتابات الجيدة تضيع في زحمة السوق ويكتئب أصحابها بسبب ذلك. لكن لا تحكم على نفسك بالفشل في الكتابة لأنك لم تبع خمسين ألف نسخة، ربما تحكم على مهاراتك التسويقية. وهذا أمر مختلف تماما.
2- التفوق في التسويق لا يعني النجاح أيضا.
كثير من نجوم المواقع الاجتماعية على تيك توك ويوتيوب وانستاجرام وغيرها لديهم قاعدة جماهيرية ضخمة. ثم يجمعون المحتوى في كتاب يطرحونه للبيع، وهذا أمر لا بأس فيه.
ولأنهم مهرة في التواصل وتشويق الجماهير، فإنهم يخلقون ترقبا كبيرا لكتابهم المنتظر ويحصلون على طلبات مسبقة كثيرة. ويبيع الكتاب بقوة كبيرة عند طرحه وقد يسبب ازدحاما في قاعات معرض الكتاب. لكن عند فحص الكتاب يتضح أنه فضيحة أدبية، سيء جدا أو عادي في أحسن الأحوال. فيحصل الكتاب فورا على تقييمات سلبية يتبادلها الجمهور على نفس المواقع التي سوقته، وبهذا يختفي الكتاب. حتى أنه ربما لا يطرح على الإطلاق في معرض الكتاب التالي. قام صاحبه بعمل رائع في التسويق وخلق ترقبا لكتابه. لكنه لم ينتبه للأهم وهو وضع كتاب جيد أولا.
لهذا على الكاتب أن يكون جيدا في الأمرين معا: الكتابة الجيدة وهي الأصل ثم التسويق الجيد.
3- التحرير الأدبي يفتح عينك على أشياء كثيرة.
كثير من الكتاب الجدد يهملون أهمية التحرير الأدبي. فيقومون بأنفسهم بمراجعة الكتاب أو يعطونه لمدرس لغة عربية صديق. لكن عندما يطلع عليه محرر أدبي محترف فإنه يستخرج عشرات ومئات الأخطاء الصغيرة التي لا يلاحظها الكاتب ولا صديقه مدرس اللغة العربية. لأن التحرير أكثر من مجرد تدقيق لغوي.
التحرير الأدبي لا يعني تغيير فكرة الكاتب ولغته. لكن ترتيبها بشكل صحيح ولفت نظر الكاتب إلى أخطاء ليراجعها بنفسه، أو إيضاح لأجزاء لم يوضحها بشكل صحيح. أو تنبيه على أجزاء كررها أكثر من مرة. أو مواضيع جانبية وضعها ولا تخدم فكرة كتابه. كل هذه الملاحظات تجدها عين المحرر الخبير الذي يفهم كيف يطلع القارئ على الكتاب. لهذا لا تستهن بشأن التحرير الأدبي في كتبك، خاصة الكتاب الأول.
4- عملية النشر بطيئة بطبعها.
يجب أن تعلم أن عملية نشر الكتاب تأخذ وقتا من دار النشر، بدءا من قراءة نصك أولا والموافقة عليه من بين مئات أو آلاف النصوص المقدمة. ثم خطوات التجهيز الكثيرة من مراجعة لغوية وإعادة كتابة لبعض الأجزاء. وتحرير وتسجيل في الجهات الرسمية وتصميم للغلاف والتنسيق وعشرات المهام الصغيرة الأخرى.
ربما تحتاج كل هذه العملية إلى ستة أشهر أو سنة عند بعض الدور الكبيرة التي تحرض على اختيار منشوراتها والتدقيق فيها. ويجب أن تضع ذلك في اعتبارك عندما تريد أن يرى كتابك النور في الوقت الذي حددته لنفسك.
بالطبع يوجد خيار النشر الذاتي بدأ ينتشر في عالمنا العربي. حيث تجهز الكتاب بنفسك وينشر في نفس الوقت تقريبا عبر إحدى المنصات. لكنك مسؤول عن كل شيء ولن تحصل على خبرات دور النشر في مراحل إعداد كتابك.
إذا اخترت النشر مع دار نشر فعليك تقدير الوقت اللازم وهو سنة تقريبا. ثم المتابعة معهم، وفي أثناء ذلك يمكنك شغل نفسك بالإعداد لتسويق الكتاب أو للبدء في الكتاب التالي.
5- نصف تسويقك للكتاب هو تصميم الغلاف.
أول سبب لفشل الكتاب الجدد دون طرح أسئلة هو الغلاف السيء. في الأغلبية الكاسحة من المرات يكون هذا هو السبب. حيث يتعاقدون مع مصمم هاوٍ أو تصمم لهم دور النشر الصغيرة أغلفة رخيصة تقليدية مكررة يضعها مصمم في خمس دقائق على برنامج الفوتوشوب وإخوته. فيعرف القارئ فورا أنه كتاب لأحد هؤلاء المغمورين الذين لا يقرأ لهم أحد.
وبما أن الكاتب الجديد غير معروف غالبا. فإنه يحتاج أن يترك انطباعا قويا عن القارئ بغلاف فخم يعبر عن شخصيته وشخصية كتابته. يجب أن تنجذب عين القارئ الذي لا يعرفك ولم يسمع اسمك من قبل في الثواني القليلة التي تقع عينه على كتابك فوق رف الكتب.
وحتى أفضل الكتب للكتاب المعروفين تحتاج تصميما جيدا. أحيانا يكون التصميم جيدا لكنه لا يتماشى مع موضوع كتابك. ويحدث هذا لخطأ في الرؤية أو مع الدور التي تصمم بالجملة لكتابها الجدد على قالب واحد مع تغييرات بسيطة لكل كاتب.
لا تتنازل أبدا عن تصميم جيد لغلاف كتابك. حتى لو استدعى الأمر أن تتواصل مع مصمم مستقل محترف وتدفع له مبلغا كبيرا من جيبك الخاص. ولا تنس أن الغلاف الجيد هو نصف دعاية كتابك.
6- الأسابيع الأولى من عمر الكتاب مهمة.
الكتب سلعة طويلة العمر، والدعاية له عملية مستمرة طوال سنوات. وقد يعيش الكتاب الجيد ويستمر في البيع بعد موت صاحبه. لكن كثيرا من الكتب تطرح طوال الوقت خاصة أيام معارض الكتاب. وعلى الكاتب لفت الانظار لكتابه في أيامه الأولى.
سوف تقوم دار النشر بالإعلان عن الكتاب ونشر منشورات عنه لكن هذا لا يكفي أبدا لتمييز نفسك وسط الزحام. مسؤلية الدعاية للكتاب تقع على عاتق الكاتب أيضا، كثف دعايتك على صفحات التواصل بكل الطرق المختلفة بما فيها المنشورات المدفوعة لتعطي كتابك الزخم الذي يحتاجه في البداية. وقد كتبت مقالا مفصلا عن الدعاية للكتاب، يمكنك الوصول له عن طريق هذا الرابط .
7- الكتاب الأول خطوة تأسيسية، وليس آلة لربح المال.
يعول الكثير من الكتاب الجدد على كسب مال كثير من نشر أول كتاب. والحقيقة القاسية أن هذا غالبا لن يحدث. الكتاب الأول أو الكتب الأولى هي وسيلة لبدء تداول اسم الكاتب بين القراء. يتعرف القراء على اسمك للمرة الأولى عبر الكتاب الأول. والغالبية العظمى من الكتاب المشاهير لم يحصلوا الشهرة إلا بعد الكتاب الخامس أو السادس، وحينها يعود القراء لشراء كتبهم الأولى أيضا.
يربح الكاتب أموالا جيدة إذا أصبحت له كتب بين القراء لا كتابا واحدا. وقد تكون سلسلة روايات أو سلسلة في موضوع محدد يشتهر بين القراء. فكل كتاب هو رابط وفرصة جديدة لجذب قراء جدد. والكتب المجتمعة معا تعمل على تحقيق النجاح المطلوب. لكنه لن يحدث مع كتاب واحد، إلا إذا كان الكاتب شهيرا جدا بالفعل قبل صدور أي كتاب.
قلنا أن دار النشر تحتاح وقتا لإخراج كتابك، وأنك تحتاج عدة كتب لتنجح. لهذا بعد تسليم العمل للدار، اشغل نفسك بوضع كتابك الثاني والثالث. يجب أن تعرض عدة أعمال على القراء لتزيد فرصك في النجاح. تخيل زيارة لمتجر يعرض سلعة واحدة مقابل اختيارت عديدة كثيرة. لابد أنك ستختار شيئا من المتجر الممتلئ، وهذا هو ما عليك فعله ككاتب.
كما أن الشعور بالإحباط أحيانا سيظل يلازمك حتى بعد نشر كتب كثيرة، وهذا يحدث للجميع. لأن لدينا توقعات عالية لنجاح كتبنا وقد لا يحدث لسبب أو آخر. وقد تقارن نفسك بمن حقق نجاحات مالية كبيرة في مجالات أخرى فتتساءل عن جدوى الكتابة من الأساس. يجب ألا تفكر بهذه الطريقة فالكتابة أصلا هي استجابة لنشر فكرة تريد لها الإنتشار. وأنت تشعر بالمكافأة المعنوية والمكانة الاجتماعية من انتشار فكرك. كما أنها تحقق نجاحا ماليا فعلا إذا نجحت في نهاية المطاف.
رحلة النشر طويلة، وخروج الكتاب الأول هو نهاية الكتابة، لكنه بداية عالم النشر والتسويق وهي مرحلة تأخذ وقتها. يجب أن تملك منظورا واسعا لفهم هذه العملية التي تصبح أسلوب حياة كامل.
8- سيطلب منك الناشرون المشاركة في العمل.
ولت الأيام التي كان فيها الكاتب يعيش في برج عاجي وعام جميل للقراءة والكتابة. وكان يسلم الكتاب لدار النشر ولا يشغل باله بما يحدث معه. سوق النشر والمنافسة كبيرة جدا هذا العصر، ويجب أن تكون من الصفوة الكبار لتحصل على المعاملة الملكية من دور النشر. وحتى تحقيق ذلك يجب أن يساهم الكاتب بترويج كتابه بنفسه وتعريف قراءه عليه. ويجب أن ينشط على مواقع التواصل لخلق جمهوره، والقيام بجولات للكتب ومقابلة الجماهير. سوف تساعدك الدار بالخبرات والمعرفة العملية، وربما تنظم لك ندوة أو اثنتين. لكن عليك أن تجتهد وتنشط بنفسك في التسويق لكتابك.
9- لا تتحمس كثيرا ليوم إصدار كتابك الأول.
يحلم الكتاب بيوم إصدار كتابه وتجمع المعجبين حوله وتلقي التهاني والتوقيع على النسخ التقاط الصور، وإجراء بعض المقابلات مع المواقع. فقد تعب كثيرا من أجل هذه اللحظة وحلم بهذا اليوم مثلما تحلم الفتاة بيوم زفافها.
لكن عكس حفلات الزفاف الصاخبة. قد يكون اليوم الأول محبطا جدا حيث لن يحضر إلا بعض الاقارب والأصدقاء وربما 5 معجبين متفرقين.
يجب ألا تكتئب حينها وتفقد الثقة في نفسك، لأن هذا هو الأمر الطبيعي. فأنت لم تصبح شهيرا بعد وما زلت في أول الطريق. وتذكر أنه ينشر يوميا عدة مئات أو آلاف من الكتب وأنت واحد منها فقط. لهذا كن واقيا وانظر للأمام.
ولتعويض الحفلة الضائعة، ولجعل يوم الإصدار مميزا. رتب مناسبة أخرى في المساء، كتصوير حلقة دعائية أو لقاء ثقافي. أو بالنسبة لي شخصيا، احتفل مع أسرتك بهذا الإنجاز واخرجوا معا في سهلة عائلية وتناولوا العشاء في الخارج. فالتواجد مع العائلة يعطي المعنى لكل شيء في الحياة.
وهناك سبب آخر لتحتفل به يوم صدور كتابك الأول، هو أنك أكملت فعلا كتابا حتى النهاية. وهذا مستوى لم يصل له عدة آلاف ممن يحلمون بهذه الخطوة لكنهم توقفوا في الطريق أو لم يبدؤوا أصلا. يجب أن تشعر بفخر لأنك أتممت هذه الخطوة وتجسد الكتاب أمام عينك فعلا بورقه وغلافه، بعدما كان فكرة مجردة في ذهنك لسنوات كثيرة.
10- لا يمكن الهروب من التعليقات السلبية.
يجب أن تكون جاهزا لتلقي الانتقادات العنيفة والكلمات الجارحة. وتذكر أن الكاتب الناجح لا يخاف من جماهيره، فلا يجب أن يعدل ويخفف عباراته لتصل لكل أحد ويتجنب سوء الفهم. إذا فعل ذلك ستتقعد الكتابة وراء الإيضاحات والاستطرادات واللغة المراوغة. ثم لن يسلم أيضا.
وصدقني يلقي الناس كلمات جارحة كثيرة جدا في التعليقات. حيث يتجاهل مجهودك بأكمله لأجل كلمة لم تعجبه. وقد لا يفهمون مقصدك، وقد لا يكونون أصلا من جمهورك المستهدف لكنهم وقعوا على كتابك. وقد يكونوا مؤمنين برأي يعاكس ما كتبت ولا يوجد ما تفعله إزاء ذلك.
القاعدة الذهبية هي ألا تضع هذا الأمر في بالك ولا يستحوذ على تفكيرك. فلا تستجب قد المستطاع بالرد على التعليقات السلبية. ولا تصور حلقات للرد على فلان الفلاني الذي هاجمك بشدة. ولا تحاول التواصل مع المهاجم. غالبا لن يؤدي على الأمر إلا لخلق جدالات جديدة. وتذكر أنك فعلا قد قلت رأيك في الكتاب وأفردت له صفحات كاملة. فلا داعي لتكراره وإيضاحه مرات جديدة أخرى.
يمكن أن تستفيد من النقد بإعادة التفكير منفردا وربما إضافة فقرة أو تعديل في الطبعة التالية. وهذه هي الاستجابة الحقيقة للنقد الفعال، وتذكر هذه القاعدة الأساسية: لا يوجد كتاب للجميع، وسوف يجد كتابك جمهوره المستهدف وهؤلاء سيعجبون به.
11- لا يمكنك إيقاف القرصنة والنسخ المزورة.
بعد نشر كتابك بأسابيع وأحيانا بأيام قليلة. ستظهر نسخ مزورة على الأرصفة ونسخ مقرصنة على المواقع. بل سيسألك بعض القراء مباشرة دون مراعاة لمشاعرك عن نسخة مجانية للتحميل.
للأسف يتعامل كثير من الناس مع الكتاب على أنه إضافة مجانية دون النظر لكونه مثل أي سلعة بشرية. قد خرج بعد بذل جهد هائل من الكاتب والناشر، لا ينظر الماس إلى أن ثمن الكتاب يعينهما للإنفاق في حياتهم الخاصة، والاستمرار في الكتاب.
أحيانا يطلب القارئ الكتاب بالمجان بحجة نشر العلم والثقافة وعدم كتمانهما. مع أنهم ينفقون الكثير على شراء الملابس والترفيه والخروج. وكلهم يعملون في أعمال مختلفة ولن يخرجوا أعمالهم مجانا بحجة نشر الخير للمجتمع، لكن هذا ما يحدث.
لا توجد حلول قاطعة لهذه المشكلة. لكن ما يمكنك عمله هو ضمان تسجيل كتابك لحفظ حقوقك الأدبية. وعادة ما تقوم دار النشر بذلك. والحل العملي هو التركيز على جمهورك المستهدف، وهم المحبون الذي يفضلون شراء نسخة لأنهم يحبونك ويحترمونك. وسوف يتعاطفون معاك بشراء النسخة الأصلية كنوع من العرفان والمحبة.
لكن هناك جانب واحد إيجابي لقرصنة الكتب. فانتشار طبعاتك المزورة هو بشكل ما دعاية لك ودليل على نجاحك. وخطوة لوصول الكتاب إلى ١٠ آلاف نسخة، وهو رقم يراه بعض الخبراء خطا فاصلا يعني أن الكتاب قد ثبت أقدامه وسيواصل تحقيق مبيعات لأنه انتشر بين القراء. ولا يهم بأي صيغة انتشر. وربما يتحول البعض منهم إلى جمهور حقيقي فيشتري الكتاب الأصلي يوما ما. فالموضوع ليس كله سوادا، على أمل أن تحل مشكلة قرصنة الكتب بتنظيمات أكثر حزما.